إلي فهمي هويدي ..

حسبك ممن يلعب بالوكالة .. عن جهالة أو عمالة

 

بقلم :هشام الناصر

Hesham_50@hotmail.com

الأصل في الحروب النية، والنية ليست كما نعتقد بمطلقها “خفية"، بل يمكن استحضارها واستبصارها،  وفي لغة أهل العلم يقولون استنتاجها واستقراءها، والنية لها أصل يكمن في العقيدة، أو قل المعتقدات، ولها فعل يظهر في الأعمال والسلوكيات، ولذا فكشفها يسير، ليس بالأمر العسير، لمن أنعم الله عليه بالبصر والبصيرة وحسن التفسير. وأهل المنطق والرياضيات يشتقون الفروع من الأصول، وذلك هو الاستنتاج Deduction ، ويكشفون الأصول من الفروع ، وهذا هو الإستقراء Induction . والخلاصة إنه إذا عُرفت العقيدة اُشتقت النية، وإنه إذا رُصدت الأعمال وبُصرت السلوكيات فهي مقدمات للنية، ولها مؤدية.

والحرب صراع ونزاع، أركانها طرفان متعارضان، وفي العقيدة متضاربان،  تستخدم فيها أسلحة شتي، وأمور عدة، والقوة فيها مُبسطة مٌفرطة، نطاقها ممتد وعمق أثارها محتد، نتاجها قتل وحصادها مكاسب وخسائر، وقد يوجد تعادل، والأمر نسبي طبقا للقياس، المهم : أن الإرادة هي الفيصل ، فمن يملي إرادته فهو المنتصر ، أما الخنوع والانصياع ، والإستكانة وفقد الإرادة ،  فهو الانهزام . وكم من منتصر بلا قتال، وكم من منهزم بلا اقتتال . إذن ، فالحرب أو التهديد بالحرب أو الخوف من الحرب، كل إلي نفس المآل.

وفي إدارة الصراعات، تمثل الحروب بالمباريات، فهناك لاعبون وهناك إستراتيجية، وهناك مكاسب وخسائر واحتمالية، والاستثناء فيما للمباريات من قواعد تنظيمية، وجهات تَحْكِيمية. أما ما نراه في حروب الأمريكان، فكل شيء سداح مداح، فعلة مباح، مهما كانت فظاعته و بشاعته، ومهما كان جرمه و أثمه. أما عن أفراد فريقهم أو قل لاعبيهم، فلهم تكوين وتشكيل، فهناك اللاعب الأساسي الأصيل، وهناك من هو مُحالف خليل، وهناك صف عريض طويل من الدلاديل، منهم الأخرس عن الحق إمعة ذليلا، ومنهم المندس فينا منافقا وعميلا، ومنهم الجاهل الجهول و فاسدي العقول، ومنهم من أضله الله فَضلَّ تضليلا.

وما حثنا علي هذا المقال، هو بعض ما يتردد في الأعلام الحكومي ويقال، من اتهامات وافتراءات، ضد رموز "الفكر الإسلامي"، وأصحاب الفكر العقلاني، تحت دعوى "الاتهام بالتحريض، وترويج ثقافة القتل". وهي ليست دعوى وطنية خالصة النية، أو حتى قضائية جنائية، بل إرهابا فكريا وادعاءا، ووقيعة ودسيسة وإستعداءا، أغراضها معروفة، وأسبابها مكشوفة.

 ولسنا هنا عن رموزنا ومفكرينا مدافعين، فهم "لها" بصحة مالهم من دين وقوة اليقين، وبما حباهم به الرحمن، من فكر ومنطق وبيان وتبيان، وما نحن إلا كمن يدلو بدلوه، ويشارك برأيه، فيما اقتطفناه من أثار وجنيناه، وما سمعناه من أخبار ووعيناه، لنوضح مغزى تلك الحملة وأسبابها،  ومعناها وأغراضها.

وليثبتنا الله بالقول الثابت، فهو (عز وجل) ما ننشد وما نطمح وما نطمع.

