السلام وأخطاء الماضي

 

 

 

بقلم: أحمد عمرابي

 

يقول وزير الإعلام الفلسطيني السابق ياسر عبد ربه إن الفلسطينيين استخلصوا العبر من الأخطاء التي ارتكبت خلال المفاوضات السابقة مع الإسرائيليين. ولكن إذا أخذنا عبد ربه نفسه كمثال فإن الأمر لا يبدو كما قال. فالسيد عبدربه هو رئيس الجانب الفلسطيني الذي وقع على وثيقة مشتركة مع الإسرائيليين تحت اسم «وثيقة جنيف» تنص فيما تنص على أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ينبغي أن تكون منزوعة السلاح - أي دولة بلا جيش.

 

 

وبما أن تحرك عبدربه على هذا النحو كان بموافقة مسبقة ولاحقة من الرئيس ياسر عرفات فما هي العبر التي استخلصت من أخطاء الماضي. فإذا كان على رأس هذه الأخطاء تبرع الجانب الفلسطيني بتنازلات خطيرة حتى قبل أن يبدأ التفاوض على الصعيد الرسمي فإن الموافقة مقدماً على دولة منزوعة السلاح ينبئ بأن العقلية التي ورطت الشعب الفلسطيني في مأزق «أوسلو» لم تتغير.

 

 

 

أمام الفلسطينيين الآن ثلاثة مشاريع: خريطة الطريق، ووثيقة جنيف، ومبادرة حزب العمل الإسرائيلي (التي أعلن عنها قبل بضعة أيام وسوف تنشر بالتفصيل لاحقاً). ومنذ الوهلة الأولى تعاملت القيادة الرسمية للسلطة الفلسطينية مع كل من خريطة الطريق ووثيقة جنيف بطريقة انعزالية أحادية، فلم تتشاور بشأنها مع ممثلي المنظمات والفصائل الفلسطينية. ومن المحتم أنها سوف تتعامل أيضاً بنفس الطريقة مع مبادرة حزب العمل الإسرائيلي. وما لم يتغير هذا المنهج الانعزالي الأحادي فإن محنة «أوسلو» سوف تتكرر بشكل أو بآخر.

 

 

 

مبدئياً فإن وثيقة جنيف ومبادرة حزب العمل متقدمتان على مشروع خريطة الطريق. فهما تشتملان على طرح قضايا الصراع الأساسية - أو ما يطلق عليها قضايا الوضع النهائي - بصورة مفصلة نسبياً وصريحة، على عكس خريطة الطريق التي لا تتعرض لهذه القضايا إلا على نحو شديد الغموض. وبالإضافة إلى ذلك فإن المبادرتين الأوليين متشابهتان تقريباً.

 

 

 

في كلا المبادرتين نص يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية. وبناء على النصوص الخاصة بإقامة الدولة الفلسطينية فإن ترسيم حدودها يستند إلى خط الرابع من يونيو عام 1967 مع تعديل يسير يحصل بموجبه الفلسطينيون على 97.5% تقريباً من أرض الضفة الغربية بالإضافة إلى كامل قطاع غزة. أما البقية فسوف تضم إلى "إسرائيل" على أن يحصل الفلسطينيون على مساحة موازية من الأراضي الإسرائيلية. وهكذا يتم إخلاء معظم المستوطنات اليهودية من الأراضي الفلسطينية.

 

 

 

وبينما يتحاشى نص الوثيقة ذكر «حق العودة» إلا أنه ينص على ضرورة التوصل لاتفاق متبادل حول «قضية اللاجئين».ووفقاً للوثيقة فإن القدس سوف تكون عاصمة للدولتين في القطاع الذي يمارس كل من الطرفين السيادة عليه. وبينما يكون الحرم القدسي تحت السيادة الفلسطينية يكون «حائط المبكى» تحت السيادة الإسرائيلية.

 

 

 

خطة حزب العمل الإسرائيلي لا تختلف عن وثيقة جنيف إلا في نقاط ثانوية. فعلى سبيل المثال فإنه بينما تتجاهل الوثيقة «حق العودة» فإن خطة الحزب تنص صراحة على استبعاده. والسؤال المطروح الآن هو: هل هناك في الأفق ما يشير إلى احتمال قيام جولة تفاوضية جديدة جادة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؟

 

 

 

نعلم بالطبع أن لليمين الإسرائيلي بزعامة أرييل شارون موقفاً مختلفاً تماماً عن حزب العمل المعارض والتيار اليساري الذي شارك في رسم «وثيقة جنيف» لكن هذا الوضع قد يتغير وتعقد انتخابات جديدة قد تأتي بحزب العمل وحلفائه اليساريين إلى السلطة.

 

 

 

وفي كل الأحوال فإنه في حالة قيام مفاوضات جديدة فإن على قيادة السلطة الفلسطينية، إذا أرادت حقاً الاستفادة من أخطاء الماضي مراعاة أربعة شروط:

 

 

 

أولاً: رفض التحاور السري غير الرسمي.

 

ثانياً: بلورة برنامج وطني يشارك في وضعه كل المنظمات والفصائل الفلسطينية دون استثناء ليكون هذا البرنامج حاكماً على عملية التفاوض.

 

ثالثاً: رفض التفاوض إلا تحت إشراف دولي كامل - أي برعاية الأمم المتحدة - وليس تحت إشراف الولايات المتحدة وحدها.

 

رابعاً: استمرار المقاومة الوطنية المسلحة أثناء العملية التفاوضية وعدم إيقافها إلا لأغراض الاختراق الدبلوماسي بالتشاور مع قادة الفصائل.