أزمة الخلافة في مصر: مؤتمر للإنقاذ لتغيير هيكل النظام كله
بقلم : د. احمد ثابت
استعرضت مع نفسي مختلف الحلول المقترحة حول
سبل الخروج من الأزمة الحادة التي تمر بها البلاد في معظم الجوانب السياسية
والاجتماعية والمعيشية ـ الاقتصادية وقلت بأنني أعتقد ومعي كثيرون أن الأزمة أكبر
من ضرورة تعيين نائب لرئيس الجمهورية، فهذا المطلب ضروري طبعا لدواعي تطبيق
الدستور واحترامه ولدواعي أهمية توفير مناخ انتقال سلس للسلطة الرسمية في البلاد
وحتي يطمئن الناس علي أحوال البلاد شكلا. ولكن هل تعيين نائب لرئيس الجمهورية وحده
يكفي للوصول الي حلول جريئة وشجاعة لأزمة البلاد الطاحنة التي تعد النخبة الحاكمة
المسؤول الأول عن استفحالها ووصولها الي حد الكارثة؟ وكيف أن هذه النخبة بكل
السلطات الواسعة التي تملكها وكل أجهزة ومؤسسات الدولة التي تسيطر عليها عجزت
تماما عن حل أية مشكلة من مشاكل البلد سواء كانت كبيرة مثل الغلاء الفاحش
والارتفاع الرهيب في تكاليف المعيشة أو كانت صغيرة مثل مشكلة مرض الملاريا المخية
والحمي الصفراء الذي أصاب أبطال مصر في الألعاب الأوليمبية لدي عودتهم من دورة
الألعاب الأوليمبية في أبوجا عاصمة نيجيريا.
وبصراحة شديدة يمكن القول بأن ما وصل اليه
النظام الحاكم المصري من ركود وجمود علي الموجود منذ أكثر من ثلاثين عاما ومن وجود
قيادات شاخت في مواقعها وعلي مقاعدها يجعلنا نتخوف بشدة وبمبررات عديدة من أسلوب
اختيار هذا النظام لقياداته وللمسؤولين فيه بحيث لن يخرج اختيار نائب لرئيس
الجمهورية عن شخص ينتمي لهذه المجموعة الحاكمة سوف يتسم بالطبع بصفات الولاء التام
أو الموت الزؤام لمن عينّه وسوف يكون سجله في حياته الوظيفية والعامة والشخصية ليس
فوق مستوي الشبهات استنادا الي المتعارف عليه بالنسبة لأداء هذا النظام
واختياراته. والأدهي من ذلك والأمر هو ضعف كفاءة وقدرة هذا الشخص علي حل المشكلات
والتصدي لها وافتقاده لأية مواهب خاصة بالإدارة الكفء والتوجه الاستراتيجي
والتفكير الخلاق، فهذا في الواقع هو بالضبط منطق اختيار النخبة الحاكمة في مصر
وحيث القاعدة المستقرة التي استنتجها الكثير من الخبراء والمراقبين في الداخل
والخارج ـ وقد يكون استنتاجا خاطئا أو غير دقيق وإن كان لم يثبت عكسه حتي الآن ـ
وهي أن النخبة الحاكمة تفضل في غالب الأحوال تعيين من يكون سجله من أسوأ سجلات
المختارين حتي يسهل التحكم فيه ويكون أسلس قيادا!!، وما يدل علي ذلك أن الغالبية
الساحقة من المسؤولين سرعان ما ينكشف ضعفهم وفسادهم وتدهور قدرتهم المهنية
والوظيفية ولا يجد المسؤول من هؤلاء لتغطية فشله وعجزه سوي الاحتماء برئيس الدولة
والقول بأنه ينفذ تعليمات رئيس الجمهورية وأن ما يفعله هو تطبيق حرفي لسياسة
وأوامر السيد الرئيس!!. وهكذا تضيع المسؤولية وتتوه وحيث إن السيد رئيس الجمهورية
بحكم منطق الحكم وصلاحياته وسلطاته المهولة لا يوجد عمليا أي سبيل لمساءلته أو
مناقشة قراراته وتعليماته، ولغالبية الناس عذرهم بالطبع في العجز عن محاسبة أو نقد
آراء وقرارات رئيس الدولة لوجود أمور عديدة تحول دون ذلك ولأن الثمن لذلك النقد
غال جدا.
