مراسم التفريط في جنيف

 

 

 

 

بقلم :سليمان نزال

 

للتفريط مراسم , قطار يعمل بالفحم الأمريكي , و سائق صهيوني , و إن تظاهرَ بغير ذلك , و مُوَجِّه يطلق صافرة التواطؤ . للتفريط عناوين , مرتجفة المواقف , مرتعشة الأفكار ، سراديب ملفعة بالحذر غير الحكيم .. رسمي يتشبّث بمقعد الفساد , يرتدي بذلة غير رسمية ، غير رسمي لا يتخلّى عن امتيازاته و مصالحه , يرتدي حلة رسمية . و للتفريط درجات و علامات و تقاطيع صفراء و ألفاظ مزدوجة , و ملابس و خدع و ألغاز مستوردة.

 

للتفريط مخالب متحرّكة , تستبدل وقت حاجات التوظيف و الاستثمار, فتراها في لحظة أظافر مقلمة ناعمة ، و حين تحين ساعة "سويسرا" لطعن الشعب الفلسطني بفؤاد ثوابته الوطنية الفلسطينية , يعود المخلب "الفاخر" إلى دوره , فنروح نتذكّر آلام و عذابات و تضحيات كلّ مرحلة نضالية , و معها تلك الأخطاء السياسية و السلوكية الفادحة.

 

للتفريط أسماء رمتك بالصدمة و الذهول و أنت تتعجّب , و قد تسرّعت و صنّفتها من خيرة الناس ! و أسماء جاءت إلى الساحة الفلسطينية بحثاً عن ثروة و شهرة و جاه و سلطة , فلم تعجب لأفعالها و قد خبرها شعبنا جيداً .. و طاردَ شعبنا الباسل بعض رموزها في رفح بالصرخات و الاستنكار و هم في طريقهم إلى توقيع صك التبديد في جنيف .

 

رسميون فلسطينيون و غير رسميّين يذهبون إلى مراسم التفريط في سويسرا , ينطلقون بخطى يحرّكها الخنوع و التمويه . و ليس تفيد كلّ الحجج و المبررات التي يسوقها البعض حول صفة المشاركين في هذا المهرجان التنازلي الانهزامي , فالأخ قدورة فارس يشغل وظيفة وزير دولة في حكومة السيد أبو علاء , و لم نعلم أنه يعمل كوزير في حكومة مالطا ! أما ياسر عبد ربه فقد شغلَ الوزارة لأعوام و أعوام حتى ضجَ منه بعض الطامحين في الوزارة فاعتبروه منافساً لهم على رزق الموقع و المركز , فتحافوه ضده , فعاد إلى الأضواء من باب التنازل التدريجي عن حقّ عودة كلّ اللاجئين و النازحين إلى أرضهم و ديارهم السليبة في الوطن ... و للتفريط مقدّمات و أسباب و بذور من الماضي القريب و البعيد زرعت في تربة التردّد و السكوت . إذ لا نتائجَ كارثية تهبط من العدم .. لا وقائع كئيبة معزولة عن سلسلة الأخطاء و الممارسات و السياسات الملغومة . بدءاً من أيام الثورة الفلسطينية في لبنان , و لقاءات قوى "السلام الإسرائيلية" و المراهنة عليها .. مروراً بمكيدة اتفاق أوسلو و ما تلاه من ملاحق و أوراق و مشاريع و مبادرات متتابعة مملة ، مروراً بـ "حفلة" إلغاء بنود في الميثاق الوطني الفلسطيني بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون , وصولاً إلى تنازلات السيد سري نسيبة , و استطلاعات السيد خليل الشقاقي , و أخيراً وثيقة جنيف التي يراد لها أن تمرّ , بلا مقاومة و رفض و مظاهرات , عبر محاولات تيئيس شعبنا , ضرب وحدته , إنهاء انتفاضته , ترهيبه و ترغيبه ، سرقة جهوده النضالية المتتالية , السطو على أحلامه و تطلعاته في العودة , إلى وطنه حراً , عزيزاً , وفق القرارات التي تكفلها لشعبنا الشرعية الدولية , و في القلب منها قرار رقم 194 ..

