الجدار العازل... وانتكاسة السلام!

 

  

 

 

بقلم: د. مصطفى محمد الفار

 

التقرير الذي رفعه الامين العام للامم المتحدة »كوفي انان« الى الجمعية العامة للامم المتحدة والذي يؤكد فيه ان اسرائيل لم تلتزم بقرار الجمعية العامة الذي يطلب اليها التوقف عن بناء الجدار العازل، وازالة الجزء الذي قامت ببنائه، جاء متوافقا مع التحدي الاسرائيلي على لسان سيلفان شالوم وزير الخارجية الاسرائيلي لما طالب به الرئىس الامريكي جورج بوش بوجوب التوقف عن بناء المستوطنات، وتفكيك المواقع الاستيطانية غير القانونية، والكف عن عمليات اذلال الشعب الفلسطيني اليومية، وعدم عرقلة مفاوضات التسوية عبر بناء الجدار العازل، ويجيء ايضا في الوقت الذي وافق فيه مجلس الامن الدولي بالاجماع على مشروع القرار الروسي لتبني خريطة الطريق المجمدة، وتفكيك الجدار العازل، واقامة دولة فلسطينية جنبا الى جنب مع اسرائيل بحلول عام 2005م.

ان اسرائيل بهذا التحدي، لا تريد تنفيذ خريطة الطريق، بل هي في واقع الامر لا تعرف طريق السلام، ولا تفهم سوى لغة الحرب، وحكومتها التي يرأسها ارييل شارون، ليس لديها اية رؤية او خطة لتحقيق السلام، سواء للشعب الاسرائيلي او لشعوب المنطقة، فمنذ اعلان الرئيس جورج بوش »خريطة الطريق« في 24 حزيران عام 2002 التي تبنت صياغتها اللجنة الرباعية التي تضم: الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة، ورئيس الحكومة الاسرائيلية شارون يراوغ ويتهرب من تنفيذ بنودها بايجاد العقبات امامها، ومواصلة سلسلة القتل والتدمير والابادة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك رفضه العرض الفلسطيني بعقد هدنة جديدة، لانه عازم على اعادة السيطرة على جميع مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، فهو يرى ان هذه الخريطة تحد حقيقي لرؤية اليمين الاسرائيلي المتشدد الذي لا يريد بأي شكل اقامة دولة فلسطينية. واستمر شارون في بناء الجدار العنصري العازل، غير آبه بالانتقادات الدولية، والمعارضة العالمية لبناء هذا الجدار قد اوصل خريطة الطريق الى الطريق المسدود بسبب هذه السياسة العدوانية.

ان الجدار العازل الذي بدأ شارون العمل به في نيسان ،2002 كان ضربة لكل آمال السلام، لانه يستند الى آلة البطش والعدوان، ويستند الى موازنات اقليمية ابرز ما فيها هو وصول الولايات المتحدة بنفسها الى المنطقة واعتمادها على آلية الاحتلال المباشر للدول، وفرض سلسلة معادلات معظمها لصالح اسرائيل، اذ على الرغم من مطالبة الرئيس الامريكي بوقف العمل بالجدار العازل، وعدم عرقلة اسرائيل لمفاوضات التسوية، فإنه قد طالب الدول العربية باقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل والتوقف عما سماه بالارهاب، وفي هذا تغطية لسياسة شارون وانحياز كامل لمصلحة اسرائيل وهو ما اغرى شارون بأن يطرح نفسه كأنموذج للرياء السياسي المحكوم بغطرسة القوة.

ان شارون لا يريد تنفيذ خريطة الطريق، وبالتالي، فإن ما يدعيه من ان لديه خطة سليمة سياسية، ليس اكثر من مناورة سياسية مفضوحة، وان كانت تتضمن اقرارا بعجز اسرائيلي يظل السلام الحقيقي بعيدا عنه.

ان اسرائيل برفضها وقف بناء الجدار على الرغم من تصويت الجمعية العامة للامم المتحدة الذي اقر بمطالبتها بوقف البناء، وهدم الاقسام التي تم انجازها حتى الآن، يؤكد عدم التزامها بالقوانين الدولية اذ اعلنت اسرائيل بكل صلف رفضها القرار مؤكدة استمرارها في البناء، في الوقت الذي واصلت فيه عدوانها الوحشي على الشعب الفلسطيني، فإذا كانت الادارة الامريكية جادة فعلا في تنفيذ خريطة الطريق باعتبارها تؤكد المبادئ والاسس المتمثلة في مبدأ الارض مقابل السلام الذي اقره مؤتمر مدريد عام 1991 وقرار مجلس الامن: ،242 ،338 1297 والاتفاقات السابقة المبرمة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، هذا فضلا عن مبادرة ولي العهد السعودي التي قبلتها القمة العربية في بيروت عام ،2002 فإن هذه المبادرة الامريكية لن توضع موضع التنفيذ ما لم تضغط الادارة الامريكية بكل حسم على اسرائيل لتنفيذ هذه الرؤية المتمثلة في خريطة الطريق..