أمريكا تطعن في خاصرتها

 

 

 بقلم : رمزي بارود

 

ما كاد كريس هيدجيز يبدأ خطابه في حفل التخرج لجامعة روكفيرد الأمريكية حتى بدأت تتعالى صيحات الغضب والاستنكار, مطالبين إياه أن "يخرس" وأن يتوقف عن مهاجمته لسياسة الحكومة الأمريكية في العراق. هيدجيز, الكاتب الصحفي المعروف والمتخصص في صحافة الحرب لم يكف عن الحديث حتى عندما قامت إدارة الجامعة بالطلب منه أن "يختصر", ثم قيامهم بسحب الميكرفون من أمامه ثلاثة مرات, بينما أدار نصف الحاضرين للصحفي المخضرم ظهورهم. واصل هيدجيز مناشدته لجيل الخريجين الجديد أن لا يستمع لمهاترات الإدارة الأمريكية وأن يحكم منطق العقل وليس القوة في تصرفاته ونظرته للأمور.

لم تكن هذه الحادثة والتي وقعت في أواخر مايو بالأمر الذي يستحق الدهشة, فلم تعد أمريكا "أعظم دولة ديمقراطية في العالم" كما يدعى أبناؤها حريصة على حرية الكلمة والتعبير. الجملة المشهورة والتي رددها الكثير من الأمريكيين لوقت طويل: "قد أختلف معك ولكني مستعد للموت لكي تضمن حريتك في التعبير" لم تعد إلا مجرد أحد مفردات تاريخ منصرف , ربما بدون رجعة. حرب أمريكا ضد الإرهاب أصبحت الشماعة التي يعلق عليها أعداء الحرية في هذا البلد كل ما في جعبتهم من سياسات, الهدف منها القضاء على الأصوات الليبرالية التي حاربت ولأجيال نفوذ الحكومة وأصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى واللوبيات المستنفذة في أمور الدولة والسياسيات الاستعمارية التي تصنع من الشعوب الفقيرة عبيد ومن ثرواتهم غنائم حرب.

أمريكا تطعن في خاصرتها, فالإرهاب لم يدمر الاقتصاد الأمريكي ولم يهزم الأسطول السادس, ولكنه كشف عن حقيقة حُجبت حتى عن الأمريكيين أنفسهم لفترة طويلة, فالديمقراطية الأمريكية رُسخت في عقول الشعب الأمريكي كفكرة دون تطبيق حقيقي, وقد ظلت تابعة لمنظومة السوق المفتوحة, فأصحاب رؤوس الأموال وتجار النفط والمزارعين الأثرياء جداً هم الذين يرشحون أنفسهم ويتنافسون فيما بينهم, فيُنتخبون ويعاد انتخابهم.  هذا لا يعنى أن النظام السياسي الأمريكي ليس نظام ديمقراطي بصورته العامة, ولكن أن تحلل الديمقراطية للبعض وُيحرم الآخرون منها ما هو إلا نصف اللعبة الديمقراطية والتي كشف عن زيفها تربع المحافظون الجدد على قمة الحكم في واشنطن.

الكثير من دول العالم الثالث تدعى الديمقراطية وتمارس عكسها. أحداث سبتمبر وما تبعها من متغيرات سياسية وحالة الذعر التي يعيشها الكثير من الأمريكيين بدأت تفرض واقع دول العالم الثالث على أمريكا والتي طالما تباهت بنظامها الديمقراطي. عالمياً, لم تُصَّدر أمريكا من ديمقراطيتها سوي الاسم بغرض السيطرة على الشعوب وفتح أسواقهم تبعاً لسياسة الترغيب والترهيب. محليا, بدأ الأمريكيون يخسرون كل ما حصلوا عليه من حقوق وحريات تحت بند الأمن الوطني, فقانون الباترويت أكت 2 إذا وافق عليه الكونغرس سوف يحول الولايات المتحدة إلا دولة بوليس حيث يُعتقل الأشخاص لمجرد الشبهة فيلقوا في السجون دون محاكمة, وللدولة الحق في أن تسحب جنسياتهم دون طرح المبررات.

الكثير من الأمريكيين يقفون الآن إلى جانب حكومتهم اليمينية فيتصدون لكل من تسول له نفسه في أن ينتقد سياستها, دون أن يعرفوا أنهم سيدفعون ثمن ضحالة تفكيرهم يوما ما, فالمواطن الأمريكي وليس عضو تنظيم القاعدة هو الخاسر الأكبر في نهاية اللعبة. لو سمع الجمهور كلمة كريس هيدجيز إلى النهاية لتعلموا طرق خلاصهم, لكنهم اختاروا إهانة الرجل فأغلقوا آذانهم, دون أن يعرفوا للحظة أن دولتهم تسير في درب ديمقراطية مغايرة, ديمقراطية الكونغو وإسرائيل.