 

إن شعبنا في هذه المرحلة الخطيرة , يحتاج إلى تنظيم صفوفه , إلى القيام بمظاهرات ضخمة ضاغظة , إلى تشكيل لجانٍ لحقّ العودة في كلّ قرية و مدينة و مخيم , في الوطن و في الشتات , أكثر من أيّ وقت مضى . بعد كلّ هذه التضحيات الجسام , هذا العطاء الأسطوري , و تلك المكابدات و الأحزان و الثورات و الانتفاضات المتواصلة , و المذابح و المجازر و الاعتداءات الوحشية الصهيونية التي تعرّض و يتعرّض لها , يستحيل على شعبنا الصابر , في كلّ مكان , أن يهضمَ و يستسيغَ وجبة اللؤم و السم و العقارب السويسرية . من المفجع أن البعض من الفلسطينيين , يسعى إلى تحويل شعبنا إلى حقل تجارب لزراعة توجّهاته و مفاهيمه الفاسدة ، لكن تراب المعاناة , و الرفعة و الشجاعة و الصلابة , لا بدّ أن يلفظ و يرفض كلّ بذار الخداع و التنازل . لقد كان التسامح – النسبي - مع أول موجات التفريط التي ظهرت في فضاء المقاومة الفلسطينية , في آفاق النضال التحرّري - قبل أوسلو سيء الذكر و الآثار - من الأخطاء الكبيرة الجسيمة , التي ارتكبتها , بقصد أو دون قصد , العديد من القوى و الفصائل الوطنية و اليسارية , بسبب عدم فهمها الدقيق و المبكّر لمرحلة المساومة على الأهداف المقدسة , التي كان يعمل لها النهج المساوم قصير النفس النضالي , بشكلٍ واعٍ و مقصود . هذا النهج يتعجّل في قطف ثمار مشاركته في الثورة الفلسطينية , و يكفيه أن يضع في سلال "إنجازاته" بعض الثمار الفجّة , مبدياً استعداده للتنازل عن كلّ أشجار و بساتين و فاكهة فلسطين .

 

 فهل تُقنع فاكهة الثلج السويسرية شعبنا المناضل , صاحب البطولات العظيمة , قدوة الشعوب العربية في التضحية و الكفاح , بالتنازل عن بياراته و حقوله و "حواكيره" و بيادره و منازله و جذوره و تاريخه في أرض فلسطين التاريخية .. قد تقول معادلة الهروب من المسؤولية النضالية التي يشترك في صوغها صهاينة يرفضون حق العودة للفلسطينيين : لا توقِف "إسرائيل" مجازرها و جرائمها بحقّ الشعب الفلسطيني , و لا تطلق سراح المعتقلين و الأسرى العرب و الفلسطينين سجونها , حتى يرتكب بعض الفلسطينيين , من الرسمي و غير الرسمي , مجزرة فظيعة غير مسبوقة ضد قرار عودة الفلسطيينيين إلى أرضهم السليبة , فتعالوا نتسابق في عقد اللقاءات من لندن إلى جنيف إلى مدريد .. حتى يصاب الوضع الفلسطيني برمته في دوخة ، و تختلط الأمور , و "تصلّب" حقوق الفلسطينيين إلى خشبة الإحباط , فيقبلون بأيّ شيء عن طريق استمرار الضغوط و المجازر و أعمال القصف و التدمير و الحصار و التجويع ..

 

و تتوالى الضربات الغادرة , حتى يجد الفلسطيني نفسه - لا سمح الله - يقاتل الفلسطيني ببندقية يجب أن تتوجّه فقط ضدّ صدور المحتلين ، فيخرج شارون من أزماته الأمنية و الاقتصادية و السياسية ، بيدٍ فلسطينية هي سبب كلّ مشاكل و أزمات الفلسطينيين .

