ومن اشد
الأخطار المحدقة بذاتية الحضارة الإسلامية : تدهور " مستوى الطاقة الحيوية
للمسلمين " المعاصرين ، هذا التدهور الذي أصاب فيما أصاب عصب " الإرادة
" فيهم ، وشل فيما شل عضلة " الفعل" ، عندهم ، ورشحهم فيما رشح لمقبرة الزوال ، ومن
ثم انقلب بهم الحال من مسلمين إلى مستسلمين ، من مسلمين لله إلى مستسلمين لخلق
الله
مرحى مرحى
للمستسلمين من مسلمي اليوم :
من هم
بالنسبة إلى هذا المأزق الحضاري ؟
نتساءل عن
المجموع لا عن الجميع ، المجموع الذي أنذره الله بقوله تعالى " واتقوا فتنة
لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " والذي أنذره الرسول صلى الله عليه وسلم
بقوله كما جاء في جامع الترمذي" بسنده عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ عن النبيّ
صلى الله عليه وسلم قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ
وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عِقَاباً مِنْهُ ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» .
وبما جاء فيما رواه الإمام
أحمد بمسنده عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد
حضره شيء- يعني من الوحي - ، فتوضأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات
فسمعته يقول: «يا أَيّها النّاسُ إنّ الله ـ عَزّ وَجَلّ ـ يقولُ: مُرُوا
بالمعروفِ وَانْهُوا عَنِ المُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُوني فلا أُجِيبُكُمْ،
وَتَسْأَلُوني فلا أَعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُوني فلا أَنْصُرُكُمْ».وروى ابن ماجة
مثله بسننه بسنده عن عائشة .
وما رواه أبو داود بسننه بسنده
عن الْعُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم
قالَ: «إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فكَرِهَهَا،-
وقالَ مَرّةً أنْكَرَهَا- كَانَ
كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا».
هذا المجموع : هل بنى لحضارة الله بيتا ؟ أو جاهد أو قاوم في حضارة
العصر بيت الشيطان ؟ أو أنكر باليد
أو أنكر بالكلمة أو أنكر باللسان ؟
هذا المجموع : أليس يدو رما
بين مروج أو مستفيد أو ساكت ؟ وأغلبهم عاجزون ؟
فليكن ! لكن : هؤلاء العاجزون
ما حكمهم : ؟
ما الحكم في قوم – هم مسلمو اليوم - كلما وجه إليهم أمر للتنفيذ مصمصوا
شفاههم قائلين : عفواً نحن غير قادرين ؟ أليس من قوانين الله ــ منطقياً ــ أن يتم
الاستغناء عنهم ؟
ما الحكم في قوم كلما واجههم تكليف إلهي مصمصوا شفاههم قائلين : نحن غير
قادرين ؟
إذا دُعُوا إلى التخلص من الربا قالوا : إن كان حراماً فنحن غير قادرين ؟
إذا دُعُوا إلى الجهاد قالوا : إن كان واجباً فنحن غير قادرين . إذا دُعُوا إلى
الوحدة قالوا : خير ، لكن نحن غير قادرين ؟ إذا دُعُوا إلى الأخوة الإسلامية :
قالوا : جميل ، ولكن نحن غير قادرين ؟ وإذا دُعُوا إلى تصحيح في سياسة التعليم
يربط فيه بين العلم والعمل والإيمان قالوا : تحيرنا بين النظريات والبرامج ، وما
نحن بقادرين . وإذا قيل لهم : صححوا علاقتكم بالدنيا واجعلوها في أيديكم لا في
قلوبكم قالوا : تلك صوفية ، وما نحن بقادرين . وإذا قيل لهم : احرصوا على الحرية ،
واسلكوا إليها من باب العبودية لله وحده .. قالوا : تلك مثل عليا وما نحن بقادرين
. وإذا دُعُوا إلى شئ من الاقتصاد يبتعدون فيه عن الإسراف والتبذير وتمويل
رأسمالية العدو ، قالوا عادات ، وما نحن بقادرين . وإذا دُعُوا إلى قلب المعادلة
السائدة بينهم بين اللهو والجد ، خذوا أنفسكم بالجد ، واجعلوا اللهو هامشاً
محدوداً قالوا : تلكم دعوة إلى الكآبة وما نحن بقادرين .
وإذا دُعُوا إلى تحرى الحل في مأكلهم ومشربهم والبعد عن الحرام والمشتبهات ،
قالوا : وكيف نعيش ؟ نحن غير قادرين .
