الإرهـاب بين مفهومين

 

 

 

 

 

بقلم : د.عبد الستار إبراهيم الهيتي

 

    بعد سقوط المعسكر الشيوعي إثر انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990 وجد الغرب نفسه وحيدا في ساحة التأثيرات العالمية فعمل على اختلاق عدو جديد يلصق به سلسـلة الإخفاقات التي يمر بها بين الحين والآخر لتبرير سياسة الاستبداد التي ينتهجها في علاقته مع شعوب ودول العالم  الأخرى ، فكان لا بد من أن يضع العرب والمسلمين في مقدمة المناوئين لمخططاته بعد الانفراد السياسي الذي تحقق له عقب انتهاء فترة الحرب الباردة ، ولأنه لا يستطيع البوح بذلك ولا يمكنه التصريح به في جميع المحافل وعلى مختلف الأصعدة حاول أن يختلق له عدوا وهميا يمكن قبوله وتمريره على الأنظمة الأخرى فكان ذلك المارد الجديد الذي اصطلح عليه " الإرهاب " ليخفي وراءه كل من يقف بوجه مخططاته العدوانية الاستعمارية ابتداء من الإسلام كدين ومنهج حياة وانتهاء بالمشاريع الحضارية التحررية للأمم والشعوب .

 

   ويظهر لنا من خلال قراءة متأنية لمجمل السياسات الغربية وعلى وجه الخصوص السياسة الأمريكية أن تلك السياسات لا يمكن لها أن تحقق مطامعها وأهدافها إلا بافتراض وجود عدو خارجي ترمي عليه جام غضبها وتحاول تعليق مجمل إخفاقاتها على شماعته لإشغال الرأي العام الداخلي والخارجي عما تقوم به من مخططات تخدم المصالح الشخصية والمخططات العدوانية التي تحيكها بين الحين والآخر .

 

   " الإرهاب " ذلك المصطلح الفضفاض الذي تحاول الولايات المتحدة إبقاءه بعيدا عن التحديد الحقيقي لمفهومه وطبيعته حتى لا يكون ذلك محرجا لها في وقت من الأوقات أو تحت أي ظرف من الظروف ومن أجل أن يبقى عنوانا ترهب به كل من يخالفها الرأي أو لا يتفق معها في التصور والتفكير والمنهج ، فالمصطلح الذي أطلقه الرئيس الأمريكي بوش " معنا أو ضدنا " وزلة اللسان التي صدرت منه حسب زعم الناطق الرسمي للبيت الأبيض عن " الحرب الصليبية " كلها معطيات تشير إلى رغبة السيد الأمريكي أن يبقى مفهوم الإرهاب غير محدد المعالم ولا منضبط المعنى من أجل تحقيق الأهداف الأمريكية في دول العالم وخاصة منها دول الشرق أو ما يطلق عليها دول العالم الثالث .

 

   لقد غدا الإرهاب في عرف الأمريكان والصهاينة هو كل جهد أوعمل لمقاومة الاحتلال أو صد العدوان أو الدفاع عن النفس والوطن والعرض حتى مرّروا هذا المفهوم المزيف على العالم وشعوبه وقدموا صورة مكذوبة عن صيغ المقاومة المشروعة التي يقوم بها الشعب الفلسطيني للوقوف بوجه مخططات الاستيطان والسيطرة على الأرض بالقوة وإخراج أهلها منها حتى أصبحت القاعدة عند الأمريكان والصهاينة: أن كل مسلم إرهابي ، وأن كل عربي مطلوب القبض عليه ، في الوقت نفسه يدرك العالم ومنهم العرب والمسلمون أن الإرهاب الحقيقي هو ذلك الذي تقوم به أمريكا ضد الشعوب الفقيرة المغلوبة مستغلة هيمنتها على القرارات الدولية وانتشار أساطيلها في جميع بقاع العالم وسطوة قواتها ظلما وعدوانا تحت شعارات مزيفة وكاذبة تتبجح بها في الدفاع عن حقوق الإنسان وذرف دموع التماسيح لتحقيق مخططاتها العدوانية المجرمة ، وهنا يمكن أن نتساءل : أي هاتين الحالتين إرهاب ؟ ما تقوم به الشعوب المقهورة للدفاع عن نفسها وعيالها وأرضها ؟ أم تلك القوة الغاشمة التي تستخدم أشد الأسلحة فتكا وتدميرا ضد المدنيين الآمنين مما يشكل أسوء أنواع إرهاب الدولة المنظم ؟

 

   ومما يؤكد ذلك كله أن الإرهاب أصبح العصا الغليظة التي تمسك بها الولايات المتحدة لتؤدب بها كل من يحاول الوقوف بوجه مصالحها ، فطالبان والقاعدة اللتان صنعتهما أمريكا في وقت من الأوقات وتحت ظروف معينة لتحقيق أهداف محددة كانتا أول ضحايا الإرهاب في المفهوم الأمريكي لا لشيء وإنما لمجرد تهمة غير مؤكدة بتفجير برج التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر ، ومن يدري فلربما تكون تلك التفجيرات صنيعة من صنائع أمريكيا نفسها أو واحدة من وسائل اللوبي الصهيوني كما أشار إلى ذلك عراب السياسة الأمريكية في السبعينات من القرن الماضي وأحد أكثر السياسيين خبرة بدهاليز القرار الأمريكي " هنري كيسـنجر " في إحدى مقالاته وتصريحاته !

