بلير على أرض العراق.. بدون تأشيرة.. الأرض.. أرض البصرة
العربية.. ولكن بدون راية عربية..
بقلم :علي حتر
جيش الشرف الذي يستقبل الضيف.. جنود
بريطانيون على رؤوسهم ريش ملونة باللونين الأبيض والأحمر..
ضيف الشرف.. بلير.. البريطاني الذي يصفه
مواطنوه بأنه أسوأ من وصل إلى سدة الحكم لديهم..
الحرس المحيط بمنطقة المراسم.. من الجيش
البريطاني..
المستقبلون.. بريمر المحتل الأمريكي.. ولا
يوجد أي عراقي حتى من المعارضة المؤيدة للعدوان.. فلم يبق لها دور في ظل
الاحتلالين البريطاني والأمريكي.. فالعملية هي احتلال فقط.. بكل معنى الكلمة..
يهبط بلير من الطائرة.. يبعد يديه عن جانبيه
مثل القبضايات.. ويسير بخيلاء.. واطئا على كل الجباه العربية الرسمية المحنية
أمامه.. ويتبادل التحية مع ضباطه وجنوده.. وتبث الفضائيات هذا المشهد الذي يتمنى
الإنسان المنتمي لأمته.. أن يموت قبل ان يراه..
انهم يدخلون القدس مرة أخرى.. ويدخلون دمشق
والقاهرة.. من أرض البصرة..
بلير.. رامسفيلد.. اللنبي.. ريتشارد قلب
الأسد.. لويس السادس.. هولاكو.. القياصرة باختلاف أسمائهم.. موشيه دايان..
نابليون.. كثيرون منهم.. جاؤوا إلى الأرض العربية..
ومن المؤكد أن الرؤساء والملوك والزعماء
وأصحاب الفخامة والدول والمعالي والقيادات المدنية والعسكرية والرواد والأبطال
والمنقذين والعظماء والمنتصرين ومحققي الإنجازات والخالدين ومحققي الازدهار ومحققي
العزة والكرامة ومقاومي الإرهاب.. وناشري الديموقراطية في البلاد العربية.. كلهم
كانوا جالسين مثلي أمام الشاشة الصغيرة.. وشاهدوا ما شاهدت.. وإنني أعتقد أنهم
صفقوا لبلير.. فزيارته جزء من إنجازاتهم..
نعم.. نعم.. إن الاحتلال البريطاني للبصرة..
ليس جزءا فقط من انتصارات الجنود البريطانيين كما قال بلير لهم.. بل هو جزء من
إنجازات العرب المتفرجين رسميا والمشاركين في الخفاء.. (وبعضهم في العلن)..
ماذا فعل بلير في البصرة؟
لقد حيا قواته التي أنقذت العراق من
الطغيان.. والتي ساهمت في عمرانه.. وأنقذت الإنسانية من الأخطار التي كانت تمثلها
أسلحة الدمار العراقية.. التي لم يجدها أحد.. ويؤكد بلير انها عنزة ولو طارت.. فهو
يؤكد أن الأسلحة موجودة.. حتى لو لم يجدها أحد.. فمن يستطيع أن يقول له لا.. (هذا
أصلا إذا كان له الحق في البحث عنها..).. وكانت ملامح الضيق منه بادية بوضوح على
وجوه معظم جنوده.. فهم يعرفون أكثر من غيرهم كذبه..
ثم ذهب ذهاب الفاتحين.. لزيارة مدرسة أطفال..
تماما كما تفعل نساء زعمائنا العرب عند الاحتفال بعيد الأم.. وعبّر هناك عن أمومة
بريطانيا تجاه رعاياها.. وحمل بعض الأطفال بمحبة مصطنعة.. مشوبة بقرف عنصري واضح
على ملامح وجهه..
ومن الأرض العربية هدد بلير سوريا وإيران..
بعدم التدخل في شؤون الاحتلال الغربي للعراق.. في زمن الاختلال العربي والإسلامي..
وإلا.. فإنه سيدخل بلادهم بنفس الطريقة..
بلير في البصرة.. على أرض عربية.. بدون
تأشيرة.. ودون نشيد وطني عراقي.. ودون راية عراقية.. يدخل ويخرج كما يشاء..
يتحداكم جميعا.. يا سكان الجامعة العربية.. ويا أبطال مؤتمرات القمة.. الجالسين
والواقفين تحت راياتكم المنظفة بأحدث ما أنتجته الشركات الأمريكية لمواد التنظيف..
والمطروبين على ألحان أناشيدكم الوطنية الرسمية المعزوفة بأحدث آلات العزف
المصنوعة في امريكا وبريطانيا..
هي لحظات المهانة.. والمذلة.. والانكسار
الرسمي العربي.. ولو كان أي زعيم عربي يشعر بالعروبة أو حتى بعزة نفس شخصية.. لما
بقي على كرسيه..
ولكنها أيضا لحظات مناداة لكل أبناء هذه
الأمة.. للوقوف ورفض العدوان..
لحظات يجب ان يتحول فيها الاشمئزاز والقرف
والغثيان إلى إرادة رافضة لعودة الاستعمار إلى بلادنا..
إلى إرادة بالحياة الحرة.. وبعدم العودة إلى
التبعية والعبودية بعد ان تحررت منها معظم شعوب الأرض..
إنها صورة.. للحظة من تاريخنا.. لم أتمكن من
تركها تمر دون تعليق.. ففيها من المعاني ما لا يمكن تحمله.. فمن ينزل تلك الصورة
عن جدار الصمت المهزوم..؟.