اضطراب كولن باول!
أظهر وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول
فقرا مدقعا في القدرة علي التعبير عن المواقف السياسية لحكومته في طريقة ثرية في
حكمتها ومنطقها، مقيما الدليل علي أنه غير جدير بشغل منصب القائد الديبلوماسي
للدولة العظمي في العالم. هذا هو النصف الأول من الحقيقة، أما نصفها الآخر فهو أن
افتقار باول في أقواله وتصريحاته إلي المنطق يمكن ويجب فهمه علي أنه دليل علي
الإخفاق الأمريكي الكبير في العراق، والذي من تأثيراته هذا الاضطراب السياسي
والفكري الذي تعانيه إدارة الرئيس بوش.
في حديث لقناة فرانس 3 ، قال باول: لا يوجد
في العراق (الآن) من نسلمه السيادة القومية قبل نهاية السنة كما تطالب فرنسا. وزير
الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان وقسم من الحكومة الفرنسية يرون أنه يمكن
الانتهاء من كل شيء مع نهاية السنة، أي في غضون ستة أسابيع. إنني لا أري خلال هذه
المهلة مجموعة أفراد تحظي باعتراف الشعب العراقي، ويمكنها الاضطلاع بمسؤوليات هذه
السيادة .
وتساءل باول، قائلا: هناك من يقول إنه يجب
إعطاء السلطة للعراقيين الآن، ولكن لمن، وبأي صلاحيات؟ .
وأضاف: إذا عدتُ إلي بغداد فإنني لن أعرف لمن
أسلم هذه السلطة .
ما معني كلام باول إذا ما كان لكلامه معني؟
معناه أولاً، أن غير الممكن أو المستحيل الآن
وهو نقل السيادة إلي العراقيين في غضون ستة أسابيع، بحسب الاقتراح الفرنسي، سيغدو
ممكنا وحقيقة واقعة قبل نهاية حزيران المقبل، بحسب خطـــــة بريمــــر التي وقعها
جلال الطالباني بصفة كــــونه الرئيس الحالي لما يسمي مجلس الحكم الانتقالي .
ولكن، كيف، ولماذا، يصبح المستحيل الآن ممكــــنا و حقيقة واقعــــة بعد سبعة
أشهر؟!
باول لم يُجب، ولكننا نأمل أن يشرح لنا في
تصريحاته المضطربة لاحقا كيف سيري مجموعة أفراد (عراقيين) تحظي باعتراف الشعب
العراقي ويمكنها الاضطلاع بمسؤوليات السيادة عندما يزور بغداد في حزيران المقبل!
كل ما تخبرنا به خطة الحاكم المدني العراقي
هو أن بريمر وأعوانه سينشطون من الآن وصاعدا في البحث عن أفراد عراقيين، يعقدون
لهم اجتماعا، تُنتخب فيه جمعية انتقالية ، تَنتخب حكومة مؤقتة ، تُنقل إليها
السيادة القومية كاملة ، مع بقاء القوات الأمريكية في العراق إلي أجل غير مسمي (في
خطة بريمر ) ولكن بصفة أخري غير صفة قوة احتلال !
باول يعلم أن حكومة مؤقتة ، يقيمها بريمر في
هذه الطريقة، ليست من النمط الذي يلبي شرطه الديمقراطي ، وهو أن تحظي باعتراف
الشعب العراقي ، فهذه الحكومة انتخبتها جمعية انتقالية ، انتخبها جمع من أفراد
عراقيين غير منتخبين ، أي جمع من أفراد عراقيين وقع عليهم اختيار قوة الاحتلال
ممثلة بالحاكم بريمر!
وعلي رغم انتفاء المبررات الديمقراطية
والدستورية لاعتراف الشعب العراقي بهذه الحكومة المؤقتة فإن باول يوافق علي نقل
السيادة القومية كاملة إليها!
ومعناه ثانيا، إذا كان لكلامه معني، أن
العالم أجمع، بدءا بالولايات المتحدة ذاتها، يجب أن يقطع كل صلة له بما يسمي مجلس
الحكم الانتقالي ، لأن هذا المجلس، الذي أقامته قوة الاحتلال ، لا يحظي باعتراف
الشعب العراقي، ولو كان يحظي بهذا الاعتراف لقررت إدارة الرئيس بوش أن تنقل إليه
السيادة القومية كاملة !
