في يوم التضامن

 

 

 

 

بقلم :حسام عيتاني 

 

المتظاهرون الذين أحرقوا الاطارات والاعلام الاسرائيلية في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة احتجاجا على إطلاق مبادرة جنيف، أعلنوا انهم يريدون تحرير فلسطين برمتها من البحر الى النهر ودفعة واحدة.

الموقعون الفلسطينيون الذين تمتعوا بضيافة الفندق السويسري الفخم وأظهروا بياض أسنانهم الناصعة ضاحكين تحت أنوار الكاميرات، قالوا انهم على استعداد لقبول دولة فلسطينية بلا سيادة وبلا حدود دولية وبلا <<حق عودة>> اذا تفضلت اسرائيل وأنهت احتلالها.

الشهداء الفلسطينيون الاربعة الذين سقطوا امس لم يقولوا شيئا. ذهبوا الى مهمتهم الاخيرة وتركوا للآخرين إعلان نبأ رحيلهم. طووا أجسادهم في الارض وتحولوا الى صور على جدران بيوت المخيمات المهددة بالانهيار بفعل عوامل الفقر الطبيعية أو بالتجريف بأسنان جرافات الاحتلال.

يعتقد المشاركون في حلقات الزار المقاوم ان رفع ضجيج مكبرات الصوت وتلويث الهواء بدخان الاطارات المشتعلة خطوتان لا بد منهما للتقرب الى الاله، واهب التحرير والعودة والحقوق. سيرضى رب البرية بطقوس المقاومة ويستجيب للأدعية المتصاعدة من حناجر الجمع المؤمن بعدالة قضيته، وستشمل نعمته متوسلي المقاومة بالصراخ على جميع القنوات الفضائية: <<لا حوار إلا لتجذير المقاومة المسلحة>>. آلاف الشهداء والجرحى ودمار البنية الاقتصادية والاجتماعية وتعرض الفلسطينيين للاذلال اليومي على الحواجز، أمور لا تدخل في حساب موجهي المراهقين الانتحاريين الى الحافلات الاسرائيلية.

يرى نزلاء فندق انتركونتيننتال جنيف ان ما من شيء ينقص المدينة السويسرية لتنضم الى شبكة الطرق المؤدية الى القدس. لقد تمت تجارب ناجحة على طرق اوسلو القدس والقاهرة القدس وواشنطن القدس وجونيه القدس. فلماذا لا تقام محطة جديدة في جنيف؟ ربما قربت المحطات السابقة الشعب الفلسطيني من استعادة نتف من حقوقه أو ربما وضعت عقبات جديدة أمام استعادته للحقوق. لا فرق في العمق بالنسبة الى محترفي التفاوض. المهم ان يستمر العرض وان تبقى بطاقات <<الفي.آي.بي>> (الشخصيات المهمة جدا) صالحة للاستخدام عند نقاط العبور الاسرائيلية. فالتفاوض من أجل التفاوض، صناعة قائمة بذاتها. ألم تسمعوا بالفن للفن؟ اللاجئون ومعاناتهم والتمييز الذي يتعرضون له على أيدي حكومات الدول <<المضيفة>>، هي في رأيهم تفاصيل يمكن تجاوزها أو سلع يجوز التنازل عنها في بازار التفاوض، تماما مثل خمسة أو عشرة في المئة مما تبقى من أرض فلسطين في الضفة أو غزة.

فقر مجبول بالموت والعدمية، وانتفاخ متضمخ بالانتهازية والتفاهة هما وجها النضال لتحرير فلسطين كلها أو أجزاء منها لا فرق طالما ان الشهداء يسقطون كل يوم من دون ان تقترب أحلامهم من التحقق. أهو عنف من أجل العنف يواجه التفاوض من أجل التفاوض؟

لا معنى للوم اسرائيل بيسارها ويمينيها ومجلس مستوطنيها. اسرائيل صادقة على الاقل مع نفسها وتعي مدى ازدرائها للآخرين. ولا فائدة ترتجى من التنديد بالاحتلال وممارساته. فخريطة الطريق الفلسطينية هي الابلغ في شرح أسباب الهزيمة: ضحالة الطبقة السياسية تغذي التيارات الاكثر عدمية وهذه توفر العمل لحفاري القبور على جانبي الحدود. ترجمة هذه الصيغة الى أرض الواقع تكون: مبادرة سلام سخيفة تقابل بعملية انتحارية في حافلة تتبعها مجزرة في مخيم. الكل يفتقد الى أدوات السلام، الكل متخم بأدوات القتل. أين قرأنا هذا السيناريو من قبل؟

تحية الى الشعب الفلسطيني في يوم التضامن معه.