تدهور " مستوى الطاقة الحيوية للمسلمين "  المعاصرين

 

 

 

بقلم :د.  يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

ومن اشد الأخطار المحدقة بذاتية الحضارة الإسلامية : تدهور " مستوى الطاقة الحيوية للمسلمين " المعاصرين ، هذا التدهور الذي أصاب فيما أصاب عصب " الإرادة " فيهم ، وشل فيما شل عضلة " الفعل" ، عندهم  ، ورشحهم فيما رشح لمقبرة الزوال ، ومن ثم انقلب بهم الحال من مسلمين إلى مستسلمين ، من مسلمين لله إلى مستسلمين لخلق الله

مرحى مرحى للمستسلمين من مسلمي اليوم :

من هم بالنسبة إلى هذا المأزق الحضاري ؟

نتساءل عن المجموع لا عن الجميع ، المجموع الذي أنذره الله بقوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " والذي أنذره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله كما جاء في جامع الترمذي" بسنده عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» .

وبما جاء  فيما رواه الإمام أحمد بمسنده عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء- يعني من الوحي - ، فتوضأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات فسمعته يقول: «يا أَيّها النّاسُ إنّ الله ـ عَزّ وَجَلّ ـ يقولُ: مُرُوا بالمعروفِ وَانْهُوا عَنِ المُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُوني فلا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْأَلُوني فلا أَعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُوني فلا أَنْصُرُكُمْ».وروى ابن ماجة مثله بسننه بسنده  عن عائشة .

وما رواه أبو داود بسننه بسنده  عن الْعُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فكَرِهَهَا،- وقالَ مَرّةً أنْكَرَهَا-  كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا».

هذا المجموع : هل بنى لحضارة الله بيتا ؟ أو جاهد أو قاوم في حضارة العصر  بيت الشيطان ؟ أو أنكر باليد أو أنكر بالكلمة أو أنكر باللسان ؟

هذا المجموع :  أليس يدو رما بين مروج أو مستفيد أو ساكت ؟ وأغلبهم عاجزون ؟

فليكن !  لكن : هؤلاء العاجزون ما حكمهم : ؟

 ما الحكم في قوم هم مسلمو اليوم - كلما وجه إليهم أمر للتنفيذ مصمصوا شفاههم قائلين : عفواً نحن غير قادرين ؟ أليس من قوانين الله ــ منطقياً ــ أن يتم الاستغناء عنهم ؟

ما الحكم في قوم كلما واجههم تكليف إلهي مصمصوا شفاههم قائلين : نحن غير قادرين ؟

إذا دُعُوا إلى التخلص من الربا قالوا : إن كان حراماً فنحن غير قادرين ؟ إذا دُعُوا إلى الجهاد قالوا : إن كان واجباً فنحن غير قادرين . إذا دُعُوا إلى الوحدة قالوا : خير ، لكن نحن غير قادرين ؟ إذا دُعُوا إلى الأخوة الإسلامية : قالوا : جميل ، ولكن نحن غير قادرين ؟ وإذا دُعُوا إلى تصحيح في سياسة التعليم يربط فيه بين العلم والعمل والإيمان قالوا : تحيرنا بين النظريات والبرامج ، وما نحن بقادرين . وإذا قيل لهم : صححوا علاقتكم بالدنيا واجعلوها في أيديكم لا في قلوبكم قالوا : تلك صوفية ، وما نحن بقادرين . وإذا قيل لهم : احرصوا على الحرية ، واسلكوا إليها من باب العبودية لله وحده .. قالوا : تلك مثل عليا وما نحن بقادرين . وإذا دُعُوا إلى شئ من الاقتصاد يبتعدون فيه عن الإسراف والتبذير وتمويل رأسمالية العدو ، قالوا عادات ، وما نحن بقادرين . وإذا دُعُوا إلى قلب المعادلة السائدة بينهم بين اللهو والجد ، خذوا أنفسكم بالجد ، واجعلوا اللهو هامشاً محدوداً قالوا : تلكم دعوة إلى الكآبة وما نحن بقادرين .