- تتردد هذه الأيام كلمة "تحريض" بثورة غضب ، أهي فاسدة ، أم والعياذ بالله من قلة الأدب ؟

- كلمة "تحريض" في اللغة هي التّحْضيض والحث علي فعل، لذا فصلاح الكلمة أو فسادها يعود علي أفعالها وما تحضه عليها أو تحثه إليها. وبذلك هي ليست في إطلاق، بل تؤخذ بالسياق. والتحريض علي الخير مطلوب، وعلي العمل الصالح مرغوب، وللمحرض أجرها وله مثل فاعلها ثوابها، أما التحريض علي ما يخالف الدين، أو الموضوع من القوانين، فهو مقبوح مذموم، وعليه مثل أو بعض ما علي المرتكب من أوزارها، لذا يمكنك القول بأن هناك تحريضا إيجابيا وآخر سلبيا.

- وما أهمية قيام علماء المسلمين والمفكرين بأعمال التحريض، في هذا الوقت بالتحديد، ولماذا يوجع المرء قلبه ويعرض نفسه ، للقيل والقال ، وسوء المآل؟

- الحرب "شبه انتهت" في العراق باحتلال، وهناك تهديدات للأمة، تلميحا و تصريحا، بذات المآل، والأمريكان في نشوة وسكرة وتبختر واختيال، لعظيم ما حققوه، مقابل بخس ما تكلفوه، ولنصرهم ونجاحهم وإنجازهم، كخطوة فعالة لبناء أحلامهم، الإمبراطورية الأمريكية. وعلي الجانب الآخر، عنت النفوس ونكست الرؤوس، ودب الإحباط، واستشرت روح الانهزام، وبتنا علي شفا الانكسار والانحدار، وفقد الإرادة والإصرار. ومن هنا يأتي دور أولي الألباب، ليس فقط لتخفيف المصاب، بل للتفكير والتدبير، وإبقاء جذوة "الإرادة" مشتعلة، والهمة منتصبة، كي لا تتبعثر عزيمة الأمة وتتبدد، بل لتتضاعف وتتجدد،  لرد كيد المعتدين في نحورهم، وإفشال مكائدهم، ومنعهم من فرض إرادتهم، وهذا من الله أمر وتكليف، وليس بجني مكاسب أو تشريف.

- أيتباكون الآن علي نظام "صدام"؟؟، ألا يستحق الأمريكان الشكر والثناء لتخليص الأمة من ذاك الطاغية، والذي لا يختلف عن أقرانه في "النوع" وإنما في "الدرجة" ؟ ألم يعدكم الأمريكان بإجبار نظمكم وحكامكم علي إرساء الديموقراطية؟

- يا أخي ، الأمريكان أشبه بمن يرتدي ثياب المصلحين، وعمائم الواعظين، ومخطئ من ظن يوما أن للضباع والضواري ملة أو دين، وما تقوله لهو استخفافا بالأمة وهجاء لها ، وتسويقا لروح الهزيمة وترويجا لآثارها ، فالأمة وإن ابتليت بفساد ساستها، إلا أنها ما عقمت رجالها ، وهم وحدهم المخولون القادرون علي إصلاحها ورفع شأنها.  ولا تنسي أن الإمبراطورية الأمريكية، هي وريثة نظيرتها البريطانية، بما فيها "زعامة الحملات الصليبية" !!، وأطماعهم فينا وخوفهم منا، ليست وليدة ما يسمى "بنظرية المؤامرة"، وأرجع لسابق مقالاتنا بما فيها من شرح وبيان ، وبرهان تلو برهان.

أما عن التباكي على نظام صدام !!، فهذه مقولة تفاليس من زمرة مفاليس، فمن يتكلم الآن من عقلاء الأمة ومفكريها، كانوا أوائل ناقديه ومنتقديه، ليس فقط لأعماله وأفعاله، وما تسبب بفقده من رجال وتبديد أموال، لكن لكونه صنيعتهم ومخلب قط لهم، وسواء أكان عن عمالة أو جهالة، فلن ينجو من نقد عقلاء الأمة وحكم التاريخ.

