قمم ولقاءات في ذكرى الهزيمة

 

 

 

بقلم : رأفت ناصيف

 

    في هذه الأيام الذي يتذكر فيها الشعب الفلسطيني ما حل به نتيجة الهزيمة والخذلان العربي الرسمي حيث سلبت حريته وأرضه وممتلكاته وخيرات بلاده وثرواتها، ودنست المقدسات، هذه الهزيمة التي دفع وما يزال ضريبتها دماء خيرة أبنائه الذين هبوا لاسترجاع الحقوق ولتحقيق الحرية متمردين على المعتدين مقدمين دماءهم وحاملين أرواحهم على أكفهم في سبيل الخلاص من ذل الاحتلال لتحيى الأجيال القادمة بعزة وكرامة كبقية شعوب العالم على أرض آبائهم وأجدادهم حالهم يقول: "نحن الجسور وجيل النصر يعبرنا"، ومع هذه الأيام الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني جراء العدوان الصهيوني المتصاعد والهادف إلى استكمال تشريد الشعب عن أرضه وسرقة ممتلكاته، ومن وسط كل الآلام بسبب الواقع والآمال بفعل المقاومة تأتينا الأخبار عن لقاءات  تعقد على الأرض العربية، بزعامة سيد العالم الجديد، في ذات الأيام التي تذكر العرب بهزيمتهم.

 

ولا ندري أهذا التوقيت كان مقصودا أم أنها المصادفة التي جعلته موعد اللقاءات التي ستبحث ذات القضية "القضية الفلسطينية" لإطلاق ما سمي زورا بعملية السلام على أساس خارطة الطريق التي نصب الصهاينة على كل خط من خطوطها إشارة تقول "طريق مسدود "طريق بلا مخرج" "ممنوع الدخول"، دون أن يسمح للفلسطينيين والعرب أو بتنازلهم هم طواعية عن وضع أية إشارة كانت إشارة تحذير " الطريق وعرة ".

 

ولا ندري أكان هذا التوقيت مقصودا ليبقى العرب يعيشون في الهزيمة وهواجسها خصوصا في هذا الوقت الذي أعطت فيه المقاومة الفلسطينية بوادر أمل بالخروج بالأمة من واقع النفسية المهزومة إلى نفسية القادر على صنع الانتصارات.

 

ولا ندري ما يمكن لهذه اللقاءات أن تعطيه للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية في هذا التوقيت!

 

أتعطيهم رسالة أمل أم رسالة حزن وألم وهم يرون أن المؤتمرون هم من تسبب في حالهم هذا!

 

أتعطيهم أملا بالحرية في ذكرى سلبها منهم أم أنها ستطالبهم بنسيان الحرية بحكم الواقع والمتغيرات!

 

أتعطيهم الأمل الذي يكبر في نفوسهم بفعل المقاومة أم تذكرهم بأنهم مهزومين ليخضعوا ويستسلموا!

 

أتريدهم أن يخرجوا كعادتهم ليعبروا عن غضبهم لما حل بهم جراء الهزيمة التي هم سببها أم انهم يريدون أن ينسوهم ذلك بدعوتهم للترقب والاستبشار بما ستأتيهم به القمم التي سئموها!

 

ما أشبه اليوم بالأمس لقاءات وقمم ومفاوضات تعقبها مؤتمرات وكلها تتحدث عن المعجزات التي ستحققها للشعب الفلسطيني وبين عشية وضحاها يتبين أنها سراب.

 

ما أشبه اليوم بالأمس، فبالأمس يجمع كلينتون القادة في شرم الشيخ ليعطي تعليماته بمحاربة النبض الحي في الشعوب الذي تمرد على الاستسلام والخضوع وأبى إلا أن ينال حقوقه كاملة رافعا راية المقاومة لتحقيق ذلك إذا ما أصر المغتصبون على سلبها منه ورفضوا إرجاعها لهم، يعطي تعليماته لحرب هذا النبض المتحرر من الانحناء إلا لخالقه سبحانه على خلاف كل النظام الرسمي العربي، فيقول ويأمر بوجوب اجتثاث هذا النبض الحي واستئصاله بحرب لا تعرف الضوابط ولا المحرمات ولا مجال لحقوق إنسان فيها أو حرمة لمقدسات، ولتسن القوانين لذلك وتغير المناهج وتنتهك حرمة المسجد ولتكمم أفواه الأعلام فكل ذلك مشروع لحرب أي نفس عربي وإسلامي يصحوا ضميره.

