حرب المبادرات على ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي: إلى أين؟

 

 

 

بقلم : حسن نافعة  

 

لم تكد تمر أسابيع قليلة على قيام مجموعة من السياسيين الإسرائيليين والفلسطينيين بالتوقيع بالأحرف الأولى على "اتفاق جنيف", حتى بدأ سيل مبادرات التسوية ينهمر لتبدو ساحة الصراع العربي- الإسرائيلي وكأنها تحولت فعلاً من ساحة قتال إلى ساحة مبارزة كلامية. فقبل ذلك صدرت وثيقة "أيالون - نسيبة" التي قيل إنها حصلت على آلاف التوقيعات الفلسطينية والإسرائيلية على السواء. وخلال الأسبوع الماضي وحده انطلقت حزمة جديدة من "المبادرات": فأعلن حزب "شينوي", الشريك في الائتلاف الحاكم في إسرائيل, عن برنامج سياسي ضمنه "تصوراً جديداً للتسوية", كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يعكف الآن على بلورة "أفكار سياسية جديدة" للتسوية. وأخيرا أعلن حزب العمل الإسرائيلي أن لجنة برئاسة الوزير السابق حاييم رامون انتهت من إعداد "خطة سلام" لحل دائم للنزاع الفلسطيني- الاسرائيلي.

 

غير أن الأمر لم يقتصر على المبادرات الذاتية الصادرة عن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وإنما دخلت أطراف ثالثة على الخط ورتبت لعقد سلسلة "ندوات" كانت في واقع الأمر غطاءً لمفاوضات من نوع خاص حضرتها شخصيات فلسطينية وإسرائيلية مسؤولة أو قريبة من مراكز صنع القرار, إلى جانب مسؤولين سابقين أميركيين وأوروبيين. فتحت عنوان "ندوة سلام رابين" عقدت في منطقة ديتشيلي بارك القريبة من اكسفورد جرت مفاوضات سُميت إعلاميا "ندوة عمل" شارك فيها وفدان, أحدهما فلسطيني برئاسة جبريل الرجوب مستشار الرئيس عرفات لشئون الأمن القومي, والآخر إسرائيلي برئاسة عومري شارون نجل رئيس الوزراء وعضو الكنيست. ولفت الأنظار حرص جوناثان باول رئيس ديوان رئيس الوزراء البريطاني على الاجتماع بهما قبل بدء المحادثات الرسمية التي حضرها أيضا شخصيات بريطانية وأجنبية عديدة.

 

وبالتوازي مع هذه "الندوة" عقدت في مدريد "ندوة" أخرى بعنوان "بحثا عن حل دولي لفلسطين" نظمته مؤسسة "العلاقات الدولية والحوار الخارجي" شارك فيها محمد دحلان, وزير شئون الأمن الفلسطيني السابق, وحسن عبد الرحمن سفير فلسطين في واشنطن, وشلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق وغيرهم من الشخصيات الإسرائيلية والفلسطينية, وخبراء دوليين متخصصين في عمليات حفظ السلام. وتركز البحث في هذه "الندوة" على إمكانية وآفاق إرسال مراقبين دوليين أو حتى قوات حفظ سلام إلى فلسطين في حالة بدء تنفيذ "خريطة الطريق" التي أقرتها اللجنة الرباعية.

 

فإذا أضفنا إلى هذا الزخم من النشاط المكثف ما يجري في القاهرة من استعدادات لعقد "مائدة مستديرة" لحوار بين الفصائل الفلسطينية يبحث في إمكان عقد "هدنة" جديدة, وما يجري في رام الله والقدس من استعدادات لعقد لقاء مرتقب بين رئيسي الوزراء الفلسطيني والإسرائيلي, وحرص قريع على زيارة الأردن ليبلغ العاهل الأردني رسالة إلى الرئيس بوش قبل زيارته لواشنطن, لاتضح لنا أن شيئا ما يجري طبخه وراء الكواليس. فما هو يا ترى هذا الشيء؟

 

البعد الوحيد الواضح عما يجري هو أن لدى كل من الأطراف المعنية بعملية التسوية في الشرق الوسط أسباباً قوية تدفعه الى التحرك أو للمبادرة والفعل, لكن ليس من الضروري أن تكون الدوافع والأسباب واحدة. فهناك إحساس لدى كل من هذه الأطراف أن الوقوف موقف المتفرج لم يعد مقبولا ولا ممكنا في الظروف الراهنة, وأنه بات لزاماً عليه أن يتحرك وأن يفعل شيئاً. وبصرف النظر عما إذا كان هذا الإحساس جاء إيحاء, أو اضطراراً, أو بدافع من قناعة ذاتية, فالمهم أن الكل أصبح في حالة حركة, لكن ليس بالضرورة في الاتجاه نفسه أو سعياً وراء الهدف نفسه.