أريد أن أقول إننا نحن المصريين البؤساء
الغلابة الذين صرنا في ادني سلم التطور الديمقراطي والتغيير السلمي لرئيس الدولة
بصفة دورية علي مستوي العالم أجمع يجب أن تكون هذه الفترة القصيرة القادمة وهي
السنتان المتبقيتان من رئاسة الرئيس الحالي حسني مبارك فرصة تاريخية ربما لن تعوض
إلا بعد مرور عدة أعوام لإجراء إصلاح حقيقي في بنية ومنطق عمل النظام السياسي
برمته ...في هيكل السلطة بأكمله بحيث تفرض الضرورة نفسها لإجراء انتخابات رئاسية
تعددية أي بين أكثر من مرشح واحد لمنصب رئيس الدولة وأن يملك كل فرد حزبيا كان أم
مستقلا الحق في الترشيح لهذا المنصب وألا يكون لمجلس الشعب سلطة في ذلك الأمر،
والمسألة هنا بصراحة شديدة لا تتعلق بمجرد الالتزام بالدستور في هذه النقطة
بالتحديد لأن الأمر أكبر والكارثة أشد والأزمة مستفحلة وفي ضوء أن المطلوب هو
تجديد شامل لبنية واستراتيجية النظام السياسي المصري والذي لن يتم بمجرد تولي مجلس
الشعب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية.
بصراحة شديدة أفضل سبيل للخروج من الأزمة
الحادة هو أن نعتقد بأن انتهاء الرئاسة الرابعة للرئيس مبارك هي فرصة ذهبية لتغيير
هذه النخبة الحاكمة وتغيير طرق التفكير القديمة والسياسات القديمة ومنطق عمل وأداء
النظام الحاكم الحالي، ذلك أن الحلول المطروحة من جانب بعض أجنحة الحكم مثل الحزب
الحاكم وبعض المسؤولين سوف تبقي علي نفس الأساليب التقليدية وسوق تبقي علي تركيبة
وهيكل النظام الحاكم وعلي النخبة المتحالفة ذاتها من بعض رجال الأعمال وبيروقراطية
الدولة الأمنية والمدنية ورأس المال والاحتكارات الغربية الأمريكية. أي أن ما سوف
يحدث هو مجرد تغيير شكلي أو تجميل لهيكل قائم بالفعل، أي أننا يمكن أن نتوقع بقاء
واستمرار نفس الهيكل ونفس الأشخاص أو أشباههم في العشرين سنة القادمة علي الأقل.
ولنا أن نستعرض سجل عمل وأداء هذه النخبة المتحالفة الحاكمة منذ منتصف السبعينات
من القرن العشرين حتي الآن، وحتي لا نتهم كعادة هؤلاء السادة المسؤولين بأننا نركز
علي الأشخاص مع أن هذا أمر هام للغاية فسوف نركز علي السياسات والممارسات نفسها
أولا من حيث منطق اختيار المسؤولين في مختلف المناصب، فمنصب رئيس الدولة يستفتي
عليه دون أن يتقدم المرشح الوحيد ببرنامج انتخابي وسياسي وأيديولوجي يمكن للناخبين
أن يبرروا علي أساسه موافقتهم وغالبا موافقتهم حسب ما يتم من تسويد أو مليء أو
تعبئة بطاقات الاستفتاء من قبل أجهزة الأمن، وطالما أن الترشيح من سلطة مجلس الشعب
الذي لم يمثل إرادة الشعب ولا اختياره ولا يوجد فيه تمثيل حتي للتيارات السياسية
الرئيسية والفئات الاجتماعية الفاعلة أو النشطة في البلاد، فإن الترشيح يأتي من
قبل سلطة مطعون في دستوريتها وشرعية انتخابها ويتم في إطار نفس منطق التفكير
والعمل والأداء، وفي ظل سيطرة تحالف رأس المال الخاص المحلي والأجنبي المسيطر علي
مقاليد السلطة وعلي موارد البلاد، فلاشك أن رئيس الجمهورية المستفتي عليه أو
الفائز وهو أصلا وبالطبع أحد رموز هذه السلطة ولن يستطيع أن يتبني سياسات ولا
أفكار ولا برامج بعيدا عن مصالح وامتيازات هذه النخبة الحاكمة المتحالفة المسيطرة.
