حداثيون قليلون وربما وقحون... على نقيض 98 في المئة من الأمة

 

 

بقلم : ياسر الزعاترة    

 

في مقاله حول احتفالية "الجزيرة" بعيدها السابع ("الحياة" في 7/11) يبدو ابراهيم العريس ساخطاً على "الجزيرة" بوصفها محطة "قائمة على التضليل", لكنه يبدو اكثر سخطاً على "الرأي العام العربي المضلل والمحبط" الذي يعيش "عصر الشعارات والديماغوجية".

 

شخصياً, لم أقرأ كلمات الكاتب فقط, وانما تشرفت بسماعه من خلال الشاشة ايضاً. وبدا لي, بتجهمه حينها, انه قادم لصفع "الجزيرة" على وجهها, وليس نقدها بوصفه ناقداً فنياً فحسب. وهو اذ يشهد للفضائية القطرية انها استضافته وهي تعلم توجهاته النقدية, فإنه يفرّغ تلك الشهادة من مضمونها لأن الوقت لم يكن كافياً, ولأن شروط اللعبة كانت تجري لمصلحة الطرف الآخر, وفي ملعبه, وبالطريقة التي يحب, لكأن على مقدم البرنامج (حوار مفتوح), الاعلامي غسان بن جدو, ان يخصص الحلقة لسماع انتقادات الكاتب وتفنيدها, مع ان الاصل ان المحطة كانت تحتفل, على طريقتها, وكان عليها ان تستمع له ولسواه, فيما لم تأت بطرف يقدم رأياً آخر لمصلحتها, لأن الضيفة الاخرى كانت ناقدة ايضاً, وان على نحو ناعم الى حد ما.

 

في الحوار المسموع والمقروء لم يقدم الكاتب امثلة حقيقية حول تضليل الجزيرة, اللهم إلا مثالاً بدا, عندما ردده, كما لو كان عضواً في مجلس الحكم العراقي, لأنه كرر معزوفة مللنا سماعها من اعضاء المجلس المذكور, ومن يدورون في فلكهم, فضلاً عن بوش ورامسفيلد ورايس وبريمر, وخلاصتها ان المحطات العربية (ليس "الجزيرة" وحدها) لا تركز إلا على السلبيات في العراق (أي المقاومة), وتنسى الايجابيات. وكالعادة يذكرون بناء المدارس, (ذكرها الكاتب ايضاً), لكأن المدارس كانت معدومة في العراق, وجاء الاحتلال ليبنيها, او لكأن على "الجزيرة" ان تجترح "اعلاماً تنموياً" يعدد منجزات الاحتلال ويروج لها. مع ان كل وسائل الاعلام قد دأبت على متابعة الحدث الساخن, وليس الاشياء العادية, وفق نظرية "كلب عض رجلاً" مقابل "رجل عض كلباً" الشهيرة.

 

لا ندري بالطبع اين هو التضليل الذي مارسته "الجزيرة" مقابل تضليل "فوكس نيوز", وربما "سي ان ان"؟ والحال ان انتقاد العريس يشكل الوجه الآخر لانتقادات اكثر قوة وجماهيرية تتعلق بما تمارسه من تطبيع مع العدو الصهيوني, وما ترهق به مستمعيها من تغطيات لخطب الزعماء الاميركيين وبالبث المباشر على الهواء. واللافت ان الكاتب كان منحازاً في حديثه المسموع لخيار "التطبيع", على رغم ان الوجوه التي تحملها لنا "الجزيرة" على شاشتها لا تمثل, في أغلب الأحيان, إلا ثعالب السياسة الاسرائىلية من خريجي مدرسة "الموساد" و"الشاباك" و"الشين بيت", اي اجهزة الامن الاسرائىلية, وهم غالباً ممن يجيدون اللغة العربية, ويتحدثون عن السلام والتعايش, وليس تلك الوجوه الكالحة التي تطالب بالمزيد من سفك دمائنا كي نكون جديرين بالعيش بجوار شعب الله المختار.

 

واقع الحال هو ان رؤية العريس في الحلقة التي تابعناها هي ذاتها رؤية النخبة الحداثية المعزولة, والتي تقابلها رؤية جماهيرية عبرت عنها زوجة مراسل "الجزيرة" الشهيد طارق ايوب التي اشار اليها الكاتب في سياق المقال, والتي تقول ان على "الجزيرة" ان تكون اكثر انحيازاً لقضايا الأمة, ولا تركض خلف مصطلحات المهنية والحيادية التي لا تتوافر في وسائل الاعلام الاميركية, سيما خلال المرحلة الاخيرة حيث جرت "عسكرتها" على نحو معيب.

 

على صعيد آخر, أورد الكاتب قصة الكاتب المصري المعروف بكونه رمز التطبيع في مصر علي سالم, ودافع عن الظلم الذي تعرض له في حلقة من حلقات "الاتجاه المعاكس" مع كاتب وناشط سياسي فلسطيني, وذلك حين انحاز 98 في المئة, من المشاهدين للثاني, ما جعل "علي سالم المسكين", "مجرد شاهد زور على عصر الشعارات والديماغوجية". ثم تساءل ان كان هذا الاخير قد "وضع شروطاً قبل قبوله المشاركة". والحال ان علي سالم هذا قد سجل "ديماغوجية" من العيار الثقيل في اكثر من حلقة شارك فيها, سيما وهو من اكثر الكتاب حضوراً على الفضائيات, لأنهم, ببساطة, لا يجدون من يدافع عن القضايا التي يدافع هو عنها. وهو دليل على عزلته وعزلة من يؤيدونه, وربما جبنهم عن مواجهة الجماهير, مع ان موافقتهم على المواجهة تسجل كوقاحة غير محمودة ايضاً.

 

واقع الحال هو ان "الجزيرة" هي ذلك الجدل المحتدم بين الكاتب ابراهيم العريس الذي يتهمها بالتضليل والانحياز لجماهير الأمة المضللة والمحبطة, وبين من يتهمها بالعمالة للموساد او الـ"سي آي ايه". وهو وجه آخر للجدل بين من يرى ان الجماهير هي التي تعكس البوصلة السياسية الصحيحة في مواجهة الاعداء (ونحن مع هذا الرأي), وبين من يرونها بمنظار الكاتب الموقر, وبالأوصاف التي أشير اليها سابقاً. ولعل المصيبة هي ان النخب القائلة برأيه هي الاكثر سطوة في المنابر المسموعة والمقروءة. ومع ذلك فهي الاكثر شكوى, ما يعني ان عليهم ان يفتشوا لهم عن شعوب اخرى ينتمون اليها غير هذه الشعوب "الديماغوجية"!