بعد العراق اين اصبحت سيادة الدول المستضعفة؟
في ظل الحرب الحضارية التي اوقدها الرئيس
الامريكي وجماعته من اليمين المتصهين، يعود التمييز الاستعماري القديم بين الامم
التي لها (الحق) في ان يكون لها حقوق الانسان، وبين تلك الامم الاخري التي ليس لها
هذا الحق، فيغدو هذا التمييز ليس المسكوت عنه في العلاقات الدولية، بل هو المعلن
والمعمول به علي المكشوف، وكأنه العلامة الاولي للدول المتفوقة علي سواها
المستضعفة، والمعرضة لانتهاك سيادتها عند اول بادرة يحققها بعضها في سعيها الي جعل
استقلالها الصوري اكثر مصداقية بالنسبة لشعوبها ولسواها في المحيط العالمي حولها.
هذه العلنية الصارخة في انتهاك السيادة امسي لها اصطلاح آخر تحت اسم: حق التدخل،
بمعني انه اضحي ممكنا لأية دولة ان تعتدي علي اخري تحت هذا الادعاء، سواء وافقتها
هيئة الامم علي تدخلها او شاركت معها او عارضتها، وخاصة اذا كانت الدول المعتدية
عضوا دائما في مجلس الامن. وهكذا تعرض العراق خلال عقد واحد تقريبا لنموذجين من
(حق التدخل) اولهما كان مستظلا بشرعية مجلس الامن، والآخر جاء ضدا علي هذه
الشرعية. وكانت دولة واحدة كبري، امريكا، هي الفاعلة الاولي والرئيسة في كلا
الحربين (1991 و2003) وبين هاتين الواقعتين قام حلف الاطلسي بضرب صربيا وفرض تغيير
الحكم فيها، وجر زعيمها الي المحكمة الدولية.
ما يدل بوضوح كامل ان الاساس المبدئي الذي
ارتكز اليه القانون الدولي، وهو مبدأ احترام استقلال الدول وسيادتها، يكاد يختفي
علي صعيد الممارسة الفعلية، ليحل مكانه قانون الغاب نفسه القائم علي جذرية الحكمة
العتيقة الدائمة وهي ان الحق للقوة فحسب. لكن هذه الحكمة الضالة المضللة لا تجرؤ
حتي الدول الكبري القادرة علي تبنيها علنا وصراحة، فتكسوها دائما بهالات اخلاقية
وحضارية. ها هي امريكا الغازية والمهددة تقريبا لمبدأ الاستقلال لدي كل كيان سياسي
آخر. قد يعارض تدخلها، فانها تعتبر جيوشها بمثابة (رسل) مسلحين. وان رئيسها اصبح
كاهن التبشير برسالة القوة في العالم كما لو كانت هي قوة الرسالة. هذا مع الفارق
الصارخ بين الدلالتين. لكن ما دام العنف العاري سيد الموقف سواء في السياسة او
الحرب، فلا شيء يمكن ان يوقف تسلسل نتائجه التدميرية من بعضها، وبصورة تصاعدية،
الا عندما تجتمع ارادة الدول ثانية علي اعادة تواصلها مجددا بين السياسة العالمية
والاخلاق مهما كانت هذه المهمة تبدو مثالية بل خيالية، لكنها مع ذلك تظل لها
القدرة الحاسمة ما ان تؤول تناقضات العنف مع القيم الي تهديد اصحابها انفسهم بشر
افعالهم.
