زيارة بوش في حوار ساخن

 

 

بقلم : عوني فرسخ

 

     هاتفني صديق احترم ثقافته ، واقدر التزامه القومي في زمن كثرة الذين فقدوا رؤوسهم وراحوا يعودون باللائمة على الفكر والعمل القومي ، في محاولة بائسة لستر عجزهم عن الاحتفاظ بالمنعة والمكانة اللتين كانتا للعرب إقليميا ودوليا في مرحلة المد القومي  التي ينتقدها أدعياء الحكمة في زمن متأخر . قال معقبا على مقال سابق لي :  اتفق معك أن الصراع مع الصهيونية لم يحسم ، ولكنها حققت انتصارات غير محدودة . وأضاف مؤكدا : وشارون في سبيله إلى أن يراكم انتصاراتها ، وخاصة في المجالين اللذين أنكرت انتصارها فيهما : استلاب الإرادة العربية ، وتحقيق أمن التجمع الاستيطاني الصهيوني .

 

     وكأنما أغاظه صمتي فاندفع متسائلا في حدة المؤمن بصحة ما يعتقد ويقول : ألا ترى أن المناخ الدولي والإقليمي الذي تتم فيه زيارة الرئيس بوش للمنطقة في غير صالح الشعب العربي ما بين المحيط والخليج ، وليس في فلسطين المحتلة فحسب ، فالرئيس وادارته ومستشاروه وعناصر الاجهزة الأمريكية كافة منتشين بخمرة النصر الذي حققوه بلا تكلفة تذكر في الحرب على العراق . والدول الأوروبية تمر بمرحلة انعدام الوزن في مواجهة العدوانية الأمريكية المنفلتة من عقالها . والأمم المتحدة باتت تتحرك وفق ما ترسمه الخارجية الأمريكية ، ومجلس الأمن أصبح اداة ادارة القطب الاوحد . وموسكو شديدة الحرص على موالاة واشنطن في مرحلة إعادة ترميم بناها الاقتصادية والاجتماعية . والصين تعطي الأولوية للتجارة مع أمريكا لتعزيز قدراتها . أما الأنظمة العربية فالمهم اولا وأخيرا لصناع قرار كل منها اتقاء غضب الراعي الأمريكي لما يسمونه تجاوزا "عملية السلام" ؟!!

 

     ولم يمهلني لأرد على تساؤلاته الاستنكارية ، وإنما اندفع يقول : معطيات الواقع تدل دلالة قاطعة على أن الأمة العربية ، وليس شعب فلسطين فقط ، أمام استحقاقات ستفرض في لقائي العقبة وشرم الشيخ . بل هي أمام إملاءات لا يقبل فيها نقاش ، وهي إملاءات من المؤكد أن تزيد الإرادة العربية استلابا ، وتضاعف ما هو مطلوب فلسطينيا وعربيا  لتعزيز "أمن" المستوطنين الصهاينة داخل ما يسمى "الخط الأخضر" وفي الضفة والقطاع . وحسبي تذكيرك بأن الرئيس بوش يعتبر الإرهابي العريق شارون "رجل سلام" ، فيما ينعت مقاومة الاحتلال المشروعة دوليا بأنها عمليات "إرهابية" . اما مبادرة "خريطة الطريق" ، موضوع اللقاءين العتيدين ، فلن ينفذ منها سوى ما يوفر "أمن " اسرائيل والتطبيع معها . ولتمرير ذلك ستكون هناك بعض التسهيلات المعاشية ، واجراءات تعزيز قدرات حكومة السيد محمود عباس . وذلك مقابل اجهاض الانتفاضة ، وكبح كل احتمالات المقاومة ، وحل مختلف القضايا وفق الرؤى الشارونية ، من قضية القدس الى حقوق خمسة ملايين لاجىء ونازح في العودة والتعويض . ثم يتوج ذلك باقامة كيان مسخ له كل مظاهر الدولة إلا أن تكون دولة حقيقية ذات سيادة على اقليمها .

 

     وصمت لحظات ، وحين لم أعقب ، استأنف يتساءل ، وإن بلهجة أقل حدة : وبماذا تفسر عدم دعوة الرئيسين السوري واللبناني للقاء شرم الشيخ ، ولكلا البلدين ارض محتلة ؟!!  وما هو رايك في استبعاد الأمين العام لجامعة الدول العربية في لقاء تبحث فيه أهم  قضية عربية شغلت الجامعة منذ إقامتها ؟!! وكما عهدته في عدم انتظار الإجابة عما يطرحه من تساؤلات مقلقة ، راح يجيب مدعيا أن هناك مخططا أمريكيا مرسوما للمنطقة يقوم على أربعة محاور : تفكيك الموقف العربي تجاه العدوان الصهيوني ،  بإعادة إنتاج سياسة "الخطوة خطوة" التي رسمها كيسنجر وانتهت بمبادرة الرئيس السادات بزيارة القدس المحتلة وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد . والغاء النظام الإقليمي العربي لمصلحة النظام الشرق أوسطي بقيادة إسرائيل . وإشاعة ما يمكن اعتباره "الفوضى البناءة " ، كما هو حاصل في العراق المحتل ، بحيث يشغل المواطن  العربي بقضاياه الخاصة ، وتتعمق المشاعر العرقية والطائفية على حساب الشعورين الوطني والقومي . واعادة صياغة برامج التربية والتعليم ، والثقافة العربية الاسلامية ، بما يتواءم مع الهيمنة الامريكية والتعايش مع اسرائيل .

