بقلم :محمد خالد الأزعر
الإلحاح على إلقاء قفاز اللاسامية في وجه كل
من ينتقد سلوكاً يهودياً أو إسرائيلياً أو يتعرض بالأذى لمصالح ورموز يهودية أو
إسرائيلية، بغض النظر عن السياقات المكانية والزمنية، يؤكد مدى عزلة الدوائر
الصهيونية، داخل "إسرائيل" وخارجها، عما يتفاعل في المحيط الدولي.
فصناعة الصور النمطية والتأثير في ميول هذا المحيط على مستوى الخاصة والعامة، لم
تعد حكراً على أدوات الإعلام الدعائي التي خضعت مطولاً لهذه الدوائر وخطابها
الزائف، ثم إن المنطق المجرد يقول بأن استخدام المقولة التبريرية ذاتها في كل
الأوقات ولكل المناسبات، ربما أدى إلى نتائج عكسية بفعل الملل وما يمكن أن ندعوه
"بالقرف الجماعي" من هكذا أسلوب.
فمثلاً، لا يمكن لعاقل أن يستوعب بسهولة، ولا
حتى بصعوبة، كيف أصبح 60% في المئة من الأوروبيين «لا ساميين» لأنهم يخشون من سلوك
"إسرائيل" على السلام العالمي!. فالأوروبيون لم يدلوا برأيهم في
الاستطلاع إياه حول اليهود واليهودية.. لقد قالوا كلمتهم بصدد "إسرائيل"
الدولة. إن الخطاب الصهيوني الذي ينحو للربط التلقائي بين اليهودية العالمية و"إسرائيل"،
وكأنهما شيء واحد، هو المسئول عن اعوجاج تفسير هذا الرأي الأوروبي وإحالته إلى
اللاسامية.
والشاهد أن أصحاب هذا الخطاب، وعلى رأسهم نخب
الحكم والسياسة في "إسرائيل"، لا يودون رؤية الأوروبيين وغير
الأوروبيين، وقد وعوا لضرورة فك الارتباط بين اليهود واليهودية من جهة و"إسرائيل"
الدولة من جهة أخرى. لا تريد هذه النخب، التي اعتاشت وارتزقت مطولا على دعوى
تمثيلها ليهود العالم و«آلامهم وخصوصيتهم».
أن تصحو ذات حين لترى أن "إسرائيل"
مجرد دولة عادية، ينبغي أن تعامل وتحاسب على أفعالها كسائر خلق الله من الدول،
بعيداً عن إيحاءات وإسقاطات فكرة «اليهودي الضحية» تحت أي ظرف. ذلك أن خلود هذه
الفكرة يسمح باستمرار «عقدة الذنب» المتصلة بها والمترتبة عليها، ومن ثم ديمومة
وضعية الحصانة والامتياز التي تتمتع بها "إسرائيل" انطلاقاً من هذه
المعادلة.
لكن ما تريده الصهيونية السياسية
و"إسرائيل" شيء وما يطرحه الواقع المتغير بتجلياته ودروسه شيء آخر.
والواقع يقول بأن الصهيونية، الحركة والدولة، لا يمكنها المتاجرة بالبضاعة ذاتها
في كل الظروف ورغماً عن كل المستجدات إلى ما لا نهاية. ولو كان صهاينة اليوم أكثر
عقلانية وواقعية لأدركوا هذه البديهية وسعوا إلى تجديد هذه البضاعة، لاسيما وأن
تسويقها ما عاد أمراً متيسراً وصار يلحق الأذى بيهود العالم.
وتبدو أهمية هذه الملاحظة الأخيرة من أن
ادعاء "إسرائيل" تمثيلها لكل يهود العالم وأحقية التفاوض عنهم والتحدث
باسمهم، أوقع القطاعات اليهودية في حال من الحيرة والمراوحة وعدم اليقين لجهة
الانتماء والهوية السياسية. وأهم من ذلك أن سلوكيات "إسرائيل" وأفعالها
السيئة وصورتها القبيحة كدولة عاصية للشرعية الدولية، مقترفة للموبقات والرذائل،
معتدية على حقوق الغير (الشعب الفلسطيني بخاصة)، قد فاضت على كل هذه القطاعات.