وإذا دُعُوا إلى تحرى الحل في مأكلهم ومشربهم والبعد عن الحرام والمشتبهات ، قالوا : وكيف نعيش ؟ نحن غير قادرين .

وإذا دُعُوا إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا : وما شأننا ؟ نحن غير قادرين ؟

وإذا دُعُوا إلى الأخذ على يد الظالم قالوا : صعب ، ونحن غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى مخاصمة الفسق في الفن وفي الإعلام .. قالوا : إزاى؟ نحن غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى إلزام نسائهم بالحجاب ، قلبوا شفاههم ، وقالوا : نحن غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى تربية أولادهم على طاعة الله .. قالوا نحاول ، ولكن نحن غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى العفة وما يوصل إليها من الكف عن إثارة الشهوات ، نظروا بجانب من عيونهم إلى نظريات في علم النفس ، وعلم الجمال ، وقالوا: نحن غير قادرين . وإذا دُعي علماؤهم إلى الجهر بكلمة الحق ، قالوا : نحن غير قادرين.وإذا دُعي حكامهم إلى عدم موالاة الكافرين .. قالوا : حسناً ، ولكنا غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى التكافل المعيشي مع الذين يموتون جوعاً بالآلاف ، قالوا : نحن غير قادرين . وإذا دُعُوا إلى التضامن مع المستضعفين من إخوانهم الذين يذبحون بالآلاف ، قالوا : نحن غير قادرين .

بماذا شهد هؤلاء على أنفسهم ؟

هل ينطبق عليهم رفع التكليف في قوله تعالى .. { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .} 286 البقرة .

أليس معنى الآية ابتداء أن الله لا يكلف إلا بالوسع ؟ فهم ماداموا قد كلفوا فمعنى هذا أنه في وسعهم ؟ وعلى هذا الأساس يكون قولهم نحن غير قادرين محض كذب وتهرب ؟ !

وهل ينطبق عليهم رفع التكليف إذا كانوا هم أنفسهم مساهمين بدرجة أو بأخرى في صنع الخطأ أو الخطيئة ؟ أو مستفيدين بدرجة أو بأخرى ــ باستمرار هذا الخطأ أو الخطيئة ؟ أليست الأغلبية اليوم دائرة بين هذا وذاك .. بين صانع ، أو مستفيد ؟

قد يقال : المشكلة ترجع إلى تضارب الأفكار ، واختلاطها ، وعلى سبيل المثال:

يقول بعضنا : العلمانية ، كلها شر ، ولكن آخرين يرفعون إمكانية التضامن معها ، والتصالح مع بعض فصائلها . هكذا فإن الرؤية قد أصيبت بالاختلاط . حسناً ، فمتى يكشف الحق ؟ هنا : لابد من الابتلاء .

قد يقال : المشكلة ترجع إلى اختلاط في البشر ، حيث لا يظهر فيهم مؤمن خالص ، من منافق خالص ، من كافر خالص . ويقول بعض هؤلاء : تحتاج الحركة الإسلامية إلى فصل هذه الفصائل ، وإلا وقعت الحركة في شر النتائج ، شر الفشل . حسناً : فمتى ينفصل هؤلاء من هؤلاء ؟ هنا : لابد من عذاب ينزل للتمييز ، فالمؤمن ينجلى كما ينجلى الذهب في النار ، وغيره يتساقط كما يتساقط التراب ، أو كما يتساقط الغبار . هنا لابد من سريان قانون التمييز . { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } 179 آل عمران .{ ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم ، أولئك هم الخاسرون . } 37 الأنفال .{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكداً، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون . } 58 الأعراف

قد يقال : التمييز موجود ، فنحن نعرف الطريق ، ونعرف من هم أربابه ، ولكنا غير قادرين . غير قادرين على فعل شئ . والله لا يكلف نفساً إلا وسعها . فعندئذ يقال : وإذا كنتم قد خرجتم من إطار المكلفين فما معنى وجودكم ؟ إنكم بذلك قدمتم شهادة الإزالة . هنا : لابد من عذاب ينزل ــ لا لمحض الابتلاء ، ولا لمحض التمييز ولكن لغرض المحق ، والإزالة كما تمت إزالة أقوام من قبل .