وإذا دُعُوا إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قالوا : وما شأننا ؟ نحن
غير قادرين ؟
وإذا دُعُوا إلى الأخذ على يد الظالم قالوا : صعب ، ونحن غير قادرين . وإذا
دُعُوا إلى مخاصمة الفسق في الفن وفي الإعلام .. قالوا : إزاى؟ نحن غير قادرين .
وإذا دُعُوا إلى إلزام نسائهم بالحجاب ، قلبوا شفاههم ، وقالوا : نحن غير قادرين .
وإذا دُعُوا إلى تربية أولادهم على طاعة الله .. قالوا نحاول ، ولكن نحن غير
قادرين . وإذا دُعُوا إلى العفة وما يوصل إليها من الكف عن إثارة الشهوات ، نظروا
بجانب من عيونهم إلى نظريات في علم النفس ، وعلم الجمال ، وقالوا: نحن غير قادرين
. وإذا دُعي علماؤهم إلى الجهر بكلمة الحق ، قالوا : نحن غير قادرين.وإذا دُعي
حكامهم إلى عدم موالاة الكافرين .. قالوا : حسناً ، ولكنا غير قادرين . وإذا
دُعُوا إلى التكافل المعيشي مع الذين يموتون جوعاً بالآلاف ، قالوا : نحن غير
قادرين . وإذا دُعُوا إلى التضامن مع المستضعفين من إخوانهم الذين يذبحون بالآلاف
، قالوا : نحن غير قادرين .
بماذا شهد
هؤلاء على أنفسهم ؟
هل ينطبق عليهم رفع التكليف في قوله تعالى .. { لا
يكلف الله نفساً إلا وسعها .} 286 البقرة .
أليس معنى الآية ابتداء أن الله لا يكلف إلا بالوسع ؟ فهم ماداموا قد كلفوا
فمعنى هذا أنه في وسعهم ؟ وعلى هذا الأساس يكون قولهم نحن غير قادرين محض كذب
وتهرب ؟ !
وهل ينطبق
عليهم رفع التكليف إذا كانوا هم أنفسهم مساهمين بدرجة أو بأخرى في صنع الخطأ أو
الخطيئة ؟ أو مستفيدين بدرجة أو بأخرى ــ باستمرار هذا الخطأ أو الخطيئة ؟ أليست
الأغلبية اليوم دائرة بين هذا وذاك .. بين صانع ، أو مستفيد ؟
قد يقال : المشكلة ترجع إلى تضارب الأفكار ، واختلاطها ، وعلى سبيل المثال:
يقول بعضنا : العلمانية ، كلها شر ، ولكن آخرين يرفعون إمكانية التضامن معها
، والتصالح مع بعض فصائلها . هكذا فإن الرؤية قد أصيبت بالاختلاط . حسناً ،
فمتى يكشف الحق ؟ هنا : لابد من الابتلاء .
قد يقال : المشكلة ترجع إلى اختلاط في البشر ، حيث لا يظهر فيهم مؤمن خالص ،
من منافق خالص ، من كافر خالص . ويقول بعض هؤلاء : تحتاج الحركة الإسلامية إلى فصل
هذه الفصائل ، وإلا وقعت الحركة في شر النتائج ، شر الفشل . حسناً : فمتى ينفصل
هؤلاء من هؤلاء ؟ هنا : لابد من عذاب ينزل للتمييز ، فالمؤمن ينجلى كما ينجلى
الذهب في النار ، وغيره يتساقط كما يتساقط التراب ، أو كما يتساقط الغبار . هنا
لابد من سريان قانون التمييز . { ما كان
الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } 179 آل عمران .{ ليميز الله
الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم ، أولئك
هم الخاسرون . } 37 الأنفال .{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث
لا يخرج إلا نكداً، كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون . } 58 الأعراف
قد يقال : التمييز موجود ، فنحن نعرف الطريق ، ونعرف من هم أربابه ، ولكنا
غير قادرين . غير قادرين على فعل شئ . والله لا يكلف نفساً إلا وسعها . فعندئذ
يقال : وإذا كنتم قد خرجتم من إطار المكلفين فما معنى وجودكم ؟ إنكم بذلك قدمتم
شهادة الإزالة . هنا : لابد من عذاب ينزل ــ لا لمحض الابتلاء ، ولا لمحض
التمييز ولكن لغرض المحق ، والإزالة كما تمت إزالة أقوام من قبل .
