خيانة المثقّفين العرب في القاموس الصهيوني

 

 

 

بقلم :سمير عطية

 

 

من العسير على القارئ أن يجد قصيدةً لشاعر فلسطيني لا يلمح فيها طيف الوطن ، تماماً مثلما هو العسير أن تجد مقالاً لأحد كتّابه لا تكون القضية  الفلسطينية بمختلف تشعباتها حاضرة فيه!! .

 

من الصعب أن تُقلِّب صفحات الجرائد في الوطن العربي دون أن تجد شعراً عن فلسطين ، أو خبراً عن أدبائها ، أو نقاشاً بين السطور عن بعض انعكاسات هذه القضية و دراسات تأخذ مكاناًَ بارزاً من مساحة الصحيفة ..

 

كما يكاد من المستحيل أن تقع بين يديك صحيفة عربية أو مجلة لا يناقِش فيها المثقّفون العرب آخر المستجدات على ساحة الانتفاضة ، أو دراسة لتداعيات محتملة هنا أو هناك لهذه "القضية المُزمنة" .

 

بل العجيب أيضاً أن الأدب الفلسطيني بشكلٍ خاص و الثقافة الفلسطينية و العربية بشكلٍ عام أصبحت عبارة عن نسيج من القضايا التي يتداخل فيها الأدب مع التاريخ ، و تتمازج فيها السياسة مع الأيدولوجيا و هكذا ، لتشكّل في النهاية صورة خاصة و لوحة مميزة بالمشهد الفلسطيني .

 

أطلَّت على ذهني كثيرٌ من  هذه الأفكار و الخُلاصات عندما قرأتُ اليوم مقالاً للكاتب الصهيوني سيفر بلوتسكر تحت عنوان صارخ و مثير للانتباه "خيانة المثقفين" ، يحمل فيه على المثقفين العرب ، نشره في الثاني من حزيران في صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية .

 

عندما دخلت بين ثنايا كتابته وجدت من الضروري بمكان أن أضع عدداً من التعليقات التي أرى أن تجد طريقها إلى أبناء شعبنا و أمتنا ، فكيف و الهجوم الصهيوني هذه المرة يأخذ طريقه إلى الثقافة و المثقفين ، أي حماة الهوية و من بأيديهم تحديد ملامح هذه الأمة .

 

ربما البداية من حيث انتهى الكاتب لا تعبّر بالضرورة عن تفاصيل أخرى في مقالته التي نحن بصددها ، و لكن قد تكون مدخلاً مناسباً لهذه التعليقات ، حيث يقول في نهاية سطوره :

 

"طالما لا تكون المصالحة مع (إسرائيل) في أعماق الوعي العربي كاختيار طبيعي و مرغوب فيه منهم أنفسهم ، بل كخطوة مفروضة - مفروضة من الولايات المتحدة ، مفروضة من اللوبي اليهودي ، مفروضة من العولمة - فإن آمال السلام ستكون قليلة جداً" .

 

و هو و إن أصاب جزءاً من الحقيقة في أنّ عمق الوعي العربي سيكون رافضاً لأيّ فكرة مصالحة مع "العدو الصهيوني إن جاء مفروضاً ، و إن الآمال بحدوثه ستكون ضئيلة" ، أقول إن الأمل في "مصالحة بين الضحية و الجلاد سيكون معدومة لسبب بسيط يكمن في معادلة واضحة تسكن في وجدان الفلسطينيين و العرب و المسلمين ، مثقفين و بسطاء ، هذه المعادلة المعقدة و البسيطة تكمن في الاحتلال الذي يجثم على أرضنا رسمياً منذ خمس و خمسين سنة ، و أقول رسمياً لأن العصابات الصهيونية كانت تنخر في جسد الوطن تحت غطاء الانتداب البريطاني الذي هيأ لهذا الاحتلال أن يكون خنجراً استعمارياً في خاصرة الأمة" .

 

أقول هذا أيضاً لأذكر بما قاله إبراهيم طوقان قبل النكبة بسنوات :

 

 

 

لنا خصمانِ : ذو حولٍ و طَوْلٍ .. و آخرُ ذو احتيالٍ و اقتناصِ

 

تواصوا بينهمْ فأتى وبالاً ... و إذلالاً لنا ذاك التَّواصي

 

مناهجُ للإبادةِ واضحاتٌ .. و بالحسنى تُنفَّذُ و الرَّصاصِ

 

 

 

هذا الشاعر  الفلسطيني لا يزال يسكن في ضمائرنا ، و قصائده لا تفارق شفاه أطفالنا فهل يعتقد هذا الكاتب بعد ذلك أن نلغي ذاكرتنا حتى و لو لم يكن ذلك تحت ضغط اللوبي أو تأثير العولمة ؟؟

 

أعود بالقارئ إلى بداية المقال حين تحدّث الكاتب عن موافقة شارون على رؤية بوش السياسية "دولتان للشعبين" ،  و هو يتكلم عن هذه الموافقة كأنها هبة و تنازل من قبل رئيس وزرائه "و هكذا فقد سلَّم بوجوب تقسيم أرض (إسرائيل) بين دولة يهودية و دولة فلسطينية . و المعنى العميق للتقسيم بالنسبة لـ (إسرائيل) : عودة إلى حدود العام 1967 ، ناقص 5 – 6 في المائة ، بما فيها تجميد المستوطنات" !!! ..

