بقلم :فادية المجالي
تسلل الرئيس جورج بوش تحت جنح الظلام إلي
معاقل صدام حسين ليرفع معنويات الجنود الأمريكيين الذين باتوا حطبا سهل الاشتعال
في محرقة البنتاغون الجديدة، باعتبار أن له محارق عديدة مثل أفغانستان، الصومال،
بيروت، فيتنام، كوريا ... وغيرها. ولا يأتي خبر تسلل الرئيس الأمريكي ليلا إلي
العراق من قبيل التحركات السياسية أو الدعائية للرئيس، وإنما يندرج علي حد التعبير
المصري العامي في إطار حركات ومقالب الحرب النفسية التي تستعملها مديريات التوجيه
المعنوي في القوات المسلحة للتأثير علي الرأي العام بين المواطنين المتشككين، وعلي
قناعات مواطني الطرف الآخر، وعلي الجنود في خنادق المعركة من كلا الجانبين إيجابيا
لهذا الطرف وسلبيا للطرف الآخر.
يصرح المتحدث الرسمي الأمريكي دائما بأن
الترتيبات السياسية نحو الديمقراطية في العراق المحتلّ تسير وفق الخطة المرسومة
لها. ويدلي المخوّل بالبيانات الرسمية بأن العمليات العسكرية هناك من مثل عملية
المطرقة الحديدية أو جرذان الصحراء أو الأفعي المتعرجة أو النسور الزاعقة، التي
يقولون عنها إنها تتعقب فلول النظام السابق، تسير حسب الخطط التكتيكية
والاستراتيجية لرامسفيلد وسانشيز وأبي زيد. ويقولون إن إعادة إعمار العراق يتقدم
بخطي واسعة كما هو مبرمج له. ونقول: إذا كان كل ذلك يسير وفق الخطط والتوقعات فما
هي ضرورة تعريض الرئيس الأمريكي للخطر في زمان ومكان رأينا فيهما الطائرات
العسكرية والمدنية تصبح هدفا سهلا للمفرقعات التي ما زالت في أيدي أعوان النظام
السابق. لا ضرورة لكل ذلك إلا إذا كانت الترتيبات السياسية والعمليات العسكرية
وخطي إعادة الإعمار لا تسير جميعها في الاتجاه المطلوب من قبل الإدارة الأمريكية،
لا بل إن هذه الحركات التي يقوم بها بريمر دليل واضح علي أن كل شيء ليس علي ما
يرام لا في العراق ولا في الولايات المتحدة. وهذه الألاعيب التي أصبحت تغثي النفس
هي واحدة منتزعة من ملفات الحرب الإعلامية وتوضح بأن رحلة الرئيس بوش إلي لندن
لزيارة صديقه طوني أتت بثمار فجة ومرّة ولا بدّ إذن من تعديلها بشيء يسميه إخواننا
المصريون باللهجة العامية صرعة .
تذكّرنا هذه الحركة أو الصرعة التي تضجّ بها
اليوم شاشات التلفزة عبر العالم بأفلام العميل السري جيمس بوند الذي يخترق
المسافات والآماد ويتغلب علي المصاعب والأهوال ويفوز في النهاية بكل شيء. ويقوم
جيمس بوند بكل ذلك فيما هو يفترّ عن أسنانه ويبتسم ابتسامة تمساح فلوريدا علي حد
التعبير الدارج الأمريكي، الضرورية لشاشات التلفزة وصور الحملات الانتخابية.
والشيء بالشيء يذكر: فلقد ابتدعت بريطانيا العظمي شخصية جيمس بوند وراجت أفلام
العميل 007 عندما أفل نجم الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وتحولت إلي دولة
تسير في ظل حليفها الكاوبوي. وعلي ضوء هذا الاستطراد نستنتج أن زيارة الرئيس بوش
إلي العراق يوم عيد الشكر للعام 2003 هي من نفس القبيل، أي إنما هي حركة أو صرعة
لا أكثر لأن الأمور في العراق لا تسير علي ما يرام.
