بقلم : ابراهيم العبسي
بعد الساعة السابعة مساء تتحول بغداد الى
مدينة اشباح يلفها ظلام مخيف وتبدو فيها البنايات العملاقة وكأنها مخلوقات اسطورية
طالعة للتو من قلب العتمة وتوشك على الانقضاض على شيء ما. اما الشوارع فتبدو مثل
الافاعي الخرافية تتمدد داخل وحول المدينة كأنما تتهيأ لتلتف حول رقبتها وتنتزع
انفاسها مع ان الانفاس خلف بوابات البيوت البغدادية المغلقة باحكام شديد تبدو
وكأنما توقفت تماما عن دورتها. لا ضوء في المدينة سوى بعض الاضواء الواهنة
المنبعثة من نقاط بعينها او من السيارات الغامضة التي تشق طريقها عبر ليل بغداد
بسرعة جنونية لسبب ما ولغرض ما. ولا صوت سوى انفجار طلقات مذعورة تنبعث فجأة من
بنادق جنود الاحتلال الذين اضحوا اما داخل دباباتهم او في الازقة الضيقة بين
البنايات العالية، وربما تكون بعض هذه الطلقات صادرة عن عصابة من اللصوص اقتحمت
مكانا ما في المدينة. هذا ما افضى به الي صديقي سميح احد اهم عشاق بغداد الذين
عرفتهم، والذي عاد لتوه من المدينة المنكوبة بعد ثلاثة ايام فقط من مغادرته لعمان.
قال سميح: لم احتمل البقاء اكثر، فقلبي اضعف من ان يرى بغداد ذليلة ومستباحة على
صورة لم تكن تخطر لي حتى في اشد الكوابيس القومية التي مرت في حياتنا. ثم انه لم
تتح لي الفرصة لانجاز العمل الذي ذهبت من اجله.
واضاف صديقي المفجوع حد النحيب: لا امن في
بغداد على الاطلاق. لا امن للزائر، ولا امن للمواطن، ولا امن لقوات الاحتلال.
فالفنادق تغلق ابوابها قبل الساعة السابعة مساء ومع ذلك جرى اقتحام مسلح لعدد
منها، ونهب اموال النزلاء. والبيوت المحكمة الابواب فيخيل اليك انها ترتجف رعبا
طوال الليل. وان احدا داخلها لا يعرف النوم، حتى مطلع الشمس.
اما دور العبادة التي لم تسلم من الاقتحام
والسرقة فتبدو في قمة البؤس والامتهان ولا تحتمي الا باللّه وبالصلوات المبالغ
فيها احيانا. وبالنسبة للدوائر والمؤسسات الحكومية والمدنية فقد تحطم معظمها او
احرق او طاله التخريب ولم يعد فيها ما يغري باقتحامها من جديد هذا بالنسبة
للمؤسسات والدوائر التي تخدم المواطنين العراقيين. اما تلك التي وضع المحتلون
ايديهم عليها، فهي محروسة باعداد غفيرة من الجنود المدججين بالسلاح، والذين يطلقون
النار على كل من يجرؤ على الاقتراب منها.
ومضى سميح يتحدث في حزن ثقيل: ماذا اقول لك
اكثر!! ثمة عصابات لا حصر لها ولا عدد، مجهولة الوجوه والجنسيات، تطلع من قلب
الليل لتقتحم كل مكان احيانا بهدف الترويع والقتل، واحيانا بهدف السرقة والنهب
والتخريب.
اذ لم يعد ثمة حرمة او قداسة لشيء، حتى خطوط
المياه، وكيبلات الكهرباء واجهزة المستشفيات ومعدات محطات النفط يجري تخريبها او
نهبها. هذا ما يحدث في ليل بغداد الراعب الطويل. اما في النهار -يواصل سميح كلامه-
فثمة متظاهرون في كل شارع وميدان وساحة. خليط من الرجال البغداديين الذين انكسرت
ارواحهم يطالبون بتوفير العمل وتأمين لقمة العيش. والماء الصالح للشرب، وثمة منهم
من يهتفون بغضب مطالبين برحيل الاحتلال والذين غالبا ما تواجههم قوات الغزو باطلاق
النار. واذا ما سألت عن الاسواق فهي شبه مغلقة وخاوية وثمة من يحمل سلاحه ليحمي
متجره.
وعند محطات البنزين تصعق حينما تشاهد طابورا
من السيارات الصغيرة يمتد لاكثر من كيلو مترين في انتظار الدور للحصول على بضعة
جالونات من البنزين في بلد ينام على بحر من النفط.
والملاحظة المدهشة ان البغداديات لم يعدن
يخرجن للشوارع الا برفقة الاهل، الذين يتحركون بحذر شديد، حتى الطالبات توقفن عن
الذهاب الى المدارس والجامعات خوفا من الاختطاف والاغتصاب، والملاحظة الاكثر مدعاة
للدهشة والاثارة، هي ازدياد اعداد المتسولين، الذين نادرا ما يتصدق عليهم احد،
ربما لان احوال الاخرين ليست افضل من احوالهم.
وحينما سألت سميحا: ما تفسيرك لكل هذا الذي
يحدث، قال: من الواضح ان هناك مخططا مدروسا ومعدا سلفا من سلطات الاحتلال بهدف
اشاعة الرعب والجوع والموت في اوساط العراقيين من اجل تركيهم واذلالهم وكسر
نفوسهم.
ولكن هذه السلطات عاجزة عن السيطرة على بغداد
والمواطنين البغداديين، لا سيما بعد ان بدأت المقاومة العراقية عملها المنظم. واذا
ما ارادوا السيطرة فعلا على بغداد فهم بحاجة الى مائتي الف جندي ليرابطوا في بغداد
وحدها، انهم يشعرون بعجزهم عن السيطرة على هذه المدينة العصية على الانحناء. ولذلك
طلبوا من اكثر من خمسين دولة في العالم ان تزودهم بأعداد اضافية من الجنود، ومع
ذلك لن يقدروا على اذلال وتركيع بغداد.