 

أدعو القارئ أن يتابع أيضاً ما أعقبه الكاتب بعد ذلك مباشرة عن موقف رئيس وزراء السلطة : "القيادة الفلسطينية الجديدة أيضاً ، برئاسة أبو مازن ، وافقت على مبدأ التقسيم . و المعنى العميق للتقسيم بالنسبة للفلسطينيين : تنازل عن "عودة" اللاجئين الفلسطينيين إلى داخل (إسرائيل) و استعداد مؤكّد للعيش بسلام في دولة فلسطينية إلى جانب (إسرائيل)" ؟؟! ..

أين يريدون أن نذهب بتاريخنا إذن ؟؟ أين سنذهب بعشرات السنوات التي احترقت في المهاجر و المنافي و ما احترق الحلم في ضمائر أصحابها و هم يقبضون على مفاتيح العودة بكلّ عزم و إصرار ؟ أين ستذهب عشرات الأناشيد على شفاه الأجداد و الآباء و الأحفاد و هم يحلمون بالعودة ، العودة إلى ديار يطالبهم المحتل أن ينسوها مقابل أن يمنحهم "سلاماً على طريقته" ، و الذاكرة الفلسطينية تحفظ جيداً السلام الصهيوني الذي أوصل شارون إلى سدة الحكم في تل أبيب ، ذاكرة تتسع لجراحات قبية ، و نزف بحر البقر ، و مآسي صبرا و شاتيلا .

 

أين سيذهب غسان كنفاني الذي ألهب عواطف العرب قبل الفلسطينيين حين كتب "عائد إلى حيفا" ؟؟ و في أيّ ميدان سننفذ حكم الإعدام في قصائد "أبي سلمى - عبد الكريم الكرمي" و هو يحمل لهفته في تساؤله الدامي :

 

 

 

فلسطينُ الحبيبةُ كيفَ أحيا ... بعيداً عن سهولكِ و الهضابِ ؟!

 

 

 

هل قرأ قصة "صوب الوطن" للقاص "جهاد الرجبي" حين يدور الحديث عن الغياب  ، طبعاً لا !! و لن يفعل ، و لكننا نحتفظ بمثل هذه القصص في ضمائرنا ، هذه الضمائر التي تغيب دائماً عن قاموس الدخلاء . أتمثل بهذا المقطع سريعاً لأترك في ذهن القارئ صورة أدبية للمثقف و الأديب الفلسطيني الذي يُعتبر الرمزية الهامّة لدى المثقفين العرب في رسم المشهد الثقافي :

 

 

 

"رفع رأسه بصعوبة ، ثم قال و وجهه يرتعش بالبكاء :

 

·        لماذا رحلنا يا أبا الوليد ؟!

 

·        لم يكن خيارُنا .

 

·        هل لجأنا إلى هذه الأرض لتمنحنا الخبز المملّح بذكرياتنا عن رجولتنا المقهورة؟!

 

·        لا تفكّر في الماضي .

 

·        الماضي هو الوطن !

 

·        الوطن نحن !

 

·        و لكننا نموت ؟

 

·        نموت و يولد أبناؤنا .

 

·        يولدون في بيوت كالقبور ، خبزهم مرّ ، و ملامحهم مهجورة !

 

·        في هذه البيوت يولد فيهم الوطن !" ...

 

 

نعم ، في هذه البيوت يُولد الوطن ، و لذلك عاش الوطن فينا رغم أن الكثيرين لم يعيشوا فيه إلا نفسياً و معنوياً ، و حال الاحتلال أن نعيش فيه مكانياً . في عبارة مثل هذه أتساءل عن قوة الشخص الذي سيستطيع عبر اتفاقيات مشبوهة أن يُلغي من الذاكرة و النبض و الحلم هذا الكم من المخزون الملتهب بحب الوطن و الرغبة في عودة مشروعة لا تكون تحت حراب المحتلِّين ؟؟ .

 

و لذلك يسهل أن نفنِّد ما ذهب إليه  الكاتب حين قال إنَّ : "منْ يُصرُّ برفض عنيد للمساومة مع (إسرائيل) هم النخب المثقفة في العالم العربي" ؟؟

 

صحيح أن المثقفين العرب يحافظون على مشروعية قيمهم و مبادئهم  ، لكن ما كانوا ليستطيعوا أن يتمسّكوا عملياً بهذا الحق لولا شعبنا الفلسطيني المُجاهد و المُناضل ، إذن : الذي يصرّ على التمسك بحقّه أولاً هو الإنسان الفلسطيني العربي المسلم و المسيحي الذي يعيش المثقف أفراحه و أحزانه  وأشجانه وأحلامه .

