هل تريد "إسرائيل" السلام حقاً؟!

 

 

 

بقلم :أ.د.مصطفى رجب

 

 

هللت الأمة العربية وكبرَّت، وطبّلت وزمَّرت، حين اجتمع مجلس الوزراء الصهيوني وأعلن قبوله - المشروط - لخريطة الطريق، وبدا الفرح والسرور في الإعلام العربي الرسمي، وفي أكثر التصريحات الرسمية، بدا الأمر كما لو أن العرب حققوا ذلك بقوة السلاح، وبالنصر المؤزر!!

 

والعجيب حقاً، أن الأنظمة الرسمية - سياسياً وإعلامياً - التي هللت وكبّرت لهذا النصر الساحق، والفوز الماحق، تتجاهل عامدة أن الصهاينة اشترطوا لقبول خريطة الطريق شرطين قاتلين للطموح العربي وهما:

 

1 - عدم إثارة قضية القدس.

 

2 - عدم عودة اللاجئين، وإن رؤى عودة بعضهم فلتكن عودتهم إلى ما سيخصص للفلسطينيين من بقية أرضهم، لا إلى الأرض المغتصبة، وبذلك أسقطت "إسرائيل" عملياً، حق الفلسطينيين والعرب والمسلمين في السيادة على عاصمة فلسطين التاريخية: «القدس»، وأسقطوا كل احترام واجب للاتفاقيات الدولية بشأن اللاجئين.

 

وبالرغم من ذلك كله، هلل العرب وطبلوا وزمروا، باستثناء الرئيس اللبناني إميل لحود الذي صرح بأن قبول "إسرائيل" لخريطة الطريق، ما هو إلا مناورة، ويفهم من هذا التحفظ للرئيس اللبناني أن "إسرائيل" تود تطبيق المواد الأولى مما نصت عليه خريطة الطريق، أعني تلك المواد المتعلقة بضمان أمن "إسرائيل" عن طريق نزع أسلحة الفصائل الفلسطينية المجاهدة بالسلاح مثل «حماس و«الجهاد الإسلامي» وفي مرحلة لاحقة: تقوم السلطة الفلسطينية بتسليم قيادات تلك الجماعات لسلطات الاحتلال الصهيونية ليلحقوا بمروان البرغوثي وغيره ممن تعج بهم سجون الصهاينة ويمثلون أمام محاكم "إسرائيل" الشكلية كما تفهم نظرية «المناورة» أيضا من خلال ما تشير إليه خطة «الطريق» من ربط بين قيام دولة فلسطينية «مؤقتة» من جهة وبين الوضع في سوريا ولبنان من جهة أخرى.

 

فمن المعروف أن الوجود القوي لحزب الله في الجنوب اللبناني يمثل هاجساً مقلقاً للكيان الصهيوني، فقد أجبرت المقاومة الباسلة لحزب الله جيش "إسرائيل" على الانسحاب من طرف واحد، وفوراً، وبدون شروط مسبقة بعد اثنين وعشرين عاماً من احتلال الجنوب اللبناني، وبذلك فعلت قوة السلاح ما لم تفعله قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة، وآخرها القرار رقم 425 بشأن الاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية.

 

والذي تتوقعه "إسرائيل" خلال تطبيق المراحل الأولى من خطة الطرق هو أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بنزع سلاح حزب الله أو الحد من نفوذه وقوته، من منطلق ما صرح به شارون من أنه حصل من الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير وإدارته على وعود أكيدة بضمان أمن "إسرائيل" كمقابل لقبول "إسرائيل" خريطة الطريق، ولاشك في أن ضمان أمن "إسرائيل" لن يتحقق داخلياً فقط بتقليم أظافر الفلسطينيين بل وخارجياً أيضاً بـ «تأديب وتهذيب» حزب الله الذي أذل "إسرائيل" وأذاقها الهوان نيابة عن مليار مسلم في العالم!!.

 

لكن السؤال الأهم في هذا السياق هو: هل تريد "إسرائيل" السلام حقاً؟ المتفائلون من مطبعي العلاقات والمرتزقة باسم السلام يؤكدون ذلك، في حين ينفي المتشائمون ذلك، وكلا الطرفين له من الحجج ما يؤيده فالطرف الأول يستند إلى مواقف بضع تجمعات سياسية محدودة الأثر داخل "إسرائيل" مثل جماعة «السلام الآن» وغيرها ممن يبتغون السلام وأما المتشائمون فيستدلون بنتائج الانتخابات الإسرائيلية التي تمت منذ بدأت مسيرة السلام بزيارة أنور السادات لإسرائيل عام 1977، حيث تظهر النتائج في كل انتخابات: ميل الشعب الإسرائيلي إلى انتخابات أكثر المرشحين تشدداً إزاء الفلسطينيين ظهر ذلك بنجاح نتنياهو سنة 1996، ثم سقوط ايهود باراك ونجاح أرييل شارون مرتين مما يعني أن "إسرائيل" تخاف من السلام لعدة أسباب أهمها:

 

1 - إن اعتمادها الأساسي في الدعم الاقتصادي والعسكري على الولايات المتحدة يرجع أساسا لكونها «في حالة حرب» وهذه الحرب من أجل حماية المصالح والثقافة الأمريكية والنموذج الأمريكي للحرية وحقوق الإنسان، وهذه الحرب ضد جماعات من «الرعاع» الذين يسمون بالعرب وهم أقوام أجلاف لا يعرفون الديمقراطية ولا الحرية ولا حقوق الإنسان، وبالتالي فإن "إسرائيل" تصبح - كما تقول - بمثابة «فيلا فاخرة وسط مجموعة من العشوائيات (العشش»!!.

 

2 - إن "إسرائيل" ذات الطابع التلمودي «التوراتي-الأيديولوجي، تدرك حتمية أنها إلى زوال طبقاً لنصوص مقدسة معروفة لديهم، ومن ثم فإنها تود أن تبقى أطول وقت ممكن على قيد الحياة، وفي حالة استنفار دائم، إذ أن استقرار الوضع في ظل السلام سيمنح العرب فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الأوضاع وتوحيد الصفوف تمهيداً لخوض المعركة الفاصلة بينهم وبين اليهود.