في هذه الحالة اي مع فشل اصحاب العنف في
اجتراح اي نظام آخر بديل عن مباديء الاجماع، تغدو دولة الاستبداد هي المناقضة
الفعلية لشرعة حقوق الانسان، اذ انها عندما لا تحترم تلك الحقوق كيف لبقية الدول
ان تحترمها. تلك هي الحجة الاساس التي يعتمدها القائلون بحق التدخل في شؤون الدول
الاستبدادية، غير ان هذه الحجة التي تبدو للوهلة الاولي عقلانية، وتعبر عن مستوي
جديد للتضامن الدولي، الا انها لا تلبث سريعا حتي تستخدمها القوي الكبري لاحتواء
الكيانات السياسية الصغيرة والتي تنعم بشيء مما يسمي بالاستقلال الوطني، فمن
المعروف ان دعاة حق التدخل في الغرب علت اصواتهم خاصة بعد انهيار سد برلين، وبرز
منهم مفكرون وقادة سياسيون في كل من فرنسا والمانيا، ولقد كان لاشتعال الحرب
الاهلية بين قوميات وطوائف يوغوسلافيا القديمة في وسط اوروبا، والمجازر الجماعية
التي صاحبتها، كان لها الاثر الفعال في تقديم ساحة واقعية لتطبيق مفهوم حق التدخل
باعتباره مبدأ انسانيا لا بد للمجتمع الدولي من الالتزام به، وقد سارعت امريكا في
تقديم آلتها الحربية الجبارة لضرب النظام الصربي الذي كان يتحمل مسؤولية تفكيك
يوغوسلافيا، واستخدام وسيلة الابادة الجماعية للاقليات بدءا من الطائفة الاسلامية.
وكانت قد نالت الحصة الاكبر والاشد هولا من المذابح العرقية الدينية. بالمقابل ظهر
عجز الاوروبيين في ايقاف الحرب الاهلية بالوسائل السلمية، كما كانوا غير قادرين
عسكريا كذلك علي اسقاط النظام الصربي، فانتهزت امريكا فرصتها الذهبية مجددا في
استغلال حق التدخل كتطويب اول لتفوقها الاحادي وزعامتها علي الغرب، وحاجة اوروبا
الي قوتها الضاربة، حتي في عقر دارها.
غير انه مع وقوع الهجوم علي ابراج نيويورك
واعلان رئاسة بوش حربه العالمية علي الارهاب، حدث الاغتصاب السياسي الاخطر لمبدأ
حق التدخل، اذ اضحي هو نفسه اخطر سلاح (قانوني) لتبرير كل الحروب الاستباقية التي
ستشنها واشنطن بدءا من افغانستان الي العراق، مع استمرارية هذه العقيدة العسكرية
الجديدة في تهديدها لباقي الدول العربية والاسلامية المسجلة في اجندة التدخل
التدميري والاحتلالي والتي تنتظر دورها المحتوم؟
ويمكن اعتبار قانون محاسبة سورية احدث اشكال
هذا الاغتصاب السياسي والقانوني لمبدأ حق التدخل، بعد غزو العراق واستعماره كليا. انه
بصورة ما يمكن اعتبار هذا القانون بمثابة غزو آخر، وان كان يستخدم سلاح الضغوط
السياسية والعقوبات الاقتصادية، ما دام يستهدف النيل من سيادة الدولة المقصودة،
وتفريغ الاستقلال من شرعيته الحقوقية، اذ تصبح الدولة كلها موضع رقابة وتدخل في
اخص شؤونها من قبل سلطات الهيمنة الشاملة التي تمنحها امريكا لنفسها ازاء مختلف
دول العالم الاخري، ذلك ان ما يسمي بسلطات المجتمع الدولي قد اطاحت بها احادية هذه
الهيمنة سلفا منذ ان خرجت امريكا علي الشرعية الدولية، وقامت منفردة تقريبا بغزوها
للعراق واحتلاله، ما يجعل المشهد العالمي اليوم منقسما علي ذاته حقا بين اكثرية
ساحقة هي مجموعة دوله تقريبا، وبين دولة واحدة، تضخمت ارادتها السياسية الي درجة
استيعابها لكلية العالم اجمع. ما يعني في المحصلة ان كلية العالم اصبحت لها دولة
احادية ما فوق دوله الاخري. وانه يمكن لهذه الدولة ان تفرض قانونها الخاص كما لو
كان قانونا اعلي او دستورا كونيا، لن تكون تشريعات الدول الاخري سوي تطبيقات محلية
او اقليمية لمبادئه.
تلك هي الصورة الاوضح التي تترجم مشروع
الامبراطورية الي أمر واقع، ينقلب مبدئيا من شرعنة حق التدخل من قبل هيئات المجتمع
الدولي، في امور دولة معينة تعتبر مخلة بلائحة حقوق الانسان الي حق التدخل لدولة
واحدة حصريا في مختلف شؤون هذا المجتمع الدولي ووحداته السياسية السيدة المستقلة.