- وما هو المقصود باللعب بالوكالة ؟ ولوكالة من ؟

- إن كان (توفيق الحكيم) قد أطلق علي باريس "بلاد الملائكة والجان"، فالأحق بها الآن هم الأمريكان، فهم أصحاب العلوم والفنون، والاقتصاد والتصنيع، والتقنية والتسليح، وهم أرباب الحديث من علوم الإدارة ، ومراجع لمقاييس الجودة والمهارة ، إلا أن لديهم سافل السياسات والممارسات والعادات، تحت دعاوى العولمة والحريات. ولقد تنوعت الأساليب الأمريكية، في التعامل مع الأمة العربية،  خلال الخمسين سنة الماضية، فقد بدأت بتقديم الدعم "للطبقة الوسطي" أو قل البرجوازية، لوئد الطبقة الحاكمة الأرستقراطية، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي سفنهم، ولا تفي بمأربهم، فأتت الاشتراكية والأفكار اليسارية، فحولوا الدفة إلي الجماعات الدينية، والتي لم يستطيعوا احتواءها بجدية، فكان أسلوب التدخل المباشر، بشكل سافر، في حرب العراق الأولي والثانية.  وأمام سخط الأمة العربية، وغضب القوي الإسلامية،  وظهور بوادر مقاومتهم وضرب مصالحهم، روجوا لفكرة خبيثة نميسة، تتمحور في ثلاث:

1 - الصراع ليس بين عقيدتين (إسلامية عربية ، غربية أمريكية) بل بين ثقافتين داخل العالم العربي (متنورة متعولمة ، محافظة إقليمية).

2 – الشعب العربي يعاني من "الماسوشية" ، فهو يعبد جلاديه ويعشق قاتليه !

3 – الأمريكان قوم أخيار، قد جاءوا للإعمار، وللتنوير والتحديث، وتحرير المحابيس، لذا .. فالخير في وجودها وقدومها، ولنا في بلاد الجرمان (المانيا) لمثال!

ولأن الأمريكان لا يتحدثون إلا الإنجليزية والأسبانية، فقد "فوضوا" من يتحدث عنهم ويروج لهم من ناطقي العربية، من داخل الأمة أو من مزدوجي الجنسية !! فهم عنهم وكلاء لنشر هذا البلاء، بل وهناك من فوض نفسه، وسخر ذاته، دون تكليف أو تفويض صريح ، أملاً في عائد مستقبلي مليح .

- وماذا عن النية واشتقاقها من العقيدة أو استقراءها من التصرفات والسلوكيات؟

- سبق أن تحدثنا عن عقيدة الأمريكان ونوياهم، وفيها قلنا: أنها المقاصد والعزم أو قل "ما أنتوه"، وعلي نطاق زمني بعيد ألمدي خططوه، وكما في علوم الإدارة الحديثة ، فمن العقائد تأتي "النوايا والرؤى" ، ومن النوايا تأتي "الأهداف المقننة" ، ولتحقيق الأهداف لا بد من "أعمال محددة" ، ولأداء الأعمال لابد من "مصادر" مُسخرة ، وكل هذا في "جدولة زمنية" محضرة ، و لا ننسي "نقاط المراجعة" والاختبار ، للتأكد من صحة المسار !!. والشيء الغريب ، والأمر العجيب ، هو إعلان "نوياهم" ببجاحة ، وطرح خططهم بصراحة ، وتأمل تصريحات "باول" عن ما يسمي "بالأجندة الأمريكية" ، لتغيير المنطقة العربية ، في غضون العشر سنوات الآتية ، فليس هناك ما يخشونه أو يهابونه ، فهم قوة "وحيدة" مسيطرة ماجنة ، ونحن فرائس ، أليفة لطيفة ، مستأنسة داجنة ،  والخلاصة، أن نية الأمريكان، في الحرب والعدوان، والهيمنة والسيطرة، واضحة جلية، مهما تجملوا أو “تحنجلوا"، فالاجتياح آت .. عاجل .. بلا روية !

أما عن تصرفات "الوكلاء" و "الكومسيونجية"، فهي تشي بحقد دفين، و غل غليل، من عقيدتنا الإسلامية، أو جهل مكين، بالتعاليم الإلهية، أو نفس دنيئة انتهازية، تترقب مكافأة أو عطية !!. والخلاصة، أن أفعالهم وتصرفاتهم وسلوكهم ، يشي بتوافقهم وتناغمهم ، مع النوايا الأمريكية ، لشن العدوان علي الأمة الإسلامية.

