القدس العربي ومسألة الخلافة في الجمهوريات الملكية
القرار الذي اتخذته السلطات المصرية مؤخرا
بمنع صحيفة القدس العربي من التداول في ارض الكنانة هو قرار له مظهر كوميدي وباطن
مأساوي. جانب الفكاهة هو الاعتقاد بان منع صحيفة من التداول في عصر الانترنت
والقنوات الفضائية امر يثير الضحك بل قد يعتبره بعض المتشككين مؤامرة من محبي
الصحيفة للترويج لها. ففي هذا العصر الذي اصبحت فيه الصحف العربية اكثر من هموم
القلب وافرغ من فؤاد ام موسي، فان تخصيص صحيفة بتهمة انها تشكل خطرا علي اكبر
انظمة الحكم العربية في اهم بلد عربي هو مديح تتقاتل الصحف علي الفوز به.
ولكن الجانب المأساوي هو وجود نظام حكم
ومسؤولين عرب يعتقدون في هذا العصر والزمان ان منع الصحف في عصر انفجارات
المعلومات هذا يمكن ان يكون وسيلة فعالة للاستمرار في خداع انفسهم وشعوبهم، واخفاء
المعلومات عن الجمهور و تحصينه من الافكار المخالفة للرأي الاوحد للحاكم الاوحد،
وقديما قال المتنبي عن مصر ان مضحكاتها تبكي.
ولعل اكثر ما احفظ نواطير مصر التي يبدو انها
نامت عن كل شيء الا مطاردة الكلمة الشريفة، هو سلسلة المقالات الجريئة، التي نشرها
الزميل محمد عبد الحكم دياب، وكشف فيها المحاولات الجادة لتوريث نجل الرئيس المصري
جمال مبارك الحكم خلفا لوالده الذي يبدو انه يقضي الان فترة رئاسته الاخيرة، وربما
الاشهر الاخيرة منها. المعلومات التي كشف عنها دياب لم تكن من اختراعه، كما انها
لم تنزل عليه من السماء، وانما حصل عليها من مصر ومن الاوساط ذات الاطلاع، بعد ان
اصبحت هذه المعلومات متداولة الي حد كبير، وبعد ان اصبح امر الخلافة اشبه بالامر
الواقع، حيث ان مبارك الاصغر اصبح يحتل بالفعل موقع الحكم الفعلي للبلاد.
ويذكر هذا باشكال هذه الصحيفة مع القيادة
السورية عشية سعي مماثل لتوريث بشار الاسد عرش ابيه، وكانت القدس العربي قد انتقدت
في افتتاحية لها انشغال الحكم بقضية التوريث عن قضايا الامة الملحة المتمثلة في
العربدة الاسرائيلية واستهداف العراق والانهيار العربي. وكان ان اتخذت السلطات
السورية قرارا فوريا بحظر الصحيفة بعد ان كانت فتحت لها الابواب واستقبلت رئيس
تحريرها علي اعلي المستويات.
الذي لم تكن الصحيفة ادركته وقتها ان عاصمة
الامويين التي شهدت بدعة توريث يزيد الحكم كانت قد حسمت امرها ونقلت الحكم لبشار،
الذي اصبح يحكم فعلا مكان والده المريض. ولهذا كان مجرد ذكر مسألة الخلافة
والوراثة خطا احمر يبرر حظر الصحيفة، اي الحكم باعدام الشاهد الذي نبه الي حقيقة
واقعة.
والسؤال هو: اذا كان اتباع يزيد هؤلاء
مقتنعين بما يفعلونه، فلماذا ينتابهم كل هذا الفزع من تسمية الاشياء باسمائها؟ الا
يحق لهم شكر القدس العربي لانها زفت الخبر السعيد الي الامة؟ والم يكن حريا بأهل
الشأن ان ينشروا بأنفسهم اعلانات مدفوعة الاجر في القدس العربي وغيرها من وسائل
النشر لتبشير الانس والجن بقرب تولي المخلص الاوحد ابن القائد الاوحد لزمام
الامور؟
والاجابة طبعا معروفة، ويلخصها الحديث النبوي
الاثم ما حاك في الصدر وخشيت ان يطلع عليه الناس . فالقوم يخجلون من اعمالهم لانهم
يعرفون انها اثم مبين، وهي عبارة عن خلل مزدوج يعبر عنه تخصيص الدولة وتحويلها الي
ضيعة خاصة للحاكم يحق لاولاده وربما عشيقاته ايضا وراثتها، وايضا قيام بطانة فاسدة
تعيش علي النفاق وتتعيش من الفساد ونهب المال العام، وهذه البطانة تضرب عصفورين او
اكثر بحجر واحد حين تؤيد توريث الحكم، فنصح الرئيس بتوريث ابنه المدلل الحكم هو
قمة النفاق واسرع طريق لكسب رضا الحاكم. من جهة اخري فان الابن الوارث يصبح رهينة
في يد هذه البطانة التي تضمن بوجوده استمرارية النظام، ومعه امتيازاتهم واستمرار
نهبهم للمال العام، وهناك ميزة اخري لان افراد هذه البطانة في الغالب يكرهون بعضهم
البعض ولا يطيق اي منهم ان يتولي الاخر خلافة الزعيم الخالد.
القوم علي حق اذن حين يخجلون من نفاقهم
وتكبرهم علي الامة، ونحن علي حق حين ننبههم الي سوء صنيعهم، الاشكال انهم متنبهون
للامر قبلنا، والامة كذلك تعرف بدون الحاجة الي قراءة، القدس العربي التي لم تكن
موجودة ايام يزيد بن معاوية، وبالتالي لا يمكن اتهامها بانها كانت المحرض علي
ادانة فعلته وفعلة ابيه من قبل كل اجيال الامة الي يومنا هذا.
هذا مع العلم بأن ايا من اراضي المسلمين لم
تكن محتلة في ايام يزيد، ولم تكن الامة تتعرض للاذلال من الاعداء، بل بالعكس، كانت
اراضيها تتوسع وموقعها يتعزز باعتبارها القوة الاعظم في العالم. وهذا فرق اخر بين
يزيد الماضي وخلفائه المعاصرين.