منطقياً : ماذا ينتظر لقوم كلما واجههم تكليف إلهي مصمصوا شفاههم قائلين :
لا حول ولا قوة إلا بالله ، نحن غير قادرين ؟؟ وهم قد أخرجوا إلى الوجود أصلاً من
أجل القيام بهذه التكاليف ؟ أليس المعقول أن ينتظروا الإزالة ؟ أما حسابهم يوم
القيامة فشئ آخر . أليست الإزالة هي الحل الوحيد في شأنهم ؟ ليأتي قوم
غيرهم . { وإن تتولوا يستبدل
قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }38 محمد
إن هؤلاء ــ نحن المجموع ــ أكثر الأجناس على وجه هذه الأرض ترشيحاً للإزالة
، لعدة أمور:
أولاً : لأننا إنما خرجنا على ظهرها وارتفع ذكرنا فيها لمهمة خاصة هي القيام
برسالة الإسلام .
{ كنتم خير أمة أُخرجت
للناس .. تأمرون بالمعروف وتنهوٌن عن المنكر وتؤمنون بالله }110 آل عمران
فعندما نتخلى عن هذه الرسالة ــ ونحن نكاد نفعل ــ يزول سبب وجودنا ، ونذهب
شراذم بددا ، في طرائق قددا .
ثانياً : لأننا لو بقينا
وانتصرنا على أعدائنا بنصر الله لكان في ذلك نصر للزيف الذي نحن فيه ، وإعلاء
لشأنه ، وهذا لا يمكن أن يدور بخاطرنا
، لأنه لا يجوز في حق كماله تعالى .
ثالثاً : لأننا بخلاف
أعدائنا ، لا نحن عملنا من أجل الدنيا كما يعملون ، فننال وعد الله كما ينالون { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم
أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } 15 هود.
ولا
نحن عملنا من أجل الآخرة ، كما عمل بناة الأمة الإسلامية ، فننال وعد الله كما
نالوا { وعد الله الذين آمنوا
منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن
لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بى
شيئاً . } 55النور .
إننا أولى
الناس بالإزالة لولا ...
لولا أمل
في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه بسنده عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله
( مثل امتى مثل المطر لا يدرى أوله
خير أو آخره ) تمثل فيما نشهده من إقبال على بيوت الله
ولولا ضمان
من وعد الله لبقية تبقى أو تعود : مع الإسلام تعود ، مع الإسلام الذي سيعود غريبا
كما بدأ .
ولولا ضمان
في رواية لمسلم في صحيحه بسنده عن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن عمير بن هانئ حدثه قال سمعت معاوية على المنبر يقول
سمعت رسول الله يقول ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله
لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )
و في رواية
لمسلم بسنده عن ثوبان قال قال رسول الله r : " إني سألت ربي لأمتي
ألا يهلكها بسنة عامة – أي كارثة عامة -.. وألا يسلط عليهم عدواً من سوى
أنفسهم فيستبيح بيضتهم – أي جماعتهم -
وإن ربى قال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك
: ألا أهلكهم بسنة عامة ، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم ، يستبيح بيضتهم ،
ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ، ويسبى بعضهم بعضاً .
)
وهذا هو الذي حدث في " بيضتنا " : على مستوى التاريخ ، وعلى مستوى
الحاضر، ، في دخول الصليبين القدس قديما ، في دخول الصليصهيونية القدس حديثا ، في
ضرب قادة المقاومة كأنما على رأس كل فدائي خائن يدل عليه ، في أفغانستان جاء كارازاي ، في سقوط
بغداد أمام هولاكو التتري جاء نور الدين الطوسي ، ، ثم في سقوطها أمام هولاكو
الأمريكي جاء ما يسمونه " مجلس الحكم "، بعضنا
يهلك بعضا ، وللبعض المغلوب شهادة
قد لا تكون مع النصر في الدنيا .
إن الحضارة
الغربية في أيلولتها للسقوط –
وفقا لما كتبنا سابقا - سوف تأخذ معها المستسلمين من مسلمي اليوم ، إنه سقوط حضارة تأخذ معها كل الذين هم على
مائدتها يتغذون ، والذين هم على فتاتها يتقاتلون ، أو هم بأذيالها يتعلقون ، أو
بمفاسدها يتفننون ، أو عن قبحها هم يسكتون ، فانظر بربك في أي فئة نحن المسلمين
اليوم لائذون ، إنها " فتنة لا تصيبن الذين ظلموا " وحدهم ، وصدق الله
العظيم .