- ولكن هناك مصادر إعلام محترمة ، لها سمعتها ومكانتها، يشترك بعض كُتابها في الهجوم ؟

- بداية ، من الممكن أن بكون البيت مليح ، وأحد سكانه قبيح !! ، وثانيا ، أن كل مصادر الإعلام المستقلة أو المعارضة، قد تم وئدها أو تحييدها ، ولم يتبق إلا من هو في "معية" السلطة ، وثالثا، أن هناك من رصد الأحداث وأخبارها ، ووعي أهوال وأفعالها ، وأدرك بشاعة آثارها ، وعرف أنه في تلك الأيام "من يشمخ بأنفه ، يقع في حتفه" ، فآثر السلامة وتجنب الندامة ، وهناك من فضل الانخراط في "الزفة" ، وتوجيه أشرعته حيثما تميل الدفة !!!!.

- ومن هم أولئك الوكلاء ؟

- لهم أشكال عدة، وأنواع شتي، منهم من في العالي من المناصب، ومن في الراقي من المراتب، ومنهم الظاهر أمام الأعين زنهار، ومنهم من يلعب خلف الستار، ومنهم هنا في بلادنا، ومنهم خارج حدودنا، ومنهم من يتحدث العربية، ومنهم من يلوك بالأعجمية، ويمكن بالعموم نُصنفهم، ولكن "للاحتراز" لا نُوصفهم !!!، ونقول بعض من الأتي :

1 – أرباب السياسة، من فشلوا في إدارة الصراع، وتكشف جهلهم، وبان ضعفهم، ولتبرير فساد سياستهم، وبطلان رئاستهم، تبنوا "منطق" الأمريكان، وتبرير العدوان، وتحولوا علي أمتهم وعقيدتهم، لحفظ مناصبهم ومقاعدهم.

2 – أصحاب المناصب والمراتب، ممن يوقنون أن الأمريكان قادمون قادمون ! ، فآثروا تقديم "السبت" لينالوا “الأحد"، طمعا أن يكرر الأمريكان، ما فعلة العثمانيون زمان، بتولية بعض المماليك، مناصب ومقاليد، لإدارة شئون المحروسة، بعد ذبح ألغوري وطومان باي على باب زويلة !!!!! ، (وبالفعل طبق الأمريكان تلك السياسة بالعراق المحتل).

3 – أصحاب الفكر العلماني، وأعداء الدين الإسلامي، وأصحاب الأيدلوجيات الشائنة، وكل من ينتهز الفرصة لإعلان مكنونة ودفائنه.

4 – العملاء المأجورون، والمندس فينا من المنافقين، لا يعلمهم إلا الله، ومن فتح عليهم بعلمه من المؤمنين.

5 – من يقوم بتصفية حسابات، من أنصاف الكُتاب، وأرباع المثقفين، وأثمان المفكرين، ضد الرموز من الكُتاب الإسلاميين، والذين كانوا لهم مترصدين، يكشفون جهلهم وضحالتهم وضآلتهم وفكرهم المشين.

6 – الجاهل الجهول، والضال المضل، أصحاب العقول المجدوبة، والقدرات المحدودة، ورغم هذا، فتطلعاتهم ممدودة ! .

7 – أصحاب الرخيص من الأعمال (بيزنس)، والساقط فيما يسمي “فنون"، والذين تسلقوا المناصب، واحتلوا المراتب، وسُلط عليهم الضوء، في هذا الزمن السوء، والذين ترصدهم ورصدهم الكُتاب الإسلاميين،  وكشفوا دناءة أعمالهم وفجر أفعالهم.

- واضح أن المرحلة القادمة هي صراعات أقلام وأقوال ومانشتات ومقالات، لاستعداء السلطة، واستجداء الأمريكان، الذين يترقبون ويتفرجون، بالتوازي مع استعدادهم وما يعدون، وفي الوقت المناسب .... سينقضون !!!!

- صدقت ، لقد عم العدوان ، والله المستعان .