لقد بثّت الفضائيات وقائع زيارة الرئيس بوش
بالرغم من أن تقنية صوت الرئيس كانت سيئة للغاية وبشكل معيب يجب أن يعاقب عليه
مهندس الصوت عقابا مريرا لأنه خرّب في نقل كلمة الرئيس وجاء صوته مشوشا ويغلب عليه
زعيق المعدن وكأنه ليس صوت جورج الأجشّ المعروف ببحته وغنّته. كما لم تحاول
الفضائيات تغيير شريط الصورة الذي وزعته إدارة بريمر أو إدارة البيت الأبيض علي وسائل
الإعلام بالرغم من أن إخراجه كان في غاية السوء ويجب ضرب المصور علي يده بقسوة
صارمة لأنه لم يظهر وجه الرئيس إلا من بعيد ومن خلف رقبات الجنود حليقي الرؤوس
الذين لم يظهر وجه واحد، ولو واحد منهم فقط، نستدل به علي صحة احتشاد المحتفلين
بتقطيع أوصال الديك الرومي ليلة هذا العيد السعيد في بغداد المنصور والرشيد. كما
كان من أخطاء المصور الجسيمة أنه لم يغير موقعه أو يرفع الكاميرا بل أبقاها ثابتة
وعلي نفس المستوي وذلك عندما كان الرئيس يتحرك هنا وهناك علي المسرح. ولكن فجأة
انقطع هذا الشريط المسلسل وظهرت صورة الرئيس بلا مقدمات وهو يحمل منسف العيد
ليقدمه لرفاق السلاح. لا ضرر إخراجيا في هذه اللقطة، ولكن كانت متركزة علي مربع
صغير، وصغير جدا، من قاعة الاحتفال بحيث لم نرَ إلا عددا قليلا من الجنود يحيطون
بالرئيس المثقل بحمل الديك الرومي المحمّر.
بكل صراحة، أقول إن زيارة الرئيس بوش هي
عبارة عن خبطة إعلامية، وهذه الحركة المجانية والصرعة الخالية من أية حرفية أو
تقنية إعلامية، صفعة مؤلمة لذكاء الشعب الأمريكي واستخفاف بعقول من سيشاهدها حول
العالم من البشر المهتمين بما يفعله الأمريكيون بالعراق.
وبكل صراحة مرة أخري أقول متسائلة: لماذا لا
يكون الشخص الذي ظهر علي الشاشة متنقلا علي المسرح في حفل تقديم الديك الرومي ليس
هو بوش نفسه، بل البديل عنه، هذا البديل الذي صدعوا رؤوسنا وهم يتهمون صدام بأن له
ستة بُدلاء، وحتي الآن لم يقبضوا علي واحد منهم، ولا أستبعد أن يزعموا أنه قتلهم
قبل رحيله. لأننا لم نر حتي الآن أحدا من بُدلاء صدام كما ظل الإعلام الأمريكي يضخ
علينا، نستنتج أن المريب يكاد يقول خذوني، وأن الذي له بدلاء هو الرئيس الأمريكي،
علي اعتبار الإسقاط في التحليل السيكولوجي المسلم به بأن المتهم يسقط التهمة علي
من يكره.
إذا قبلنا الاستنتاج بأن هذه الزيارة الخاطفة
هي مسرحية مبرمجة لرفع المعنويات وبخاصة بعد قنص المروحيات وارتفاع ضحايا الحرب،
فمتي تمّ ترتيبها والتدريب عليها؟
هل يتذكر القارئ الرشيد زيارة بريمر المفاجئة
للبيت الأبيض قبل ثلاثة أسابيع والتكتم الشديد عليها ثم الإعلان بأنها كانت لإعداد
خطة لتسليم السلطة للعراقيين وما إلي ذلك من الهزل والمسخرة؟ في اعتقادي: يومها
كان موضوع زيارة بريمر هو الإعداد والترتيب لهذه الحركة/ الصرعة الإعلامية. ولعل
وجود بريمر هناك كان لأخذ اللقطات اللازمة للشريط المصور الذي جري تصويرة في إحدي
القواعد العسكرية في البر الأمريكي، أو علي إحدي حاملات الطائرات الراسية قبالة
شواطئ الولايات المتحدة الشرقية.
وأغتنم هذه المناسبة لأقدم لأصدقائي
الأمريكيين، هنا في الوطن العربي وهناك في جامعة إيلينوي حيث درست، أطيب التهاني
بعيد الشكر الذي تزامن هذا العام مع عيد الفطر السعيد.