باول يقر ويعترف بأن ليس في العراق الآن
(وحتي حزيران المقبل) مجموعة من الأفراد تحظي باعتراف الشعب العراقي، ويمكن ويجب،
بالتالي، تسليمها السلطة، ولكنه لم يشرح لنا لماذا مارست الولايات المتحدة الضغوط
علي الدول العربية وعلي جامعة الدول العربية من أجل أن تعترف بهذا المجلس، الذي لا
يحظي باعتراف الشعب العراقي، ولماذا سمحت لهذا المجلس بأن يعلن إصراره علي حضور
الاجتماع الإقليمي في دمشق بدعوي أنه يمثل العراق، الذي ينبغي له أن يحضر هذا
الاجتماع!
إننا نسأل باول هذا السؤال: هل مجلس الحكم
الانتقالي يحظي باعتراف الشعب العراقي؟
إذا كان جوابه نعم ، فلماذا لا تُنقل إليه
(والآن) السيادة القومية العراقية كاملة؟!
أما إذا كان لا ، فكيف يجوز لرئيس مجلس كهذا
أن يوقع، باسم الشعب العراقي، اتفاقا (يتحدد فيه مصير ومستقبل الشعب العراقي) مع
بريمر؟!
وكيف يجوز لهذا المجلس أن يسن قانونا، تُدار
وفقه كل شؤون العراق والحكم فيه حتي انتخاب جمعية تأسيسية (سنة 2005) تضع دستورا
دائما للبلد؟!
مجلس الحكم الانتقالي ، وبحسب معني كلام باول
إذا كان لكلامه معني، لا يحظي باعتراف الشعب العراقي، وينبغي، بالتالي، لكل
المعنيين باحترام الشرعية العراقية أن يقوموا، الآن، بنزع كل شرعية عن هذا المجلس
كانوا قد منحوها له قبل هذا الحديث لوزير الخارجية الأمريكي، كما ينبغي لهم اعتبار
كل اتفاق عقده هذا المجلس، وكل قرار قرره، وكل قانون سنه، وكل نتيجة عملية يتمخض
عنها هذا الاتفاق أو القرار أو القانون، أمرا غير شرعي وباطل.
باول يجد مشقة كبري في العثور علي عراقيين،
يحظون باعتراف الشعب العراقي حتي تُنقل إليهم السيادة و السلطة الآن!
كلا، ليس في الأمر تلك المشقة، فالسيادة
القومية العراقية يمكن ويجب أن تُنقل كاملة إلي حكومة عراقية شرعية منتخبة، وليس
إلي حكومة مؤقتة ، تُنتخب في طريقة غير ديمقراطية وغير شرعية، أي من قبل اجتماع
لأفراد عراقيين اختارتهم قوة الاحتلال عبر بريمر.
لتبقي القوات الأمريكية في العراق الآن، ولكن
لتخرج من العاصمة والمدن والمناطق المأهولة، ولتحل حيث خرجت قوة أمنية تابعة للأمم
المتحدة، وتخضع بالكامل لسلطة المنظمة الدولية.
وليقرر مجلس الأمن الدولي أن تتولي الأمم
المتحدة مهمة إقامة نظام حكم ديمقراطي في العراق، فتُعِد لانتخابات حرة ديمقراطية،
تنبثق منها جمعية تأسيسية ، تضع مشروع دستور ديمقراطي دائم للعراق، ليُقر في
استفتاء شعبي، يعقبه إجراء انتخابات عامة وفق هذا الدستور، تنبثق منها حكومة
عراقية شرعية وديمقراطية.
وإلي هذه الحكومة تُنقل السيادة القومية
العراقية كاملة. وعملا بهذه السيادة، تقرر هذه الحكومة، وباسم الشعب العراقي،
القرار الذي تراه مناسبا في شأن وجود القوات الأمريكية في العراق، كما تقرر، عبر
اتفاق مع الحكومة الأمريكية، شكل ومحتوي العلاقة المستقبلية بين الدولتين.
باول يعرف أن هذا هو الطريق القويم لنقل السيادة
و السلطة إلي حكومة عراقية تحظي باعتراف الشعب العراقي وبالشرعية العراقية
والدولية، ولكنه لن يسلك هذا الطريق، لأن القوة الإمبريالية العظمي في العالم لم
تأتِ بجيوشها إلي العــــــراق إلا لتقيم فيه، في طريقة ديمقراطية زائفة،
حكــــومة عراقية تضمن لها هيمنة إمبريالية شاملة طويلة الأجل علي هذا البلد
بثروته النفطية وموقعه الاستراتيجي.