للتفريط مراسم , قطار يعمل بالفحم الأمريكي ,
و سائق صهيوني , و إن تظاهرَ بغير ذلك , و مُوَجِّه يطلق صافرة التواطؤ . للتفريط
عناوين , مرتجفة المواقف , مرتعشة الأفكار ، سراديب ملفعة بالحذر غير الحكيم ..
رسمي يتشبّث بمقعد الفساد , يرتدي بذلة غير رسمية ، غير رسمي لا يتخلّى عن
امتيازاته و مصالحه , يرتدي حلة رسمية . و للتفريط درجات و علامات و تقاطيع صفراء
و ألفاظ مزدوجة , و ملابس و خدع و ألغاز مستوردة.
للتفريط مخالب متحرّكة , تستبدل وقت حاجات
التوظيف و الاستثمار, فتراها في لحظة أظافر مقلمة ناعمة ، و حين تحين ساعة
"سويسرا" لطعن الشعب الفلسطني بفؤاد ثوابته الوطنية الفلسطينية , يعود
المخلب "الفاخر" إلى دوره , فنروح نتذكّر آلام و عذابات و تضحيات كلّ
مرحلة نضالية , و معها تلك الأخطاء السياسية و السلوكية الفادحة.
للتفريط أسماء رمتك بالصدمة و الذهول و أنت
تتعجّب , و قد تسرّعت و صنّفتها من خيرة الناس ! و أسماء جاءت إلى الساحة
الفلسطينية بحثاً عن ثروة و شهرة و جاه و سلطة , فلم تعجب لأفعالها و قد خبرها
شعبنا جيداً .. و طاردَ شعبنا الباسل بعض رموزها في رفح بالصرخات و الاستنكار و هم
في طريقهم إلى توقيع صك التبديد في جنيف .
رسميون فلسطينيون و غير رسميّين يذهبون إلى
مراسم التفريط في سويسرا , ينطلقون بخطى يحرّكها الخنوع و التمويه . و ليس تفيد
كلّ الحجج و المبررات التي يسوقها البعض حول صفة المشاركين في هذا المهرجان التنازلي
الانهزامي , فالأخ قدورة فارس يشغل وظيفة وزير دولة في حكومة السيد أبو علاء , و
لم نعلم أنه يعمل كوزير في حكومة مالطا ! أما ياسر عبد ربه فقد شغلَ الوزارة
لأعوام و أعوام حتى ضجَ منه بعض الطامحين في الوزارة فاعتبروه منافساً لهم على رزق
الموقع و المركز , فتحافوه ضده , فعاد إلى الأضواء من باب التنازل التدريجي عن حقّ
عودة كلّ اللاجئين و النازحين إلى أرضهم و ديارهم السليبة في الوطن ... و للتفريط
مقدّمات و أسباب و بذور من الماضي القريب و البعيد زرعت في تربة التردّد و السكوت
. إذ لا نتائجَ كارثية تهبط من العدم .. لا وقائع كئيبة معزولة عن سلسلة الأخطاء و
الممارسات و السياسات الملغومة . بدءاً من أيام الثورة الفلسطينية في لبنان , و
لقاءات قوى "السلام الإسرائيلية" و المراهنة عليها .. مروراً بمكيدة
اتفاق أوسلو و ما تلاه من ملاحق و أوراق و مشاريع و مبادرات متتابعة مملة ، مروراً
بـ "حفلة" إلغاء بنود في الميثاق الوطني الفلسطيني بحضور الرئيس
الأمريكي السابق بيل كلينتون , وصولاً إلى تنازلات السيد سري نسيبة , و استطلاعات
السيد خليل الشقاقي , و أخيراً وثيقة جنيف التي يراد لها أن تمرّ , بلا مقاومة و
رفض و مظاهرات , عبر محاولات تيئيس شعبنا , ضرب وحدته , إنهاء انتفاضته , ترهيبه و
ترغيبه ، سرقة جهوده النضالية المتتالية , السطو على أحلامه و تطلعاته في العودة ,
إلى وطنه حراً , عزيزاً , وفق القرارات التي تكفلها لشعبنا الشرعية الدولية , و في
القلب منها قرار رقم 194 ..
