هوس رامسفيلد

 

 

 

 

بقلم :محمد كريشان

 

وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أصبح علي ما يبدو مهووسا بأداء الفضائيات العربية أكثر من مسائل أخري تحتاج منه لوقفة أهم، فالواضح أن حربي أفغانستــان والعراق، وأحداثا أخري بالتأكيد، حوّلت استياءه، وحتي امتعاضه، من أسلوب تغطياتها الاخبارية ـ وهذا من حقه في النهاية ـ إلي تصيّد مفتعل ومتشنج لكل كبــيرة وصغيرة وحتي الافتـراء ـ وهذا ليس من حقه بالتأكيدـ.

آخر ما ابتدعه المسؤول الأمريكي قوله مؤخرا أن بلاده جمعت أدلة دامغة علي أن قناتي الجزيرة و العربية دعيتا مسبقا من قبل المتمردين ليشهدا، ويصورا طبعا، عمليات عسكرية ضد القوات الأمريكية في العراق. ودون إسهاب عقيم في تفاصيل ما تعنيه تحديدا لفظة من نوع أدلة دامغة في قاموس بلد جزم مليون مرة أن لديه مثل هذه الأدلة عن امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل فإذا به يعجز عن توفير ولو دليل واحد يتيم واحد علي ذلك بعد أكثر من نصف عام، فإننا سنفترض جدلا صحة ما قاله رامسفيلد عن المحطتين ومنه ننطلق إلي أكثر من ملاحظة:

ـ طالما أن القناتين المتهمتين تمكنتا فعلا من تصوير حي لعملية عسكرية للمقاومة ضد القوات الأمريكية فما الذي منعهما من بثه ولو بإيهامنا أن الأمر يتعلق بسبق حصل بالصدفة أو أن شريطا بالعملية وصل مكتبيها من مجهول؟!

ـ إذا ما أفلحت القوات الأمريكية في ضبط أحد مصوري المحطتين بـ الجرم المشهود فلماذا أحجمت إلي حد الآن علي اعتقاله ومن ثم بث الشريط المزعوم ليكون حجة لا تقبل النقاش؟!.

ـ ما المانع في نهاية الأمر من أن يصطحب مصور أو صحافي مجموعة ما من المقاومة في العراق أو غيره لتصوير أو وصف عملية ما طالما أن نفس الممارسة عمل بها في الحرب الأخيرة علي العراق مع الجيشين الأمريكي والبريطاني وقبل ذلك بسنوات طويلة في حرب فيتنام.. فهل ما هو يحل لجيش يحرم علي مجموعة متمردين كما أصبح يحلو للإعلام الأمريكي أن يصف مقاوميه في العراق؟!

ـ إذا كان ما حصل لم يتعد مجرد توجيه دعوة من مسلحين عراقيين للقناتين الإخباريتين لحضور عمليات ما فهل يجوز محاسبتهما علي ذلك أي علي مبادرة قام بها غيرهم أصلا ولا دخل لهم فيها.. ثــم إذا كانت الدعوة المزعومة تمت فعلا عبر الهاتف، كما صرح رامسفيلد، فلماذا عجز الأمريكيون المتنصتون علي كل المكالمات من تفادي الكمين أو الهجوم المنتظرين وفي ذات الوقت الإيــقاع بـ المغفلين الذين غرر بهم وجاؤوا لتصوير ما سيجري.؟!

لقد دأب رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز منذ مدة طويلة علي إطلاق اتهامات غير مسنودة للفضائيات العربية في حملة تشويه وتحريض تكاد تكون منظمة بل وخطيرة عندما نجدها تفسح المجال وتعطي المبرر الضمني لأية ردود متسرعة أو متشنجة ضد هذه القنوات التلفزيونية خاصة في بلد يعاني من وضع أمني صعب وعداوات قديمة وجديدة. والمفارقة هنا أن الولايات المتحدة التي ينبري سفيراها في بيروت والخرطوم للإحتجاج العلني علي إغلاق محطة تلفزيون أو مصادرة صحيفة مستقلة هي نفسها التي تستمريء إغلاق مكتب العربية في بغداد وبالكاد تخفي تمنيها أن يلحق به مكتب الجزيرة .

وإذا ما أفلحت واشنطن في ذلك فقد يكون من المناسب أن تفكر لجنة حماية الصحافيين ومقرها نيويورك التي تصدر سنويا قائمة بعشرة زعماء في العالم الأشد معاداة لحرية الصحافــــة أن تفكر في قائمة وزارية تحجز فيها المرتبة الأولي والثانية لرامسفيلد ونائبه.