دم الانتفاضة ينتصر على دبابة شارون

 

 

 

 

بقلم :عبد القادر ياسين

 

طلب شارون يوم 5/3/2001، مهلة مئة يوم، لاغتيال «انتفاضة الأقصى والاستقلال». وبعد مرور أكثر من ثمانمئة يوم جلس الإسرائيليون على كرسي الاعتراف، بعد طول ممانعة ومكابرة، فأقروا بعقم الاغتيال والقتل الانتقائي، واستعصاء الانتفاضة على أبشع أساليب القمع والتنكيل، وباللجوء إلى أشرس ما في الترسانة الحربية الأميركية.

 

فجأة، وبما يشبه الإجماع، أقرت "إسرائيل"، يوم 20/ 5 الماضي، بعجزها عن مواجهة هذه الانتفاضة الباسلة.

 

لم تتخل "إسرائيل" عن مكابرتها طوعاً، بل بعد أن نفد صبرها، مع الارتفاع المفاجئ في وتيرة العمليات الاستشهادية، على مدى الأيام الثلاثة التي سبقت 20/5 (خمس عمليات)، قتل فيها اثنا عشر إسرائيلياً، فضلاً عن نحو مئة جريح.

 

صباح ذاك اليوم، قطعت الإذاعة الإسرائيلية، على لسان مسئولين إسرائيليين كبار، بأن دولتهم، استنفدت كل خياراتها العسكرية، تقريباً، لمحاربة المقاومة الفلسطينية». وشدد أولئك الإسرائيليون على أن لا نهاية لمهمة محاربة المقاومة»، حيث « لا وصفة سحرية لدى "إسرائيل" لمحاربة المقاومة».

 

لقد أعادت تلك العمليات الاستشهادية الخمس الأمن الإسرائيلي إلى المربع الأول، وكشفت وهم إمكانية إنهاء العمليات الاستشهادية، بتأثير العدوان الأميركي على العراق، إذ وقفت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية عاجزة أمام ظاهرة سرعة تجدد الخلايا المسلحة الفلسطينية، على نحو يفوق كثيراً سرعة تفكيك المحتل الإسرائيلي لنظيراتها.

 

في اليوم نفسه شن الكاتب الليبرالي الإسرائيلي، ألوف بن، في يومية «هآرتس»، هجوماً شديداً على رئيس الوزراء الإسرائيلي، آرييل شارون و«سياسته الغامضة»، التي أوصلت "إسرائيل" إلى المأزق، وانتهى بن إلى مساءلة شارون: «قل لنا إلى أين المسير؟» كاتب محافظ إسرائيلي، هو ناحوم برنياع، سخر، في يومية «يديعوت أحرونوت» من إعلان شارون بأنه لن ييأس. كما هزأ من فكرة ترحيل ياسر عرفات، «إذ» لن يبقى من تتهمه "إسرائيل" بالمسئولية عن العمليات التفجيرية. بينما يعلم الجميع بأن عرفات رهين مقره المحاصر بجنود الاحتلال، في رام الله، منذ هجمة السور الواقي» (29/3/2002)، حتى أنه لم يعد يمتلك وسيلة للاتصال، أو الحركة.

 

في السياق نفسه تهكم المعلق السياسي الإسرائيلي المرموق، بن كسيت، في يومية «معاريف» على فكرة ترحيل عرفات، إذ بغيابه «سيجد المسئولون الإسرائيليون صعوبة، في إيجاد مشجب، يعلقون عليه ذرائعهم على تردي الأوضاع». بينما «المقاومة تحاصر شارون، وتمنعه من مغادرة البلاد، منذ سبعة أشهر». ويخلص المعلق نفسه إلى أن «المنتصر هو من يصمد، حتى النهاية» هنا لم يجد شارون مفراً من الاعتراف بأن "إسرائيل" لا تستطيع احتلال مناطق الحكم الذاتي إلى الأبد. لكن وزير دفاعه، شاؤول موفاز، عاجله بتصريح صحفي، أكد فيه بأن "إسرائيل" ستواصل اغتيال القادة الفلسطينيين، وستستمر في اجتياح مناطقهم، ونسف منازلهم في جرأة، غير مستهجنة على الحق.

 

الخلفية

 

تضرب سياسة القتل الانتقائي بجذورها عميقاً في التاريخ الصهيوني، وإن تحولت هذه السياسة إلى ظاهرة، غداة اندلاع «انتفاضة الأقصى والاستقلال». وفي هذه السياسة لم تفرق القيادة الصهيونية بين العرب -فلسطينيين وغير فلسطينيين- وبين أجانب، بل حتى يهود وصهاينة، عارضوا تلك القيادة. والسجل حافل في هذا الصدد.