 

واليوم يأتي دور خلفه بوش ليجمع القادة في ذات المكان بعدما كان قد طرح علينا رؤياه وخارطته في هذا الوقت الذي يذكر العرب بهزيمتهم من جهة والذي يشعر فيه هو بأوج نشوته بعد أفغانستان والعراق وبعدما نصب نفسه سيدا للعالم بلا منازع وشطيا له.ليقول لمن سيلتقيهم:

 

تذكروا بأنكم الطرف المهزوم مذكرهم بالرابع من حزيران،وأن القاعدة تقول أن على المهزوم الخضوع وليس له الحق بالاعتراض أو الاشتراط.

 

يذكرهم بأنه السيد والشرطي والحكم الأوحد في العالم، وان زمن الأقطاب ولى من غير رجعة، فلا خيار إلا طاعته فيما يأمر ومذكرهم بكيفية سير الأمور بخصوص العراق.

 

يذكرهم بأن الكيان الصهيوني وصل إلى ما وصل إليه بجهد وتعب ودعم أمريكيا فهو كالابن المدلل لها لا تسمح بأن يصيبه أي سوء، فهو يتمنى فيحصل ويشترط فتلبى شروطه،وفوق هذا أنه الطرف المنتصر.

 

وسيطالبهم بما طالبهم به سلفه من شن الحرب على النبض الحي المتمثل بحركات المقاومة وخاصة الإسلامية منها، والعمل على تجريدها من كل عناصر قوتها بل والعناصر التي قد تكون زادهم دون إبطاء أو رأفة أو حرمة للدين أو المقدسات أو مناهج …الخ،مع إعطاء الأولوية لحرب الحركات الإسلامية بفلسطين وكل المقاومين للوجود الصهيوني في فلسطين،ودعم السلطة الفلسطينية في ذلك والتي بدورها مطالبة بشن أشد الحروب على الحركات الإسلامية والوطنية مهما كانت تداعيات ذلك على الساحة الفلسطينية حتى لو كان سيلان الدم الفلسطيني على أيديهم، فالمهم هو صون الدم الصهيوني.

 

وسيطالبهم كذلك بفتح دولهم أمام المد الصهيوني بشتى مجالاته الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية …، وإلغاء كافة القوانين والإجراءات المعيقة لذلك بل وسن القوانين المسهلة ذلك، فهم يحملون تصريح عدم ممانعة وتسهيل مهام صالح لكل زمان ومكان وغير قابل للمراقبة أو المتابعة.

 

وسيقول لهم بضرورة الاعتراف الواضح وغير المشروط بالكيان الصهيوني وحقه بالوجود في فلسطين والعيش فيها بأمان كامل المطلوب منهم تحقيقه للصهاينة ولو على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق.

 

سيطالبهم بحل قضية اللاجئين في بلدانهم فهم أولى بهم ونسيان حق العودة، كذلك موضوع القدس والاستيطان، وعليهم أن يهيئوا الشعب الفلسطيني لذلك.

 

ثم سوف يعدهم ويتهددهم فمن أطاع فسوف يعتبر صديقا للولايات المتحدة الأمريكية أما من تحدثه نفسه بغير ذلك فعليه أن يستعد ليكون ذكرى من الماضي كالرابع من حزيران وصدام وطالبان.

 

وأمام هذا فإننا سنشاهد في قاعات الاجتماعات الابتسامات العربية الأصيلة وهز الرؤوس معلنة القبول بكل التعليمات أملا بصداقة أمريكيا، مستأذنين ببقاء قبولهم سرا خوفا من الحرج أمام الشعوب، وسيخرجون لشعوبهم عبر الفضائيات والإعلام المسموع والمقروء والمكتوب يبشروا بأن اللقاءات كانت مفيدة ومعمقة وجدية،وأن  بوش حلف أمامهم الأيمان المغلظة بوضع كل جهوده لحل القضية وان لا يعدل الخارطة … .

 

أما شارون فهو ينتظر النتائج التي سيأتيه بها بوش ليتم إخراجها النهائي معه ومع الفلسطينيين الذين سيقولون هذا ما اجمع عليه العرب فلا أحد يمتلك الحق بلومنا على ذلك. وسوف يكتشف شارون أن بوش أكثر منه صهيونية وتحقيقا لإنجازات لصالح الصهاينة فما سيحققه لهم أكثر مما حلموا به.

 

والمحصلة ستكون تعزيز الهزيمة وإطفاء الشرعية للاحتلال بتوقيع عربي صريح،ولتحول الهزيمة التي سميت نكسة إلى انتصار سياسي للزعامات فالوجود الصهيوني ليس رغما عنهم وإنما هو نتيجة اتفاق،ويبقى الشعب الفلسطيني يعاني ومحروما من الحرية التي ستبقى رهن المزاج الصهيوني.