بقلم :د. محمد صالح المسفر
قلنا أكثر من مرة وعلي رؤوس الأشهاد بأن
إضعاف العراق أو هزيمته والمس بكرامة شعبه سيجعل جزيرة العرب مسرحاً للعبث
والعابثين وسيحيل الأمن إلي خوف والاستقرار إلي اضطراب والنعم إلي نقم والصحة إلي
مرض وسيكون دين الإسلام وسيلة كل يسعي لاستخدامه لتحقيق مصالحه وسوف تتساقط هيبة
النظم السياسية أمام شعوبها وسوف تستخدم كل وسائل العنف والإكراه لاستعادة الهيبة.
وستكون جزيرة العرب مسرحاً لقوي خارجية تمعن في تجذير الصراع بين المواطن والسلطان
فيضعف الاثنان وتنقض تلك القوي علي البلاد والعباد.
في العراق سقط النظام واستولت قوي الشر
الباغية علي العراق بكل خيراته وأشاعت قوي العدوان في عراق العرب كل أصناف الفساد
والرذيلة إمعاناً في تحطيم كبرياء شعب الرافدين العظيم بكل الوسائل المحرمة دولياً
من قتل واغتصاب المؤمنات وإذلال الشباب وتحقير الشيوخ وإهانتهم أمام أسرهم ونهب مدخراتهم
وترويع أطفالهم وإغراق المجتمع بالمخدرات وأفلام الرذيلة وغير ذلك من المحرمات.
أما جزيرة العرب فحدث ولا حرج، في جمهورية
اليمن صراع خفي تارة وعلني تارة أخري بين الدولة والقبيلة، فلتان أمني أدي إلي قتل
في دور العبادة الأبرياء وقتل في قاعة المحكمة ومطاردة بين النظام وما يطلق عليهم
تنظيم القاعدة، المواطن اليمني مطارد من الداخل إلي ألمانيا وأمريكا مرور بالمملكة
العربية السعودية. إذ تحول الأمن إلي خوف والاستقرار إلي اضطراب وزاد تدخل قوي
الشر الخارجي بتحريض النظام لمزيد من القمع والمطاردة وتدخلت في أحيان كثيرة تلك
القوي لتنفيذ القمع بواسطة أعوانها وطائراتها.
في المملكة العربية السعودية ليس الحال بأحسن
من حال اليمن عبث متبادل إرهاب متبادل أبرياء قضوا بلا سبب ما ذنب الذين قضوا في
مجمع المحيا في الرياض وغيره من المجمعات السكنية من هو صاحب المصلحة في هذا. لا
جدال عندي بأن صاحب المصلحة في هذا هو الصهيونية ودولة الاستكبار العالمي الولايات
المتحدة الأمريكية والخاسر في هذه العمليات العبثية هو الوطن والنظام السياسي
والمواطن.
في حرب عام 1991 ـ عاصفة الصحراء أدخلت علي
مجتمعنا العربي الإسلامي ثقافة الفتاوي الدينية فقهاء السلطة والسلطان أفتوا لصالح
الحكومات الداعية لقوات أجنبية غير عربية لدحر العراق من الكويت، فتصدي لهؤلاء
الفقهاء فقهاء آخرون أفتوا بتحريم التعاون مع غير المسلمين، واختلطت الأوراق وفقد
البعض ثقته في فقهاء الإسلام بكل مذاهبهم.
في هذا الخضم خرجت إلي الوجود مدرسة دينية
متزمتة نمت وترعرعت في بيئة عربية ملوثة بالفساد الإداري وفساد الذمم وهدر المال
بغير وجه حق وتبعية مطلقة لقوي الشر الباغية القادمة عبر البحار إلي عالمنا
العربي. بيئة تجتاحها البطالة والفقر وتكاثر سكاني وندرة في الموارد وضرائب/ رسوم
متصاعدة علي المواطن. بيئة ساد فيها فقه اللامساواة بين الناس وتجذرت المحسوبية في
المجتمعات الجزيرية.
في هذا البحر اللجي من العبث المنظم استيقظ
المواطن فوجد خيرات بلاده تذهب لسداد فواتير حروب أعداء الأمة وأن جيوش وأساطيل
قوي الشر تحيط به من كل جانب ـ بحر بر جو ـ وأن سيادة الأوطان سلبت وثرواتها نهبت
وكرامتها دنست وديانتها استهدفت وثقافتها اخترقت ونشط سماسرة الأمركة في كل دواوين
السلطان وتكاثروا تكاثر القطط في كل مجال ـ الإعلام التعليم الاقتصاد، فإلي أين
يتجه المواطن لحماية نفسه كما يعتقد وحماية دينه ووطنه ؟
لجأ إلي المدرسة الدينية المتزمتة فوجد فيها
ضالته وراح يعتنق فقه التكفير بدون تمييز وراح يلقي بنفسه ومجتمعه إلي التهلكة تحت
شعار محاربة الآخر طلباً لحياة أفضل أو موت مشرف حسب اعتقاده.
هكذا ضاع الأمن ودب الخوف إلي الأفئدة وامتنع
الاستقرار وتحولت النعم إلي نقم وفي هذا الإطار أفهم أن يخرج أحد دعاة فقه التزمت
والعنف علي الرأي العام ليقول أنه أخطأ في كل فتواه السابقة الداعية إلي العنف
(الإرهاب) ونرحب بذلك التراجع لكن لم أفهم موقفه من تحريم مقاومة العربي لقوات
الاحتلال في العراق في الوقت الذي يجمع أهل الرأي في الغرب بأن القوات الغازية
للعراق هي قوات إرهابية وأن بوش الابن وتوني بلير مجرما حرب. يقيني أن من أفتي
بتحريم مقاومة قوات الاحتلال في العراق وفلسطين وأي بلد عربي أو إسلامي إنما هو من
فقهاء العبثية الواجب علينا رفضها.
أما خليجنا العربي فكويت العرب لم يعد لنا
وليس مسموحاً له بالانتماء إلينا بموجب قرار أمريكي وموافقة خريجي مدرسة الأمركة
الدولية أما بقية أرض الخليج فتحت رمالها أجيج نار حامية.