بهذه الطريقة تولي الرئيس مبارك المنصب الأول
في البلاد وفي هذا المناخ من التحالفات المالية والبيزنسية الداخلية والخارجية لم
يستطع مبارك طوال السنوات الاثنتين والعشرين التي حكم فيها إدخال تغيير جذري في
هيكل وسياسات وتوجهات نظام الرئيس السابق أنور السادات سواء في مجال الصلح المنفرد
مع الكيان الصهيوني أو العلاقة التابعة لأمريكا التي يسميها أباطرة السلطة العلاقة
الخاصة مع الولايات المتحدة أو سياسة التبعية الاقتصادية للولايات المتحدة ولشروط
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاحتكارات الغربية متعدية الجنسية.
ولم يستطع أن يوقف حمي بيع القطاع العام ذلك
الصرح الانتاجي الهائل الذي عندما كان لا يعاني من الفساد والتربح والرشوة
والتلاعب قد حمي اقتصاد البلاد من التدهور ومكنها من الصمود إبان حربي الاستنزاف
وأكتوبر بين عامي 1968 و1973، هذا إذا افترضنا بالطبع أن الرئيس مبارك كان يختلف مع
هذه التوجهات أصلا أو جاء من خارج تركيبة نخبة التحالف الحاكم التي ورثها من أنور
السادات والتي ظلت الرموز القوية فيها من الأباطرة مستمرة في مناصبها بل إن بعضهم
يعد أقدم من رئيس الدولة ذاته، وظل هؤلاء قابعين علي أنفاسنا وعلي صدورنا منذ
أواخر السبعينات حتي الآن بحكم المصالح والبيزنس والعمولات وغيره وبحكم القوي
الضاغطة داخليا وخارجيا من أجل بقائهم. حتي ان الناس تتحدث عن لوبي إسرائيلي ولوبي
أمريكي ولوبي نفطي بترولي خليجي داخل النخبة الحاكمة. وبالمناسبة، ويا صباح العذاب
ويا مساء الطين علي رأي زميل لي من المعذبين في الأرض!!، من جراء ممارسات هذا
النظام نحن نعرف أن النخبة الحاكمة ليست هي مجرد رئيس الدولة ووزرائه ومستشاريه بل
كبار مسؤولي الأجهزة والمؤسسات الإعلامية والصحفية وأباطرة الحزب الوطني الحاكم،
هل تتصورون أن رئيس إحدي المؤسسات الصحفية الكبري قوي وبعدما صدر حكم من محكمة
القضاء الإداري بعدم قانونية استمراره في منصبه لأن القانون الخاص بمد خدمة رؤساء
تحرير ومجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية صدر بعد بلوغ السيد العبقري السن
القانونية للتقاعد ولا يمكن تطبيقه بأثر رجعي، فما كان منه إلا أن ذهب حاكم دولة
خليجية كبري يستنجد به وكانت النتيجة أن أخذ تعهدا بأن يبقي مدي الحياة.