اما هيئة الامم فتمسي شاهدا ممنوعا من التدخل الا عندما يضطرها المتدخل الاصلي
الاحادي، وهي امريكا بالطبع، الي استصدار قرارات التغطية، الي درجة ان اعلي
مؤسساتها، مجلس الامن يجد نفسه مجبرا علي شرعنة احتلال دولة لدولة اخري، مخالفا
بذلك اهم المباديء في دستور الهيئة التي تنص علي استقلال الشعوب واحترام سيادة
دولها وحمايتها من كل عدوان خارجي.
واليوم في الحالة العراقية حيثما تطرح مسألة السيادة
من جديد في وطن محتل، يحاول الامريكيون تحت وطأة المقاومة والنزيف البشري اليومي
والمالي الذي يثقل كاهل الامبراطورية الناشئة يحاول هؤلاء ان يلعبوا علي مفهومي
السيادة والسلطة في ظل التدخل العسكري والمدني في اخص شؤون الدولة والمجتمع لعلهم
اذا منحوا سلطة الحكم الي عملائهم والمتعاونين معهم، ان يوحوا الي الشعب الغاضب
انه قد استرد سيادته علي وطنه. هذه الخديعة المكشوفة والتي ينبغي الا تنطلي علي
احد من قادة الشعب العراقي، انما تسعي الي خلق نوع من طبقة حاكمة عازلة بين
المجتمع وقوي الاحتلال، مع استمرار ادارة الاحتلال فاعلة رئيسية من وراء ستار
السلطة الزائفة الممنوحة الي البعض من هؤلاء العملاء والمتعاونين، فلا سلطة بدون
سيادة، ولا سيادة مع الاحتلال و(حق) تدخل الاجنبي الجاثم في عقر دار الوطن. هذه
المعادلة الاولية المؤسسة لروح القانون الدولي والمستمدة من فلسفة التاريخ الحديث
للبشرية، وتجاربها المريرة في اتقاء شرور بعضها وفي ابتداع مبدأ التنظيم الحقوقي
للعلاقات الدولية، هذه المعادلة البديهية هي التي تتنافس حول طمسها والتلاعب علي
مفرداتها تيارات السلطة الامريكية نفسها، فتضارب الآراء والمقترحات في شأن فهمها
المغلوط وتطبيقاتها الآنية الفاشلة. في حين تبقي المسألة المركزية بالنسبة لمختلف
اطياف المجتمع وقادته واحزابه هي الطريقة الاسرع في ترحيل الجيوش المحتلة، واذا
كانت المقاومة المسلحة قد بادرت الي تسلم زمام المعارضة الواقعية المباشرة، ونجحت
في تبديد اسطورة التحرير بدل العدوان والاحتلال الفعليين، واستطاعت حصار المستعمر
الجديد وفضح مشاريعه المدسوسة في تأجيج عوامل التفرقة الطائفية والاثنية، والتمهيد
لاشعال فتيل حروب اهلية عاجلة او اجلة، اذا كان كل ذلك كانت له مساهمته الرئيسية
في زعزعة الامن الاحتلالي، واحباط خططه الاقتصادية المشبوهة، وعجزه عن اختراق
التشكيلات الاجتماعية القائمة، فقد انقلب (حق التدخل) الي البحث عن (حق) الانسحاب،
او عن تلك الطريقة المجهولة حتي الان التي قد تحرر الاحتلال من اعبائه المباشرة
تمهيدا لانسحاب (مشرف؟) مع الابقاء علي نوع آخر من الاحتلال (الاهلي) ان صح التعبير،
اي تمكين العملاء والمتعاونين من اقامة سلطة حكم بدون سيادة، تجعل من مصالح التدخل
الاجنبي كما لو كانت مصالح وطنية نابعة من ظروف الداخل عينها. لكن من يمكنه ان
يتنبأ حقا ما سيكون عليه العراق بعد الاحتلال هذا اذا ما تخلص ذات يوم من نوعيه
الاجنبي والاهلي؟