إن شعبنا في هذه المرحلة الخطيرة , يحتاج إلى
تنظيم صفوفه , إلى القيام بمظاهرات ضخمة ضاغظة , إلى تشكيل لجانٍ لحقّ العودة في
كلّ قرية و مدينة و مخيم , في الوطن و في الشتات , أكثر من أيّ وقت مضى . بعد كلّ
هذه التضحيات الجسام , هذا العطاء الأسطوري , و تلك المكابدات و الأحزان و الثورات
و الانتفاضات المتواصلة , و المذابح و المجازر و الاعتداءات الوحشية الصهيونية
التي تعرّض و يتعرّض لها , يستحيل على شعبنا الصابر , في كلّ مكان , أن يهضمَ و
يستسيغَ وجبة اللؤم و السم و العقارب السويسرية . من المفجع أن البعض من
الفلسطينيين , يسعى إلى تحويل شعبنا إلى حقل تجارب لزراعة توجّهاته و مفاهيمه
الفاسدة ، لكن تراب المعاناة , و الرفعة و الشجاعة و الصلابة , لا بدّ أن يلفظ و
يرفض كلّ بذار الخداع و التنازل . لقد كان التسامح – النسبي - مع أول موجات
التفريط التي ظهرت في فضاء المقاومة الفلسطينية , في آفاق النضال التحرّري - قبل
أوسلو سيء الذكر و الآثار - من الأخطاء الكبيرة الجسيمة , التي ارتكبتها , بقصد أو
دون قصد , العديد من القوى و الفصائل الوطنية و اليسارية , بسبب عدم فهمها الدقيق
و المبكّر لمرحلة المساومة على الأهداف المقدسة , التي كان يعمل لها النهج المساوم
قصير النفس النضالي , بشكلٍ واعٍ و مقصود . هذا النهج يتعجّل في قطف ثمار مشاركته
في الثورة الفلسطينية , و يكفيه أن يضع في سلال "إنجازاته" بعض الثمار
الفجّة , مبدياً استعداده للتنازل عن كلّ أشجار و بساتين و فاكهة فلسطين .
فهل تُقنع فاكهة الثلج السويسرية شعبنا المناضل , صاحب البطولات
العظيمة , قدوة الشعوب العربية في التضحية و الكفاح , بالتنازل عن بياراته و حقوله
و "حواكيره" و بيادره و منازله و جذوره و تاريخه في أرض فلسطين
التاريخية .. قد تقول معادلة الهروب من المسؤولية النضالية التي يشترك في صوغها صهاينة
يرفضون حق العودة للفلسطينيين : لا توقِف "إسرائيل" مجازرها و جرائمها
بحقّ الشعب الفلسطيني , و لا تطلق سراح المعتقلين و الأسرى العرب و الفلسطينين
سجونها , حتى يرتكب بعض الفلسطينيين , من الرسمي و غير الرسمي , مجزرة فظيعة غير
مسبوقة ضد قرار عودة الفلسطيينيين إلى أرضهم السليبة , فتعالوا نتسابق في عقد
اللقاءات من لندن إلى جنيف إلى مدريد .. حتى يصاب الوضع الفلسطيني برمته في دوخة ،
و تختلط الأمور , و "تصلّب" حقوق الفلسطينيين إلى خشبة الإحباط ,
فيقبلون بأيّ شيء عن طريق استمرار الضغوط و المجازر و أعمال القصف و التدمير و
الحصار و التجويع ..
و تتوالى الضربات الغادرة , حتى يجد
الفلسطيني نفسه - لا سمح الله - يقاتل الفلسطيني ببندقية يجب أن تتوجّه فقط ضدّ
صدور المحتلين ، فيخرج شارون من أزماته الأمنية و الاقتصادية و السياسية ، بيدٍ
فلسطينية هي سبب كلّ مشاكل و أزمات الفلسطينيين .