 

وعلى عكس ما يتوقع البعض لا يوجد, في تقديري, ما يدل على أن هذه الحركة الصاخبة والمثيرة للجلبة هي حركة منسقة أو متناغمة, وإنما هي أقرب ما تكون للارتجال والعشوائية. ولكن لأن الكل يتحرك فالجميع مضطرون إلى تغيير أماكنهم, وربما يكتشف بعضهم في الطريق أنهم اقتربوا من, أو ابتعدوا عن, آخرين بأكثر مما كان متوقعاً أو مقدراً. ومعنى ذلك أن الحركة, حتى وإن كانت مرتجلة أو عشوائية, لا بد وأن تسفر بالضرورة عن مشهد جديد يعيد توزيع المواقع والمواقف في مسرحية يبدو أن كاتبها لم يعثر بعد على حبكتها الدرامية الأخيرة فقرر أن يمط في فصولها انتظاراً لوحي أو إلهام يفك عقدتها!

 

لكن لماذا تبدو كل الأطراف راغبة أو مضطرة للحركة في هذا الوقت بالذات؟ لأسباب مختلفة:

 

- فالإدارة الأميركية أدركت أخيرا أنها بدأت تغوص في الوحل العراقي, وأن عليها أن تبحث عن بدائل لتحسين صورتها لدى ناخب أميركي يستعد للادلاء بصوته في انتخابات رئاسية. وربما يكون التصعيد ضد جيران العراق أحد هذه البدائل, لكن أوان هذا التصعيد لم يحن بعد, وإلى ان يحين, فلا مناص من التهدئة مرحليا على كل الجبهات, ومنها جبهة الصراع العربي- الإسرائيلي.

 

- والحكومة الإسرائيلية بدأت تدرك يقينا أن الحسم العسكري مع الفلسطينيين غير ممكن إلا بعد الإجهاز على مثلث المقاومة - سورية - إيران, وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بحرب إقليمية لا تتوافر شروط اندلاعها وكسبها في الوقت الراهن. وفي سياق كهذا لا يبقى أمامها سوى التظاهر بالتهدئة وطرح مقترحات لاستهلاك الوقت, خصوصا بعد أن بدأ اليسار الإسرائيلي يبحث لنفسه عن طريق مختلف.

 

- والسلطة الفلسطينية بدأت, وبعد عناء شديد, تخرج من حالة الجمود التي كبلتها وليس أمام حكومتها الجديدة سوى أن تحاول, ومعها مصر والأردن, استغلال ظرف دولي وإقليمي تراه أقل سوءاً, مما ساد سابقاً ومما سيكون لاحقا بعد انتخابات الرئاسة الأميركية. وأمامها أشهر قليلة لتحدث اختراقا ما وإلا فمصير عملية التسوية هو الانهيار الكامل والنهائي. ولأن هذه الأطراف الثلاثة وراء "مبادرة جنيف" التي ألقت بحجر بدأ يحرك مياه الداخل الإسرائيلي الراكدة فهي تأمل أن يؤدي تفاعل الواقع المحلي الإسرائيلي, إيجابياً, مع هذه المبادرة, في ظل ظرف دولي وإقليمي ملائم, إلى خلق زخم جديد قادر على منح عملية السلام فرصة أخيرة.

 

- وقوى المعارضة, على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية على السواء, بدأت تدرك أنها معرضة للتهميش الدائم, خصوصا بعد صدور "تفاهم جنيف" الذي رفضته. وفي سياق كهذا لم يعد أمام حزب العمل الإسرائيلي سوى أن يتحرك بطرح مبادرة تثبت, من ناحية, أنه لم يعد رهينة في جيب شارون, وتميزه, من ناحية أخرى, عن "تفاهم جنيف" الذي لا يتحمس له. كما بات على فصائل المعارضة الفلسطينية أن تتجاوب مع الضغوط التي تطالبها لهدنة جديدة, حتى لا تبدو مسؤولة عن إفشال "الفرصة الأخيرة", ولكن من دون أن تضطر في الوقت نفسه لقبول "تفاهم جنيف".