وكان الرئيس مبارك قد ذكر من عدة سنوات عندما
سئل عن التغيير الوزاري أن الوزراء لا يتغيرون إلا مع تغير رئيس الدولة ولم يلتفت
الكثيرون لخطورة هذا القول ونتائجه علي كفاءة وتجيد النظام الحاكم، ومن هنا فإن
هذه الدعوة التي نقترحها لإنقاذ البلاد التي هي مصر والله العظيم والتي كانت سباقة
في أول دستور وأول برلمان وأول نقابات عمالية ومهنية وأول انتخابات تعددية
برلمانية علي مستوي الوطن العربي وبلاد حتي متقدمة مثل أسبانيا وإيطاليا وسويسرا،
هذه الدعوة تكتسب أهميتها القصوي وهي سرعة عقد مؤتمر وطني شامل يضم ممثلي الأحزاب
والتيارات السياسية المحرومة من الشرعية الرسمية والمجتمع المدني وخبراء القانون
والدستور والشباب والمرأة والجيل الوسيط من الكوادر السياسية لمناقشة سبل إدخال
تغيير شامل في هيكل وسياسات النظام الحاكم، وله أن يقترح طريقة انتخاب رئيس
الجمهورية بانتخابات تعددية بين مرشحين كثيرين وكذلك تقليص سلطات رئيس الدولة الي
أدني حد ممكن، وتجميد العمل ببعض مواد الدستور التي تعطي لرئيس الدولة هذه السلطات
مثل رئاسته للمجلس الأعلي للقضاء وسلطته في إعلان حالة الطواريء وسلطته كحكم بين
السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فالمادة العاشرة من الدستور تنص علي ذلك
الأمر المعيب غير الدستوري فكيف يكون رئيس السلطة التنفيذية أو رئيس الدولة حكما
بين سلطات تراقب بعضها البعض وتساءل بعضها البعض وحيث تكون السلطة التشريعية رقيبا
ومسائلا للسلطة التنفيذية بدءا من رئيس الدولة حتي أصغر مسؤول تنفيذي، وحيث
المفروض أن السلطة القضائية تراقب دستورية القوانين ودستورية الدستور نفسه ويجب أن
تكون مستقلة عن أي تدخل من السلطة التنفيذية، كما تعرف وتطبق ذلك دول متخلفة لا
تعرف الأدب ولا الذوق ولا أخلاق القرية ولا تقدر الأخ رئيس الجمهورية الذي كان
كبير العائلة أو الرئيس مبارك الذي يوحي الأخوة المحيطون به لنا أنه الماضي
والحاضر والمستقبل وأن مناقشة سلطاته أو الحد من صلاحياته تهديد للاستقرار وضياع
للبلاد! وقد لا يكون الرئيس مبارك مسؤولا عن تصريحات وإيحاءات هؤلاء الأخوة لكنه
يتحمل المسؤولية بالتأكيد عن ممارسات وتصرفات وقرارات هؤلاء الأخوة التي أوصلت
البلاد الي هذه الحال المتدهورة.
الإصلاح الحقيقي من خلال المؤتمر الوطني
الموسع هو المنفذ الوحيد لعدم استمرار البلاد في هذا الوضع المزري الذي جعل مصر
حسب إحصاءات مؤسسة الشفافية العالمية في ألمانيا ضمن أعلي عشر دول من حيث الفساد
وجعل مصر في المرتبة الـ124 علي مستوي العالم من حيث مؤشرات التنمية البشرية
التعليم والصحة والقراءة والكتابة والمشاركة الديمقراطية وجعل مصر تتجاوز معدل
التلوث المسموح به حسب منظمة الصحة العالمية وجعل البلاد علي وشك الإفلاس. ولابد
أن يمتلك مؤتمر الإنقاذ الوطني هذا مختلف الصلاحيات وأن تكون مقترحاته ملزمة كما
فعلت من قبل نيجيريا وبنين وزامبيا، ولا يجب أن تكون غالبية أعضائه من السادة
الأباطرة كبار مسؤولي النظام الحاكم والحزب الوطني المسيطر، بل يكون التمثيل
لمختلف القوي السياسية والمدنية والاجتماعية علي قدم المساواة ولا تكون له رئاسة
ولا سلطة حكومية توجهه أو تدعو الي اجتماعاته، ومن حق هذا المؤتمر أن ينبثق عنه
مجلس للإنقاذ الوطني يتولي تسيير أمور البلاد بشكل جماعي وديمقراطي الي حين تعديل
الدستور وتطبيق بنود الإصلاح الدستوري والسياسي والانتخابي التي يتم التوصل اليها
بتوافق وتراضي ممثلي تيارات وفئات الشعب.