و للتفريط و التبديد في جنيف و غيرها هدايا مجانية يقدّمها
للصهاينة و سفاحهم شارون منها :
- تحسين صورة "إسرائيل" دولياً ,
بعد أن ارتبطت هذه الصورة الدميمة , بالخطر على أمن العالم ، بنسف بيوت
الفلسطينيين , بقتل أطفالهم , بحصارهم ، بعدم تحمّل مسؤوليتها كقوة احتلال , وفق
معاهدة جنيف , بـتأمين المشرب و المأكل , و توفير قضايا الصحة و التعليم .. للشعب
الفلسطيني الرازح تحت احتلالها الغاشم . كما ساهم بناء "إسرائيل" لجدار
التوسّع و الفصل و التشريد و قضم الأراضي الفلسطينية , في غضب معظم الأوروبيين , و
ألحق بصورة هذا الكيان و سمعته المزيد من لطخات العار و الانتقاد الشديد ، و الآن
بعد أن يتمّ النفخ في بالون التسوية "السلمية" عبر مراسم التوقيع على
وثيقة جنيف , ستباشر الآلة الإعلامية الصهيونية مع أبواقها المتحالفة معها , في
التركيز على حجم "التنازلات المؤلمة" التي أقدمت عليها
"إسرائيل" و قوى "السلام" فيها , الذين تربطهم بشارون أكثر من
قناة تقاطع و تنسيق - و إن صرح عكس ذلك – و إلا لماذا أرسل ابنه عمري إلى لندن ؟ و
بهذا الأسلوب الدعائي المخاتل , يتم تصوير الوضع على غير حقيقته , فتعوّض
"إسرائيل" عن خسائرها الداخلية و الخارجية, بعد أن تبدو - في نظر العالم
- كأنها حريصة على السلام مع الفلسطينيين ! ..
- إعطاء "إسرائيل" أكبر هدية
مجانية , بإخلاء مسؤوليتها عن تشريد الشعب الفلسطيني , بكلّ ما يتصل به من حق
العودة – بقرار 194 - و مع حق الاعتذار للشعب الفلسطيني عن المأساة و الآلام التي
سبّبتها باحتلالها و ظلمها و مجازرها ضده , بالإضافة إلى حقّ التعويض الذي لا يلغي
حقّ شعبنا في العودة إلى أرضه الأصلية .
- التخلّص من الانتفاضة الباسلة , دون الحصول
على أيّ شيء ملموس , كانسحاب (إسرائيلي) كامل , من كلّ مساحة الضفة و القطاع , و
إزالة جميع المستوطنات , و إرغام العدو على الاعتراف بالقدس الشريف كعاصمة لدولة
فلسطينية ، تتمتّع بكلّ سمات و مواصفات السيادة .
للتفريط صلات و مظاهر و خفايا و خبايا و
ارتكازات .. إن كلَّ من يرفض محاسبة الفاسدين و القيام بإصلاحات شاملة و جذرية
تطال مؤسسات السلطة و أوضاع منظمة التحرير و حتى إجراء مراجعات نقدية في بعض
سياسات و طروحات الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجّهاتها و ألوان طيفها الفكري و
السياسي ، وفّر أجواء التخاذل - بعلم أو دون علم - التي قادت إلى جنيف و إلى مراسم
التوقيع على وثيقة التراجع عن الثوابت الوطنية المقدسة , و في مقدّمتها حق العودة
.
إذا كان فلان من الموقّعين على وثيقة جنيف
الكارثية , يرغب في التنازل عن بيته شخصياً – و هذا خطأ - فليفعل ذلك وحده , دون
أن ينطق , زوراً , نيابة عن شعب البواسل و الصقور و الملاحم النضالية , في الوطن و
في الشتات . أما الشعب الفلسطيني , فإنه متمسّك بكلّ أركان حقوقه و أهدافه النبيلة
في الحرية و الاستقلال و العودة , و لن يتنازل , مهما كانت الضغوط و التضحيات أو
حتى الإغراءات , عن ممتلكاته و أرضه في فلسطين .