التهافت الأخلاقي

 

 

بقلم:د. خالد عبدالله

 

ما جرى في جنيف لا يعدو أن يكون سطواً على حقوق الشعب الفلسطيني، واغتصاباً لإرادته، وتزييفاً لواقع حاله. لقد أتيح لنفر قليل من الفلسطينيين أن يسرقوا الأضواء بعيدا عن معاناة الملايين الفلسطينية اليومية الحقيقية، إلى وهم الصالات الاصطناعية. فجرّعوها مُرّ الإهانة وعدوها يثخنها جراحاً، وهزئوا من حقوقها بالإسقاط وسفاحها يبني أحلامه بالإثبات. وما استطاع احدهم أن يسطع وجهه لمعاناً تحت الأضواء إلا بقدر ما تعرق براءة من ثوابت أهله أمام الأشهاد. وما تمكن منهم أحد أن يخرج من سجن بيته إلا بعد أن خلع ثوابت أمته عند أول حاجز تفتيش. لقد استبدلوا ضيق الغرف التي درست بقصف الصواريخ، بقاعات الاحتفالات التي زينت بنيران صكوك الأرض المحروقة بسيجارهم الفخم الطويل.

وقد كانت هدايا الأمريكان على قدر الارتداد. فها هو باول الذي ينهي كثير من سفراء العالم مددهم في واشنطن دون أن يروه، ينتظرهم على أبواب الصالات ليزكي أعمالهم، وليخبرهم أن كبيرهم قد تقبل الطاعات منهم. وإبراهيم، الشعب الفلسطيني، يتقلب في لظى الغارات تبرد حمم الصواريخ إرادته وإيمانه.

كيف يتجاسر البعض منا أن يتكلم نيابة عن ملايين استحكمت في خيامها سنيناً طوال، وتحايلت على بؤسها وتشردها عقوداً كثيرة انتظاراً لنوال حقوقها، ليقول إنها تقبض على أوهام، وإنها تنظر إلى سراب. لم تجلس تلك الملايين عطلاء فقد كدحت لتنجب من يواصل الانتظار، وقد جهدت لتبني الأجيال، وقد بذلت فلذات الأكباد لتبقي زخم المسير إلى الهضاب والقرى على مرأى أبصارها قوياً كالإعصار. فإذا بها في قمة عطائها وفي ألق نضالها يخاطبها من قد أعمتهم طرق الغواية أنهم أدرى منها بآمالها، وأنهم أعلم منها بطاقاتها. بؤساً لهم لقد امتطوا ظهر نضالها حينما كان مدخلاً إلى الأضواء، وهم يريدون أن يئدوه مخرجاً إلى الأنوار. كانوا يلبسون ثياب السفسطة في الحالين، وكانوا يتفيقهون عليها في الأمرين. دارتهم في الأول، وستلقي بهم إلى حيث ينبغي أن يكونوا في الثاني. ولقد بلغت الجرأة بأحدهم على الباطل أن يقول “إن أحلامنا الوطنية ينبغي ألا تتحول بالضرورة إلى كوابيس للآخر”. لقد أصبحت العودة إلى دورٍ تحمل مفاتيحها أحلاماً، وباتت العودة إلى أفياء بساتينها كوابيس للآخر الذي جاء إليها من الأصقاع الباردة. لقد أصبح الحق حلماً، وأضحى الحلم واقعا. فما هو الفيصل؟ السيف، فكيف تأمنون يا هؤلاء المتنطعين أن السيف لن يواصل مسيره في تحويل الأحلام الأخرى إلى وقائع. وهل تأمنون أن تكون دولتكم جسراً لهم إلى ضفة الفرات حينما يكون السيف لا الحق حكماً؟