قتيل الجيزة
بقلم :محمود
سلطان
في يوم واحد نشرت
جريدة الحياة الدولية التي تصدر في لندن ثلاث أخبار وثيقة الصلة ببعضها الأول تضمن
نصوصا من خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش
عن الديمقراطية في الشرق الأوسط ، و الثاني كان عن قرار منظمة حقوق الإنسان الشهيرة
" هيومان رايتس ووتش" تكريم ناشطة مصرية مناهضة للتعذيب . و الثالث كان بشأن تقرير صادر من نفس المنظمة ،
يتعلق بحقوق الإنسان في مصر . الجريدة
أوردت الأخبار الثلاثة على صدر صفحتها الأولى ، و بترتيب عالي الحرفية و المهنية و
أنا كصحفي محترف أعرف مغزى و دلالة ترتيب الأخبار على الصفحات جيدا. إذ كانت سمعة النظام السياسي المصري ، سيما في
مجال حقوق الإنسان ، هي القوام الأساسي للأخبار المشار إليها فيما تقدم و على
طريقة "إللي ما يشتري يتفرج" .
الرئيس بوش في خطابه
أثنى على "ديمقراطية" دول في أفريقيا ، لا نكاد نعرف مكانها على الخريطة
!! . و ذكر "دويلات" عربية أقل قامة بكثير من مصر ، مدبجا قصائد
المديح لديمقراطيتها ، و لم يرد لمصر ذكر
في خطابه ، و عندما تذكرها قال : "أتمنى أن تقود مصر المنطقة إلى الديمقراطية
كما قادتها إلى السلام " و كأن لسان
حاله يقول "إن اللبيب بالإشارة يفهم".
صحيح أن الخبر الثاني تعلق بقرار منظمة "هيومان رايتس ووتش" تقديم ما
أسمته بـ"أرفع تقدير لديها" ، للدكتورة
عايدة سيف الدولة ، و هي طبيبة
نفسانية عملت بحسب البيان الصحفي الصادر عن المنظمة بشجاعة على كسر طوق الصمت الذي
يحيط بممارسات التعذيب في مصر . غير أن المنظمة استغلت المناسبة لتوبيخ الحكومة
المصرية ، و اتهامها صراحة بأنها ترتكب جرائم قتل في حق مواطنين داخل مقار مباحث
امن الدولة و غيرها . و ذكرت المنظمة إحصائية مفادها أنه منذ مارس عام 2002 ، أدى
التعذيب الذي تمارسه الشرطة و قوات الأمن المصرية ، إلى مقتل ما لا يقل عن 13 شخصا
. أوضحت أيضا أن آلاف الرجال و النساء و الأطفال يعانون من آثار الندوب الجسدية و
النفسية الناتجة عن تعرضهم للصدمات الكهربائية
، والضرب و التعليق من السقف و العنف الجنسي . أما عناصر الشرطة الدين يرتكبون هذه الممارسات ، و المشرفون عليهم
الذين يتغاضون عن هذه الأعمال فهم لا يواجهون أي عقاب " . في غضون ذلك أصدرت
المنظمة بيانا في 7/11 2003 أكدت فيه أنها طلبت مقابلة وزير الداخلية و النائب
العام و لم تتلق ردا مشيرة إلى ان السفير المصري في واشنطن "نبيل فهمي" أكد
للمنظمة أن اتهاماتها غير سليمة . الطريف انه في الوقت الذي كان ينفي فيه المسئول
المصري هذه الاتهامات ، كانت وكالات الأنباء المختلفة تتناقل نبأ وفاة محمد مسعد
قطب (محاسب بنقابة المهندسين) بعد أربعة أيام من اعتقاله و إيداعه مقر مباحث امن
الدولة بالجيزة ، حيث أمرت النيابة العامة
بتسليم جثتة إلى أهله و تم دفنه تحت حراسة مشددة الخميس 6-11-2003 . و تقدمت أكثر
من جهة ببلاغ للنائب العام للتحقيق في الحادث . و لقد سمعت و طالعت بعض التعليقات
على ما جرى و اتفقت جميعها على أن مصر و سمعتها و مستقبلها أكبر بكثير من هؤلاء "الصغار" الذين
يريدونها بلدا صغيرا متخلفا سياسيا و ديمقراطيا يعيش في ظلمات الاستبداد و
الديكتاتورية ، و هي ذريعة باتت تكفي الآن لوضع أي بلد في العالم تحت الوصاية
الدولية .