إن الفلسطيني الذي يجود بأغلى ما أوجده الله على هذه البسيطة ، هو الذي يعبّر بأشكالٍ مختلفة و متعدّدة عن رفضه التذويب و رفضه التغييب و رفضه الانكسار أمام بندقية المحتل . خاصة و أن الكاتب يجمع الكثير من المغالطات و يتهم المثقّفين العرب بأنهم وراء الحملات الفكرية المحمومة التي يرسخونها في عقول أبناء الأمة : "تنتشر النظرية المغلوطة القاضية بأن اليهود ليسوا (أمة) بل (دين) ، و لأنهم دين ، لا حاجة لهم لدولة سيادية خاصة بهم" .

 

لن أستدعي كتابات الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي يفضح مزاعمهم حين كتب قبل أيام في صحيفة الاتحاد الإماراتية عن "الخطاب الصهيوني المراوغ" !! ..

 

لن أدلّل بحكايات الذين شهدوا لاحتلالهم بالخراب و التمزيق ، لن أقول للقارئ الكريم عليك أن تشاهد فيلم "مآذن في وجه الدمار" كي تردّ على مثل هذه الشبهات ، فطفلٌ فلسطيني ينزف دمه على قارعة الطريق في أيّ من الدروب العتيقة لفلسطين كافية لفضح هذه المزاعم ، و أيضاً لاستثارة مكنون "المثقفين العرب" لتسجيل المشاهد في صور كتابية ، و قصائد محكية عن الاحتلال البغيض .

و هذه الحالة الثقافية هي ردّة فعل طبيعية لأنها نتيجة لوجود الاحتلال لا كما يزعم الكاتب ، محاولاً أن يتباكى على أسوار الكلمات حين يقول : "شعراء (إسرائيليون) يحتجّون بأشعارهم على الاحتجاج ، و شعراء عرب يُمجِّدون بأشعارهم العمليات . هم و رفاقهم في القلم يحثّون الفلسطينيين في غزة و في رام الله على البقاء "في انتفاضة مستمرة" ، انتفاضة هي بالنسبة للمثقفين المحبطين نوع من التسامي الروحي الذي لا يكونون فيه مطالبين بالتضحية بأيّ شيء غير الكلام الذي يتصبّب حقداً .. و هكذا يخون المثقّفون العرب إخوانهم الفلسطينيين قبل كلّ شيء" .

 

ماذا كان يتوقع هذا الكاتب من الشاعر المصري فاروق شوشة أو الشاعر السوري سليمان العيسى ؟؟ أو الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح أو الشاعر المغربي حسن الأمراني ؟؟ أو غير ذلك من آلاف القصائد التي احتضنتها صفحات الكتب و المجلات و الجرائد منذ بداية انتفاضة الأقصى حتى اليوم ؟؟ هل كان المطلوب أن ينسلخ المثقف عن شعوره الإنساني و هو يرى الهولوكوست الصهيوني بحق الطفل محمد الدرة ؟؟

هل كان سيكّذب كاميرات العالم و هو يرى الطفلين شهيد و ملاك على كفن الردى ؟؟ .

 

هل سنتنكّر لـ "محمود أبو هنود" و المئات من إخوانه المجاهدين و المناضلين و هم يقدِّمون أرواحهم في سبيل كرامتنا ، و يفرشون بدمائهم الطريق إلى حرياتنا و عودتنا ؟..

 

إن فلسطين هي المداد الذي ينبض في كلّ قلم ، و الروح التي تسري في أرواح المثقّفين على مرّ سنوات طويلة لما تمثّله في الوجدان العربي و الإسلامي من مكانة و رمزية لا يستطيع من هو مثل "سيفر بلوتسكر" أن يعترف بذلك ؟؟ حتى و لو سردنا قائمة طويلة بأسماء دواوين الشعر و القصص و الروايات الأدبية ، أو انتقلنا إلى الدراسات أو كلّ حرفٍ يسكن في أبجدية فلسطين الثقافية التي هي بلا شك جزء من أبجدية المثقفين العرب .

يتطرّق الكاتب لأمور أخرى في مقالته ، لست بصدد التطرّق إليها لأنني أدافع في هذا المقال عن حقّ مُضيّع لا يعيده إلا أهله ، و أطالب بعدالة لا تكون إلا تحت ظلال السيوف ، أكتبُ مدافعاً عن ثقافة المقاومة ، و كلّ المثقّفين العرب و الأحرار الذين يدافعون عنها .

 

جميلٌ أنْ تثيرَ قصائدُنا في مدح الشهداء و بطولاتهم حفيظة هذا الصهيوني ، و إذا كنا نعدُّها قبل ذلك – أضعف الإيمان – في دعم أهلنا في فلسطين ، فيسرُّنا أن نجعلها من الآن فصاعداً أغاني على طريق الوطن ، و زغاريد في موكب الاستشهاديين ، و نقوشاً على مفاتيح العودة بإذن الله .