 

     وحسبت أن صاحبي افرغ ما في جعبته إلا أنه فاجأني قائلا : لا أحسب أن توقيت زيارة الرئيس بوش في مطلع يونيو / حزيران جاء صدفة ، وإنما هو بترتيب مسبق غايته استثمار ما ترسب في الذاكرة الجمعية العربية من شعور بالإحباط نتيجة ما شهده هذا الشهر عبر السنوات الخمسة والخمسين الماضية . وتوقف كأنه يستجمع خواطره ، ثم تابع في لهجة تقريرية : في السابع من يونيو / حزيران سنة 1948 أعلن مجلس الأمن قرار وقف اطلاق النار في هدنة اعتبارا من صباح 11/6/1948 ، ولقد اثبتت الأحداث فيما بعد أن العرب خسروا المعركة نهائيا حين قبلوا بالهدنة . وفي فجر الخامس من الشهر ذاته سنة 1967 حسم الطيران الإسرائيلي المعركة على الجبهات المصرية والسورية والاردنية ، لتحتل اسرائيل سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة . وفي صباح  السادس منه سنة 1982 اجتاح الجيش الاسرائيلي  جنوبي لبنان ووسطه ،  لتقف دبابات شارون على مشارف بيروت . وتنهد بحسرة وقال : والله اعلم أي نكبة أو نكسة ستتمخض عنهـــا زيارة الرئيس بوش في هذا الشهر المنحوس !!! .

 

    وصمت صاحبي ، وحين طال صمته بادرته قائلا : أطلب اليك ، ولمن يذهبون مذهبك ، الوقوف بموضوعية مع النكبة والنكسة واجتياح لبنان ، والتي حقق فيها جميعها الصهاينة انتصارات عسكرية لا تجحد . إلا أن الاعمال كما يقولون بخواتمها ، والقراءة العلمية للتاريخ لا تقف عند حدود بداية أحداثه  ، وانما بتقصي تداعياتها . ولو انك تفحصت ما ولده التحدي الصهيوني في الحالات الثلاث من استجابة عربية لتبينت ان اسرائيل في كل منها لم ينته بها  نصرها العسكري إلى تعزيز وجودها في الارض العربية ، وإنما على العكس من ذلك تماما إذ اسهمت في تعميق  التناقض فيما بينها وبين الأمة العربية ، ووسعت من اطار مقاومة الاستعمار الاستيطاني العنصري الذي تجسده .

 

     وبعد فترة صمت تساءل محتدا : اتريد ان تعيد مقولتك حول عدم انتصار الصهيونية وحسمها الصراع ؟ قلت بل لاذكرك بان التاريخ كما يقرر ابرز علمائه تحد واستجابة . ولقد شكل انتصار الصهاينة في الحالات الثلاث تحديا ولد استجابات عربية أحدثت  تقدما كيفيا على الطريق الطويل لتجاوز التخلف ، الذي جعل نصر التحالف الاستعماري الصهيوني سهلا وميسورا . فنكبة 1948 فجرت الوعي القومي في مشرق الوطن العربي ومغربه ، ودفعت بنخب ما يمكن اعتباره "الطبقة الوسطى" إلى احتلال مواقع مؤثرة في صناعة قرار أكثر من قطر عربي . ونكسة 1967 أعقبتها حرب الاستنزاف ، كما دفعت بالعمل الفدائي الفلسطيني الى واجهة المسرح . وبالنتيجة اعطت الصراع بعدا شعبيا ، واظهرت الصورة الحقة للشعب العربي الفلسطيني ، ووضعته على طريق المقاومة . واجتياح لبنان انتهى بكنس الاحتلال الصهيوني من ارض الجنوب ، وابراز الوجه المشرق للبنان المقاومة والصمود .

 

     أما احتلال  العراق ، والفوضى المقصودة الضاربة في ارجائه ، فمن الظلم لشعب عاش في ظل إرهاب الدولة المتوالي منذ عشرينات القرن الماضي ، وتوالت على أرضه عمليات الاقصاء المتبادل وتسوية الحسابات بالدم ، ثم فرض عليه حصار آثم جائر . من الظلم لهذا الشعب أن تحكم على مجريات الأمور فيه ولما يمض على سقوط النظام الدكتاتوري القاهر لإرادته سوى اقل من شهرين . ويقينا أن ممارسات قوى الاحتلال المستفزة للكرامة ، والاختراقات الصهيونية للساحة العراقية ، ومحاولات العبث بالنسيج الوطني وطمس الانتماء القومي ، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي سوف تترتب على نهب ثروة العراق . كل ذلك متفاعلا من المؤكد أن يؤدي إلى تفجر مقاومة لن تقل مضاء وفعالية عما شهده لبنان وتشهده فلسطين المحتلة .

 

     وأخيرا أتفق معك أن المناخ الدولي والإقليمي والعربي يوفر لبوش استصدار قرارات يعزز بها موقفه الانتخابي ، وتيسظر لشارون التقدم على طريق استكمال ما لم تنجزه "حرب الأيام الستة" سنة 1967 . إلا أنها بما سوف تفرضه على الأطراف العربية من التزامات واجبة سوف تدفع باتجاه تفاقم حدة أزمات الدولة القطرية العربية ، مما يعمق الوعي على أهمية التكامل القومي والديمقراطية ، ويوسع إطار الملتزمين بخيار المقاومة . وإن شعبا يلاحق أطفاله الدبابات بحجارتهم ، وتزغرد نساؤه في استقبال الشهداء من فلذات أكبادهن  ، مرشح لأن يمتص النكبة التي تلوح نذرها في الأفق ، ليخرج منها أكثر صلابة لمواصلة صراعه الممتد مع الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني ، والقوى الداعمة له على جانبي الأطلسي .. وما سوف يتمخض عن زيارة الرئيس الامريكي لن يكون أكثر كارثية من نكبة 1948 ونكسة 1967 ، ومع ذلك لم تنتصر الصهيونية ولا حسم الصراع .