السيد محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية
للطاقة النووية لم يتعلم شيئاً من تجربته مع امريكا في قضية اسلحة الدمار الشامل
العراقية، والتي كانت الذريعة الاولى لشن العدوان على العراق واحتلاله. فلم يسمع
احد من البرادعي كما سمع من هانس بليكس رئيس لجنة المفتشين عن اسلحة الدمار
العراقية نقداً ذاتياً صارماً بعد ان تبين خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل، وما
جرته الحرب عليه من كوارث، وانفضاح الوثائق المزورة والتلاعب بالمعلومات.
صحيح ان البرادعي قال في تقريره الاخير انه
لم يعثر على اسلحة دمار شامل ولكنه ابقى الباب مفتوحاً للشكوك وكان ذلك كافياً
بالنسبة الى الادارة الامريكية والحكومة البريطانية لتأويلها في مصلحة العدوان على
العراق.
المشكل انه تحول الآن الى جسر مرة اخرى لتعبر
منه الادارة الامريكية للعدوان على ايران، واستصدار القرارات ضدها في ما يتعلق
بابحاثها النووية. ويلحظ ان البرادعي في موضع ايران اكثر تجاوباً مع ما تريده
امريكا مما كان عليه في موضوع العراق كأن العرب والمسلمين لا يكفيهم ما اصابهم
بسبب العدوان على العراق واحتلاله ليضاف الآن التهديد الذي تتعرض له ايران، بالرغم
مما ابدته من حسن نيات، واتخذته من خطوات اربكت حتى الموقف الامريكي. ولكنها زادت
حكومة شارون اصراراً على تكرار ما حدث مع العراق في ايران. وهذه مسألة استراتيجية
من الدرجة الاولى بالنسبة الى الاستراتيجية الاسرائيلية التي تستهدف ابقاء المنطقة
كلها تحت رحمة امتلاكها وحدها للسلاح النووي. علماً انه كان من المفترض بالبرادعي
لو تحمل مسؤولية وظيفته بنزاهة وشجاعة ان يجعل من امتلاك الدولة العبرية للاسلحة
النووية وضربها عرض الحائط بالوكالة الدولية للطاقة النووية قضيته الاولى، لا ان
يركز الضغط على العراق سابقاً وعلى ايران حالياً تحت حجة القيام بوظيفته.
واذا قيل انه محكوم بنفوذ الدول الكبرى في
الوكالة وخصوصاً الولايات المتحدة فبأي حق يستمر بعمل يلحق اشد الاضرار بالعرب
والمسلمين كافة ولاجيال بعد اجيال، في حين كان بمقدوره ان يقدم استقالة مسببة يضع
فيها كل النقاط على الحروف فتكون موقفاً تاريخياً يهز ما يجري من ظلم عالمي هزاً
قوياً. ولو سأل نفسه ما الثمن الذي يتقاضاه مقابل مجاراته للضغوط الامريكية في
قضية العراق، والآن في قضية ايران، والأهم في التواطؤ مع امتلاك «اسرائيل» للاسلحة
النووية لوجده تافهاً وان عد بعشرات الالوف من الدولارات راتباً شهرياً وما يتبع
ذلك مقابل مهمات وغيره.
يبدو ان ثمة حاجة الى القاء الضوء على الخطر
الذي يمثله تكنوقراط المنظمات الدولية الذين وضعوا انفسهم في خدمة سياسات دولية
تصل الى حد الاجرام بحقوق شعوبهم، وحتى حياتها ومستقبل اجيالها القادمة. ومقابل
ماذا؟ منصب تافه وحفنة من الدولارات لا يساويان شيئاً في حساب الدين والضمير
والاخلاق والمبادئ ومصلحة الناس والشعوب.
فيا للعلماء والخبراء والتكنوقراط في
المنظمات الدولية كم هم بحاجة الى جرعة من ضمير حيّ على الاقل او حسب ما يدعون الى
بعض من شفافية وحكم صالح.