 

 و للتفريط و التبديد في جنيف و غيرها هدايا مجانية يقدّمها للصهاينة و سفاحهم شارون منها :

 

- تحسين صورة "إسرائيل" دولياً , بعد أن ارتبطت هذه الصورة الدميمة , بالخطر على أمن العالم ، بنسف بيوت الفلسطينيين , بقتل أطفالهم , بحصارهم ، بعدم تحمّل مسؤوليتها كقوة احتلال , وفق معاهدة جنيف , بـتأمين المشرب و المأكل , و توفير قضايا الصحة و التعليم .. للشعب الفلسطيني الرازح تحت احتلالها الغاشم . كما ساهم بناء "إسرائيل" لجدار التوسّع و الفصل و التشريد و قضم الأراضي الفلسطينية , في غضب معظم الأوروبيين , و ألحق بصورة هذا الكيان و سمعته المزيد من لطخات العار و الانتقاد الشديد ، و الآن بعد أن يتمّ النفخ في بالون التسوية "السلمية" عبر مراسم التوقيع على وثيقة جنيف , ستباشر الآلة الإعلامية الصهيونية مع أبواقها المتحالفة معها , في التركيز على حجم "التنازلات المؤلمة" التي أقدمت عليها "إسرائيل" و قوى "السلام" فيها , الذين تربطهم بشارون أكثر من قناة تقاطع و تنسيق - و إن صرح عكس ذلك – و إلا لماذا أرسل ابنه عمري إلى لندن ؟ و بهذا الأسلوب الدعائي المخاتل , يتم تصوير الوضع على غير حقيقته , فتعوّض "إسرائيل" عن خسائرها الداخلية و الخارجية, بعد أن تبدو - في نظر العالم - كأنها حريصة على السلام مع الفلسطينيين ! ..

 

 

- إعطاء "إسرائيل" أكبر هدية مجانية , بإخلاء مسؤوليتها عن تشريد الشعب الفلسطيني , بكلّ ما يتصل به من حق العودة – بقرار 194 - و مع حق الاعتذار للشعب الفلسطيني عن المأساة و الآلام التي سبّبتها باحتلالها و ظلمها و مجازرها ضده , بالإضافة إلى حقّ التعويض الذي لا يلغي حقّ شعبنا في العودة إلى أرضه الأصلية .

 

- التخلّص من الانتفاضة الباسلة , دون الحصول على أيّ شيء ملموس , كانسحاب (إسرائيلي) كامل , من كلّ مساحة الضفة و القطاع , و إزالة جميع المستوطنات , و إرغام العدو على الاعتراف بالقدس الشريف كعاصمة لدولة فلسطينية ، تتمتّع بكلّ سمات و مواصفات السيادة .

 

للتفريط صلات و مظاهر و خفايا و خبايا و ارتكازات .. إن كلَّ من يرفض محاسبة الفاسدين و القيام بإصلاحات شاملة و جذرية تطال مؤسسات السلطة و أوضاع منظمة التحرير و حتى إجراء مراجعات نقدية في بعض سياسات و طروحات الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجّهاتها و ألوان طيفها الفكري و السياسي ، وفّر أجواء التخاذل - بعلم أو دون علم - التي قادت إلى جنيف و إلى مراسم التوقيع على وثيقة التراجع عن الثوابت الوطنية المقدسة , و في مقدّمتها حق العودة .

 

إذا كان فلان من الموقّعين على وثيقة جنيف الكارثية , يرغب في التنازل عن بيته شخصياً – و هذا خطأ - فليفعل ذلك وحده , دون أن ينطق , زوراً , نيابة عن شعب البواسل و الصقور و الملاحم النضالية , في الوطن و في الشتات . أما الشعب الفلسطيني , فإنه متمسّك بكلّ أركان حقوقه و أهدافه النبيلة في الحرية و الاستقلال و العودة , و لن يتنازل , مهما كانت الضغوط و التضحيات أو حتى الإغراءات , عن ممتلكاته و أرضه في فلسطين .