الصورة... والاطار!
بقلم : حسين الرواشدة
ساعتان ونصف في مطار بغداد... لالتقاط صورة،
ليس اكثر من صورة.
ولم يكن اي شيء على ما يرام، فالرئيس المرعوب
كان يتسلل خلسة الى طائرته.. ويتوسل الى الصحفيين ان يلتزموا اوامر الكتمان.. فليس
اسوأ من ان تصل اخبار الزيارة الى »فلول« الرئيس المخلوع.. او -ان شئت الصراحة-
الى المقاومة، فيسقط »رمز« الانتصار على مرأى من جنوده.. او تسبقه قذيفة محسوبة
بدقة الى مقر اقامته المرصود بالصواريخ والطائرات.
كل ما اتمناه -يهمس بوش في اذن مستشاريه- ان
تكون الصورة ملتقطة باتقان، ان تبدو فيها -مثلا- شارة النصر من عشرة او اكثر من
الجنود الذين اكتشفوا الخدعة وانحدرت معنوياتهم الى الحضيض، او ان تتصدر اللقطة
صفحات الصحف المتعطشة لاخبار الانتصار، وفوقها عنوان يؤرخ للامبراطور المحارب الذي
يشارك قواته عيد »شكرهم«، او ان تشغل المتربصين بتعداد النعوش ونبش ارشيف
الستينيات بقصة جديدة.. تعيد تصدير الزعيم الشجاع وهو يبتسم امام تصفيق »المارينز«
المؤلل بالديمقراطية.
اريد ان ترفع الصورة معنوياتي الانتخابية، لا
يهم -الآن- معنويات الجنود الذين يتسلل الرعب الى قلوبهم بعد كل خبر عن مقتل زميل
لهم.. ولا يهم -ايضا- ان يكون في اللقطة احد من العراقيين، العراقيين الذين جئنا
لتحريرهم من القمع والقتل وتدمير البيوت والاعتقال.. الوقت غير مناسب الآن لمثل
هذه العواطف التي يمكن استخدامها في مرة قادمة اكثر امانا.. مرة تسمح للمنتصر
-مثلي- ان يتجول في شوارع بغداد... ويرفع من فوق سيارته المكشوفة شارة النصر،
ويحتشد العراقيون المحررون على الارصفة للتلويح بالشكر والامتنان.
قلت: النصر لم يكتمل بعد، لكنه سيتحقق بعد
سنة من الآن، وحينها سنحتفل به في البيت الابيض، انا وجنودي وصناديق الانتخابات
التي سنتمكن من اخفاء الجثت العائدة فيها من الفلوجة والرمادي وبغداد.. وهنا سيكون
الرهان.. كل جثة تشهر ستسحب من رصيدي عشرة اصوات.. او ربما اكثر، وهي -ويا للاسف-
ستسحب من دم الامبراطورية التي تحتفلون بشكرها عقدا من الهيمنة والقوة والانتشار.
ارجوكم، هذه اللقطة ستحدد مستقبل بلدكم،
امريكا التي تريد ان تحكم - وحدها- هذا العالم، وتترفه بخيراته، وتسيطر على بره
ومائه ودماء شعوبه المليئة بالحقد والحسد والضغينة على كل ما تشكرون »الرب«
عليه...
لتتصورا - لحظة- ان صورتي وانا اقاسمكم نهش
لحم هذا الديك الرومي.. اسف العربي، هي صورة ذلك الرجل الذي حملته الينا فرنسا ذات
يوم، بيده التي ترفع شعلة الحرية.. هذه الشعلة التي جئنا الى هنا لنرفعها بين هذه
الشعوب التي تريد ان تتحرر من كل شيء ... الا من احتلالنا اللذيذ.. فهل بوسعكم ان
تشاركوا وطنكم العزيز في تمرير هذه الخدعة التي لم تنطل بعد على هؤلاء
المستعبدين... وهل بمقدوركم ان تنفذوا امريكا من السقوط بيد »ارهابيين« لا يتقنون
سوى لغة الموت التي ستحرم العالم من بركات الحرية التي جئتم من اجلها.. وجئت
-ايضا- للاحتفال بانتصارها معكم في هذا اليوم العزيز.
هذه الصورة هي ما استطعت ان اقدمه لكم في هذا
العيد.. لكنني اعدكم ان تكون الهدية القادمة مزيدا من الصلوات بأن نتمكن من قتل
»صدام« او تجنيد مزيد من العملاء او اجراءات اكثر صرامة لحمايتكم من القناصين
والانتحاريين والعبوات المزروعة على الطرق والحمير التي تجر الصواريخ.. ثقوا انني
سأنجز ذلك.