 

   أقول من يدري فلربما تكون تلك الزوبعة واحدة من إبداعات الاستراتيجية الأمريكية التي حيكت داخل دهاليز اللوبي الصهيوني لاصطناع العدو المفترض الذي لا تستطيع العيش أو الحياة بدون وجوده ؟

 

    لقد أصبح الإرهاب في عرف ومفهوم الدراسات الاستراتيجية التابعة للقرار السياسي الأمريكي هو كل عمل يرمي إلى الاستقلال عن الغرب وعدم السير في ركاب مخططاته وقراراته والإرهاب في مفهومهم يشمل كل من يقف بوجه الأهداف الصهيونية الصليبية ، فدول محور الشر " كوريا وإيران والعراق " جهات ترعى الإرهاب لأنها تهدف لتحقيق مشاريع حضارية وإن كانت ربما أخطأت الوسيلة في نظرنا ، والقوى الوطنية والإسلامية التي تدافع عن حقوقها وأرضها في لبنان نوع من أنواع الإرهاب لأنها تقف بوجه المـد اليهودي الصهيوني ، ومقاومة الاحتلال وصد العدوان عن النفس والأهل والوطن من قبل الفلسطينيين إرهاب لأنه يؤرق راحة الصهاينة المحتلين ، وكنيسة المهد مكان للإرهاب لأنها كنيسـة شرقية حتى ولو كانت مهدا للسيد المسيح الذي يدين بديانته أكثر الشعوب الغربية والأمريكية ، والتبرعات لمواساة المشردين الذين هدمت مساكنهم ونهبت ممتلكاتهم وقتل أبناؤهم وذووهم نوع من أنواع الإرهاب يجب أن تتوقف الأنظمة العربية عن دعمها والمساهمة فيها ، واطلاق اسـم الشهيد على من يقدم روحه قربانا للوطن والحرية عنوان آخر من عناوين الإرهاب في عرف الأمريكان ومفاهيمهم المقيتة .

 

    أما ما يقوم به اليهود المحتلون من اغتيال المدن وتدمير المخيمات وقتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والصبيان فهو رمز من رموز الحضارة المزيفة وعلامة مضيئة في دنيا التقدم الأمريكي الذي يرى بعين " عوراء " فلا ينظر إلا باتجاه واحد هو اتجاه الظلم والطغيان والجبروت .

 

   ما أريد أن أقوله هنا : إن الإرهاب في عرف الأمريكان شـرقي عـربي مسـلم لأنه يهدف إلى النهوض بالشعوب ويسعى إلى تخليصها من الظلم والجور ويريد أن يصل بها إلى دنيا الحرية والتحرير ،،، ولذلك فإن ما يجري في العالم اليوم من أحداث يوجب علينا أن نفهم العلاقة مع الغرب أنها علاقة صراع ثقافي وحضاري وأيديولوجي يبقى يتصاعد ليصل إلى صراع مصالح سياسية واقتصادية يتطلب منا أن نفهم أن الغربي دائما هو الأسمى ، وأن الأوربي دائما هو الأعلى ، وأن الأمريكي هو الذي يجب أن يسود ، وأن من يخالف هذه المفاهيم أو يعارضها فهو إرهابي ، فإما أن يكون قادة العالم " معنا أو ضدنا " هكذا قالها بوش وهكذا يريد أن يطبقها على العالم ،،،

 

   ومن هنا فإن الأمة كلها مطالبة بتصحيح مفاهيمها وتحديد أطر تفكيرها وعدم الانسياق وراء الأكاذيب والدعايات التي تصدر عن الغرب الكافر " أمريكا وأعوانها " في تزييف الحقائق وطمس معالمها ، كما أن الأمة مطالبة بوضع استراتيجية جديدة للتعامل مع الآخرين بعيدا عن الوعود المعسولة الصادرة عن البيت ...... وبمنأى عن المفاوضات والمعاهدات التي يستخدمونها بمثابة مخدر للشعوب من أجل تمرير مخططاتهم وأهدافهم العدوانية ، إنه لا مجال اليوم للحديث عن صداقة متينة أو روابط وثيقة بين الأمة وبين أمريكا ، فهذا السيد الأمريكي لم يعر أهمية لأية علاقات أو روابط ولم يعبأ بأية مواثيق أو عهود وهو اليوم يكشـّر عن أنيابه ليس ليقف مع العدو المحتل فحسب وإنما ليمارس الاحتلال والعدوان بشكل صارخ ومباشر مما يؤكد أن أمريكا أكثر إرهابا وأقسى ضراوة على الأمة من الصهيونية ، فكلاهما يمارسان اليوم إرهاب الدولة المنظم وهو أشد وأقسى أنواع الإرهاب .