منطقياً : ماذا ينتظر لقوم كلما واجههم تكليف إلهي مصمصوا شفاههم قائلين : لا حول ولا قوة إلا بالله ، نحن غير قادرين ؟؟ وهم قد أخرجوا إلى الوجود أصلاً من أجل القيام بهذه التكاليف ؟ أليس المعقول أن ينتظروا الإزالة ؟ أما حسابهم يوم القيامة فشئ آخر . أليست الإزالة هي الحل الوحيد في شأنهم ؟ ليأتي قوم غيرهم . { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }38 محمد

إن هؤلاء ــ نحن المجموع ــ أكثر الأجناس على وجه هذه الأرض ترشيحاً للإزالة ، لعدة أمور:

أولاً : لأننا إنما خرجنا على ظهرها وارتفع ذكرنا فيها لمهمة خاصة هي القيام برسالة الإسلام .

{ كنتم خير أمة أُخرجت للناس .. تأمرون بالمعروف وتنهوٌن عن المنكر وتؤمنون بالله }110 آل عمران  فعندما نتخلى عن هذه الرسالة ــ ونحن نكاد نفعل ــ يزول سبب وجودنا ، ونذهب شراذم بددا ، في طرائق قددا .

         ثانياً : لأننا لو بقينا وانتصرنا على أعدائنا بنصر الله لكان في ذلك نصر للزيف الذي نحن فيه ، وإعلاء لشأنه ، وهذا لا يمكن أن يدور بخاطرنا  ، لأنه لا يجوز في حق كماله تعالى .

         ثالثاً : لأننا بخلاف أعدائنا ، لا نحن عملنا من أجل الدنيا كما يعملون ، فننال وعد الله كما ينالون { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } 15 هود.

       ولا نحن عملنا من أجل الآخرة ، كما عمل بناة الأمة الإسلامية ، فننال وعد الله كما نالوا { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بى شيئاً . } 55النور .

إننا أولى الناس بالإزالة لولا ... 

لولا أمل في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه بسنده  عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله (  مثل امتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره ) تمثل فيما نشهده من إقبال على بيوت الله

ولولا ضمان من وعد الله لبقية تبقى أو تعود : مع الإسلام تعود ، مع الإسلام الذي سيعود غريبا كما بدأ .

ولولا ضمان في رواية لمسلم في صحيحه بسنده  عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن عمير بن هانئ حدثه قال سمعت معاوية على المنبر يقول سمعت رسول الله  يقول (  لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )

و في رواية لمسلم بسنده عن ثوبان قال قال رسول الله r : " إني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة أي كارثة عامة -.. وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم أي جماعتهم -  وإن ربى قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك : ألا أهلكهم بسنة عامة ، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم ، يستبيح بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ، ويسبى بعضهم بعضاً . )

وهذا هو الذي حدث في " بيضتنا " : على مستوى التاريخ ، وعلى مستوى الحاضر، ، في دخول الصليبين القدس قديما ، في دخول الصليصهيونية القدس حديثا ، في ضرب قادة المقاومة كأنما على رأس كل فدائي خائن يدل عليه ،  في أفغانستان جاء كارازاي ، في سقوط بغداد أمام هولاكو التتري جاء نور الدين الطوسي ، ، ثم في سقوطها أمام هولاكو الأمريكي جاء ما يسمونه " مجلس الحكم "،   بعضنا  يهلك بعضا ، وللبعض المغلوب شهادة  قد لا تكون مع النصر في الدنيا .

 

إن الحضارة الغربية في أيلولتها للسقوط وفقا لما كتبنا سابقا - سوف تأخذ معها المستسلمين من مسلمي اليوم ، إنه  سقوط حضارة تأخذ معها كل الذين هم على مائدتها يتغذون ، والذين هم على فتاتها يتقاتلون ، أو هم بأذيالها يتعلقون ، أو بمفاسدها يتفننون ، أو عن قبحها هم يسكتون ، فانظر بربك في أي فئة نحن المسلمين اليوم لائذون ، إنها " فتنة لا تصيبن الذين ظلموا " وحدهم ، وصدق الله العظيم .

أد : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com