شارون يلعب في الوقت الضائع

 

 

 

 

بقلم :ابراهيم عبد العزيز

 

تتصاعد حالة التخبط الاسرائيلي يوماً بعد يوم، وتبدو معالم هذا التخبط واضحةً من خلال ردود فعل الطبقات والمؤسسات والشرائح المختلفة التي تدلي بدلوها في الشأن السياسي الإسرائيلي، حتي ليبدو الامر وكأن هناك تيارين في اسرائيل يتنازعان، وأن كل اسرائيلي هو بذاته دولة داخل الدولة.

شارون يجذف عكس كل التيارات، سعيا منه للوصول الي غاياته المحرمة، فهو يدرك انه انما يجذف عكس الزمن، وقت ضائع يمر بسرعة ويسير نحو نهاياته المحتومة بسرعة. فقد بات واضحاً أن هناك احساسا بانه يتوجب علي الحكومة بذل جهود مضنية للخروج من الضائقة الامنية ـ السياسية.

ينثر شارون كعادته ستار دخان كثيف آخر في محاولة لخلق جو من الانتظار والترقب دون أن يقدم اي تفاصيل ويختبيء خلف نظرة مبتسمة غامضة، ويواصل تكتيكه في الاعلان عن مستقبل واعد في ظاهره، فارغ في مضمونه، خاصةً عندما يتحدث عن تنازلات أليمة. يسعي شارون من وراء تهديده باللجوء إلي إجراءات أحادية الجانب في فرض ما يريد من أوضاع علي الشعب الفلسطيني، إلي مواجهة المأزق الذي يعترضه بعد تداعيات مبادرات التسوية والأفكار العديدة التي طرحت في هذا السياق، فقد اثبتت وثيقة جنيف التي قدمت نموذجا لإمكانية التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، كذب شارون واثبتت عمليا وجود شريك فلسطيني عكس ما يدعيه هو.

حزب العمل الإسرائيلي تحرك بعد وثيقة جنيف وطرح مبادرة أعدتها لجنة من الحزب بقيادة حاييم رامون تستند إلي التسوية السياسية، وفق مبدأ دولتين فلسطينية وإسرائيلية، وأن حدود الدولة الفلسطينية ستكون قريبة إلي حدود ما قبل الخامس من يونيو 1996 مع تعديلات طفيفة، واقتسام مدينة القدس وفق قاعدة كل ما هو يهودي لإسرائيل، وكل ما هو عربي لفلسطين. الأمر الذي دفع بشارون إلي مسايرة الوضع، فأعلن أن لديه أفكارا ومشروعات للتسوية، والتي لاتعدو في حقيقة الأمر أكثر من محاولة للتهرب، ومناورة أخري من مناوراته الرامية إلي القضاء علي أي جهود للتسوية السياسية.

يعاني شارون من ضائقة حقيقية، فالجميع يطرحون مبادراتهم السياسية للحل الا هو، مما دفعه للإعلان عن مبادرته، وضعه في الليكود والوسط السياسي آخذ في الضعف والناس قد بدؤوا يتواقحون معه. ويعزو الكثير من المراقبين ذلك لانخفاض شعبيته في الاستطلاعات، واستيقاظ المعارضة، وطرح المشاريع السلمية، وكذا العلاقات مع واشنطن كانت هي السبب الحاسم. فالنرفزة الامريكية تقلق شارون، ويبدو أنه تعلم من حربه في لبنان عدم التخاصم المباشر مع واشنطن.

تتراكم الضغينة في البيت الأبيض ضد شارون، كما أن الادارة الإمريكية تبدي عدم ارتياح متزايد من عدم قيام شارون باي شيء. حيث أن تصريحات اكثر من مسؤول امريكي وعلي كافة المستويات، وأن لم يكن هناك قرار استراتيجي بالضغط علي اسرائيل، فهي كافية للتعبير عن ذلك.

إن استعداد كولين باول وزير الخارجية الامريكي للقاء بيلين وعبد ربه، لهو بمثابة رسالة ويحمل الكثير من المعاني السياسية، كما أن اقتطاع الادارة الامريكية جزءا من مبالغ الضمانات لدليل آخر، علي احتجاج واشنطن لتجاهل حكومة تل ابيب تعهداتها في حل المواقع الإستيطانية وتجميد البناء في المستوطنات.

يعتقد شارون ان اقدامه علي مبادرات سياسية ستخفف الضغوط عنه ويحسن من صورته في نظر الرأي العام. الا ان المعارضة التي تعالت من صفوف الليكود في هذا الاسبوع حقيقية وليس من الممكن الاستخفاف فيها وهي تشمل الوزراء واعضاء الكنيست علي حد سواء. يكاد يجزم الجميع أن خطة شارون للفصل احادي الجانب ستتبدد مع غيرها من الخطط التي ولدت وماتت خلال سنوات حكمه الثلاث. وأن شارون يستطيع لو اراد ذلك، الا ان الجميع يعرف انها خطوات تكتيكية لازالة الضغوط ليس الا.

يري الكثيرون من السياسيين في إسرائيل ان شارون ليس في احسن احواله، وان اوراقه قد نفدت، كما ان شارون اخذ يلعب في الاوراق المستعملة. فالاجواء في الليكود تبدو وكأن رئيس الحكومة سيستقيل من منصبه في السنة القادمة، والجميع مستعدون للمرحلة الحاسمة.

من المهم بمكان الإشارة إلي أن مؤتمر الليكود سينعقد في السادس من كانون الثاني (يناير) القادم، حيث ستطرح علي جدول الإعمال قضية تغيير النظام الداخلي للحزب، الأمر الذي من شأنه أن يعقد الوضع ويصعب علي رئيس الحكومة تأدية مهامه بسبب التغييرات المطروحة، مما سيدفع بشارون ألي الإستقالة من منصبه، ويتوجب علي رئيس الدولة حينها ان يكلف احد اعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة خلال سبعة ايام.

الليكود سيضطر لاختيار مرشحه خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة. حيث سيختار الحزب رئيسا مؤقتا وبعد تسعين يوما سينتخب رئيسهم الدائم من خلال الانتخابات الداخلية التمهيدية. ويجمع المحللون أن مؤتمر الليكود القادم سيجري محاولة لالغاء كلمة مؤقت وأن يكون مركز الحزب هو الجسم الذي يختار الرئيس الدائم.

يهدف أعضاء مركز الليكود من هذا التغيير إلي تعزيز مكانتهم، ويدلل ذلك علي الحالة المزاجية السائدة في الليكود بالاساس. إذ أن مثل هذا التعديل لم يكن ليتحول الي قضية مركزية الي هذا الحد لولا ان الناس يشخصون الوضع الذي قد يضطر فيه رئيس الوزراء الي التخلي عن منصبه في منتصف فترته المحددة.