بقلم: محمد عبد التواب
طالع جميع الشرفاء بكثير من الغضب بل والتقزز
تلك التصريحات التي صدرت عن السفير الأردني في واشنطن كريم قعوار التي يحرض فيها
علنا أصدقاءه -من أعداء ديننا وأمتنا وحضارتنا ووطننا وشرفنا وقيمنا الأصيلة- على
شحذ الهمم واستنهاض العزائم ومساعدة رئيس الوزراء الفلسطيني أبو مازن لشن حرب على
حركة حماس والجهاد الإسلامي.
والحق يقال أنه رغم الغضب والغليان الذي ملأ
علينا أفئدتنا، فقد شعر الواحد منا بشيء من السرور، لأن المفارقة بين الرغاليين
والمخلصين بدأت تزداد وضوحا وانكشافا، وبدأت القائمة تستقبل أسماء جديدة تنبئ بشكل
علني سافر عن مكنونات القوم التي لم تعد تخفى على أحد.
وإذا كان الشهيد أبو إياد (صلاح خلف) قد قال
ذات مرة أنه سيأتي يوم تصبح الخيانة فيه وجه نظر، فالملاحظ فيما استجد أنها أصبحت
عند الكثير من ولاة الأمور وجهة النظر الرسمية للدولة يجاهرون بها دونما حبة خردل
من حياء.
سمعنا أحدهم ذات مرة يدعو الأمة قاطبة أن
تحذو حذوه في التخاذل الذي يسميه واقعية والانهزام الذي يسميه عقلانية ويدعوهم أن
يتوسلوا إلى الولايات المتحدة!!
وسمعنا غيره أيضا (من رغاليي واشنطن) يتهم
الإخوان المسلمين بأنهم مصدر الإرهاب في العالم العربي، بالرغم من أن حركة الإخوان
المسلمين تعتبر من أكثر الحركات الإسلامية عقلانية وبعدا للنظر في التعامل مع
الحكومات سواء الرغالية أو غيرها.
وليس يخفى على أحد أن حركة حماس هي شكل من
أروع الأشكال النضالية الحضارية التي انبثقت من رحم حركة الإخوان المسلمين، حيث
يشهد القاصي والداني لهذه الحركة بأنها من أكثر الحركات الجهادية حكمة وبعدا للنظر
وتغليبا للمصلحة العامة على المصلحة الحزبية الضيقة.
ولقد قبضت الحركة على الجمر وتجرعت العلقم
وصبرت وتحملت الكثير وكان دائما شعارها "لن نرفع سلاحنا إلا في وجه
عدونا". ولم يكن هذا الشعار بلا مضمون؛ بل طبقته الحركة بكل مصداقية وأمانة
وحرفية على أرض الواقع، وبهذا نالت الحركة احترام الكثير من الدول والأحزاب على
المستوى العربي والإسلامي والعالمي.
حركة حماس – بحسب موقعها وأيديولوجيتها- فإن
لديها مشاريع كثيرة، وتقع على عاتقها مهام صعبة، فهي حركة إسلامية تحمل المشروع
الإسلامي الكبير ويخيم عليها الهم الذي يؤرق مضاجع المخلصين على امتداد العالم
الإسلامي، وهي حركة وطنها عربي تتألم لحالة الذل والرغالية التي تسيطر عليه من
محيطه إلى خليجه، وهي قبل ذلك كله حركة فلسطينية تحررية لم تكن ولن تكون أقل حرصا
على تحرير وطنها واستعادة حرية شعبها من غيرها من التنظيمات والأحزاب الفلسطينية
المقاومة الأخرى.
عندما تصدى أبو رغال لأبرهة وتكفل بإنجاز
مهمته على الوجه المطلوب تماما، كان يعرف أنه يخون رب هذا البيت العظيم ولكنه لم
يكن لينظر إلى العواقب الدنيوية أو الأخروية. أما الرغاليون الجدد فهم حالة مختلفة
تماما؛ فهم يحملون شعار فرعون "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل
الرشاد"، ويرفضون الاعتراف بهذا المرض الذي يسرى في عروقهم ويتدفق في
شرايينهم ويسيطر على عقولهم.
وأما قمة شرم الشيخ فقد تجسدت فيها حالة
الرغالية التي تسيطر على حكام الأمة وولاة أمرها، والحقيقة أنه في كل يوم جديد
تزداد هذه الحالة وضوحا.
حركة حماس وتنظيمات المقاومة الفلسطينية لم
ولن تأبه أبدا لرغائيات الرغاليين، وستمضي في طريقها تحمل منهجها ورسالتها، وتحمل
همها وحرصها على شعبها ووطنها وأمتها، والله حافظها وهو مولاها.
أشعر بالحزن الشديد لمصير الرغاليين الجدد،
فهم أولا لم يفوزوا بالسبق في هذه الحالة؛ فالتاريخ يزخر بالكثيرين ممن نقشت
أسماؤهم في سجل العار الأبدي وكان لهم السبق في تجسيد هذه الحالة المزرية. فأبو
رغال العربي كان سباقا، وعندما رفض الجميع مساعدة أبرهة، ظهر أبو رغال ليكون أباً
لرغاليي العصر.
التاريخ يذكر عن أبي رغال أنه عندما أشرف على
نهاية مهمته، وبجوار مكة، وفي مكان يقال له المغمس -كان يستخدمه أهل مكة كمجمع
للنفايات والجيف- مرض ومات ودفن فيه؛ وأما أبرهة الحبشي فأنتم تعلمون ماذا حل به،
وأما البيت –بيت الله- فهو شامخ عزيز إلى يومنا هذا.