 

المزاعم

 

تزعم "إسرائيل" بأن القتل الانتقائي يجنب المدنيين الفلسطينيين العزل القتل، بينما 80 في المئة من مجموع شهداء الانتفاضة مدنيون، و1 في المئة من قادة العمل العسكري، ومخططيه، وكوادره الماهرة. إنهم يقتلون، عشوائياً ليحافظوا على ما سرقوا، وانتقائياً ليفقدوا الشعب الفلسطيني رأسه.

 

أما الزعم الإسرائيلي بأن القتل الانتقائي جاء للتخفيف من الأعمال العسكرية الفلسطينية، فمردود عليه بأن هذه الأعمال تأتي رداً على الهجمات الوحشية الإسرائيلية، كما أنها في سياق الدفاع، فضلاً عن أن العمليات الاستشهادية ممر إجباري للشعب الفلسطيني الذي اختل ميزان القوى العسكري ضده، تماماً، فيما انقلبت المشاركة العربية المنتظرة إلى النقيض. وعليه فإن القتل الانتقائي الإسرائيلي يرفع وتيرة تلك العمليات.

 

الأهداف

 

تهدف "إسرائيل" إلى تجريف فكرة المقاومة من أذهان العرب، وفي المقدمة منهم الفلسطينيين بما يخلق قيادة فلسطينية جديدة تتكفل باغتيال الانتفاضة، نيابة عن "إسرائيل"، وفي هذا تسلك "إسرائيل" طريق «الردع» الصهيوني العريق، القاضي بإنزال خسائر بشرية كبيرة بالفلسطينيين، بينما يدفعهم على التراجع عن فكرة مواجهة "إسرائيل".

 

إلى ذلك بالقتل الانتقائي تواصل "إسرائيل" تدخلها في صنع القرار السياسي الفلسطيني، باغتيال القادة الحاسمين، وتعزيز دور القادة الرجراجين.

 

الشعبية

 

حظيت سياسة القتل الانتقائي بشعبية واسعة في "إسرائيل"، على مدى أشهر الانتفاضة الاثنين والثلاثين المنصرمة (أكثر قليلا ً من 60)، على أن المستهجن أن النسبة نفسها مع حل سياسي للفلسطينيين، يقضي بإزالة المستوطنات، ولكن بعد تليين رأس الشعب الفلسطيني بضربات شارون الشرسة.

 

بلا مردود

 

لقد حد من فاعلية القتل الانتقائي الإسرائيلي، أولاً لاعتماد الفصائل الفلسطينية صيغة التنظيم العنقودي، التي تخفف كثيراً من التأثر السلبي بالخسائر البشرية وثانياً لتصاعد التأييد الشعبي الفلسطيني للعمليات الاستشهادية، في سياق الرد على الهجمات الإسرائيلية، وأخيراً فإن الإدانة العالمية تتصاعد لتلك السياسة. مما أظهرها بلا مردود يذكر، أو جدوى.

 

لقد أكدت الغارة الجوية الإسرائيلية على منزل القائد العسكري لحماس، الشيخ صلاح شحادة، مساء 23/7/2003، بأن "إسرائيل" لا تريد تسوية، ذلك أن الاتحاد الأوروبي كان توصل مع الفصائل الفلسطينية، في ذلك اليوم، إلى الموافقة على هدنة، وقد استشهد مع شحادة أربعة عشر مدنياً، دون أن يرمش لإسرائيل جفن مما يؤكد نهم شارون لمزيد من شلالات الدم في الطرفين.

 

في "إسرائيل" ثمة ما يقرب من إجماع الرأي العام بأن الترسانة الحربية الأميركية بكل شراستها أعجز من أن تركع الشعب الفلسطيني، مما يحتم توفر أفق سياسي. ومن المستهجن أن يجور شارون وحزبه، بعد مسلسل الفشل المهين هذا، على الأغلبية البرلمانية، في الانتخابات التي جرت أواخر يناير الماضي.

 

في ركاب السياسة ارتبك الإبداع في "إسرائيل"، وتحولت نسبة غير قليلة من المبدعين الإسرائيليين إلى أبواق دعائية لجيش الدفاع الإسرائيلي، تزين جرائمه، وتبرر فظائعه ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وبعد، فلعل الإستراتيجي الإسرائيلي المعروف، (اسحق بن إسرائيل) قد أصاب كبد الحقيقة، حين أكد بأن «القدرة على الاحتمال ترجح كفة العرب..(و) على المدى البعيد يمكن أن ينتصر العرب، إذا ثابروا على رغبتهم في هزيمتنا».