 

ويتضح مما سبق أن أيا من الأطراف الرئيسية المعنية لم يغير من جوهر موقفه الاستراتيجي وإن كان البعض يجد نفسه مضطرا لتغيير موقفه التكتيكي ليتناسب مع ظروف المرحلة الحالية. وفي اعتقادي أن الطرف الوحيد المرشح للاستفادة من هذا الزخم الكثيف للحركة والمناورة هو شارون نفسه. فاستمرار صمود الشعب الفلسطيني, وعجز الحكومة الاسرائيلية عن وقف الانتفاضة الفلسطينية بالوسائل العسكرية, وبداية تحرك اليسار الإسرائيلي, سواء بالتفاعل الإيجابي مع مبادرة جنيف أو بطرح مبادرات جديدة تبتعد كثيراً عن مواقف الحكومة, يجبر شارون على زحزحة مواقفه. ولأنه يستحيل أن يطرح شارون في ظل الائتلاف الحكومي الذي يقوده حالياً حلاً نهائياً يمكن أن يكون مقبولاً من أي طرف فلسطيني, بما في ذلك أكثر هذه الأطراف اعتدالاً, فسوف يضطر لتقديم تنازلات تكتيكية تكفي لإطلاق مفاوضات يريد لها أن تطول إلى ما لا نهاية.

 

والواقع أن الفحص المدقق لما يجري على الأرض يؤكد هذه المخاوف وأكثر. فبينما يؤكد شارون, لفظاً, أنه سيقدم تنازلات مؤلمة تؤكد حسن نيته وجديته في التوصل إلى حل, يقوم, فعلاً, بتسريع بناء الجدار العازل وصدق مع موفاز هذه الأيام على بناء مجموعة من المستوطنات الجديدة, متحديا إعلان الامين العام للأمم المتحدة في أحدث تقرير له أن هذا الجدار يشكل خرقاً للقانون الدولي ويهدد عملية السلام. فكيف يمكن التعامل مع هذا الوضع؟

 

لن يكسب السيد أحمد قريع شيئاً, في تقديري, إذا قبل التفاوض مع شارون قبل أن يعلن هذا الأخير, صراحة, التزامه التام بأمرين على الأقل: الأول: وقف بناء جدار الفصل العنصري, والثاني: وقف بناء المستوطنات وقفاً تاماً, بما في ذلك ما يسميه بعمليات "النمو الطبيعي". فلا معنى إطلاقا أن يبني طرف جدارا عازلا أو مستوطنات داخل أراضٍ ليست له, إذا كان ينوي حقا أن ينسحب منها. ويشكل استمرار شارون في بناء الجدار والمستوطنات أكبر دليل على أنه ينوي تحويل الجدار إلى حدود فاصلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين كما ينوي ضم الأرض التي ستبنى عليها المستوطنات إلى الدولة الإسرائيلية. ولا ينبغي على السيد قريع أن يلتفت إلى تلك الأصوات التي تستعجل الدخول في مفاوضات بأي ثمن "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه" من الأرض الفلسطينية التي تتحول يوميا مستوطنات إسرائيلية. فحقيقة الأمر أن المفاوضات لم توقف إسرائيل يوما عن بناء المستوطنات بل توفر الغطاء لبناء المزيد منها.

 

وفي تقديري أنه يتعين على السلطة الفلسطينية أن تركز جهودها في تلك المرحلة الدقيقة والحساسة على الداخل الفلسطيني بهدف بناء استراتيجية موحدة لإدارة الصراع مع إسرائيل, وتوزيع الأدوار الفلسطينية بما يسمح بفتح أكبر عدد ممكن من القنوات والجسور مع كل الفصائل الإسرائيلية الراغبة في إسقاط شارون. أما على صعيد العمل الديبلوماسي الخارجي فيتعين تركيز الجهد على محورين أساسيين:

 

الأول: العمل على تحويل خريطة الطريق من مشروع ترعاه اللجنة الرباعية إلى خطة مفصلة يشرف مجلس الأمن على تطبيقها وفق الفصل السابع من الميثاق وبإشراف قوات مسلحة تابعة له.

 

الثاني: التحضير للمؤتمر الدولي المنصوص عليه في "خريطة الطريق" لوضع آليات جديدة وجدول زمني لتسوية شاملة لكل جوانب الصراع العربي الإسرائيلي لأن الطريق الى دولة فلسطينية مستقلة حقيقة لا بد أن يكون جزءاً من تصور عام لحل الصراع العربي - الإسرائيلي بكل أبعاده وجوانبه, بما في ذلك قضايا المياه واللاجئين وأسلحة الدمار الشامل.

 

إن العودة إلى منهج الخطوة خطوة, هو عودة إلى منهج التفاوض من أجل التفاوض, والذي هو أقصر الطرق لضياع الأرض والحقوق. المطلوب هو التوقيع على اتفاق بحل شامل يتولى المجتمع الدولي مسؤولية تنفيذه وليس على اتفاق لبدء مفاوضات نعرف مسبقاً أن إسرائيل لا تريد أن تنهيها أبداً.

 

نقلا عن   الحياة