فبالنسبة للكثيرين، أضحى هناك خلط وجداني
بالغ بين هذه الصورة السلبية (لإسرائيل) وبين اليهودية العالمية. وإذا كان بعض
العرب والمسلمين قد وقعوا في حبائل هذا الخلط لأسباب ليس هذا موضع الاستطراد
إليها، فإن هناك ما يدل على أن مجتمعات أخرى توشك أن تقع في هذه الحبائل.
هناك، بعبارات أخرى، من يسوغ محاسبة اليهود
ومساءلتهم، أحياناً بكل عنف، عن ذنوب ترتكبها "إسرائيل". وهذه الظاهرة،
على خطلها، لم تعد تقتصر على الرحاب العربية والإسلامية، وإنما تمتد بوتيرة
متصاعدة إلى رحاب ومواقع أخرى. وفي كل الأحوال فإن مقولات الصهيونية عن الصلة
الوثيقة بين "إسرائيل" واليهودية العالمية هي مرجعية الظاهرة وعلتها
الأولى. نحن بهذا التحليل نحاول التفسير ولا نقصد التبرير. فليس كل اليهود صهاينة،
كما أن يهوداً كثيرين رفضوا هذه المقولات منذ ما قبل قيام الدولة اليهودية،
واحتفظوا بموقفهم السوي هذا بعد قيامها.. غير أن التعرف على المسافة ما بين
"إسرائيل" وبين اليهود غير الصهاينة، تحتاج إلى طاقة فكرية قد لا تتوفر
لكل المكتوين بلظى السلوك الإسرائيلي بسهولة.
ولذا، علينا أن نتوقع دوما بقاء قطاعات
يهودية في دائرة الشبهات، ووجود من يوجب معاقبة بعض هذه القطاعات على جرائم
إسرائيلية، وقد فطن مسئولون كبار إلى هذه الناحية غداة الاعتداء على معبدي
اسطنبول، ومنهم عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية الذي قال، بعد إدانة الهجوم
«إن أجراساً تقرع وتشير إلى استشراء السياسة الإسرائيلية بدرجة لم تعد مقبولة من
أي شخص لديه تعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني.. وطالما تركت "إسرائيل"
تعيث فساداً فإن ذلك سيؤدي إلى كثير من التداعيات. والمسئولية تقع على من يتغاضون
عن ذلك.. ».
ليس من صالح يهود العالم في كل حال الإبقاء
على معاملات الارتباط السياسية والقانونية التي اصطنعتها الصهيونية و"إسرائيل"
معهم. فمهما بلغت إجراءات الضبط فسوف يبقى هنالك من يستطرد بعمليات الصراع ودائرته
اللعينة إلى غير الساحة الإسرائيلية. وهذا يثبت أن "إسرائيل" لم تكن
الطريق الأمثل لتحقيق أمن اليهود، لا في داخلها ولا في مواطنهم الأم.
أما مقولة «العداء للسامية» فهي باتت مرشحة
للتقادم وفقدان الفاعلية خلافا للاعتقاد الصهيوني بخلودها.. لقد نشأت أجيال أخرى
في أوروبا وغيرها لا تعرف عن هذه المقولة الشيء الكثير، ولا تجد للاتكاء
الإسرائيلي عليها مبررات مقبولة. وترتب على مظاهر العولمة الإعلامية أن أصبحت هذه
الأجيال على دراية كافية بالبغي الإسرائيلي في فلسطين.
ولابد أنها ما عادت تعبأ باستدعاء الصهيونية
للماضي من أجل تسويغ سياستها المعيبة في الحاضر. ومع ذلك، فإن دوغمائية الصهيونية
والصهاينة تحول دون مشاهدة هذا التحول الذي سيكون له تبعات فارقة مستقبلاً.