بقلم :د. ابراهيم علوش
لعل العقبة الأساسية التي تواجه المواطن
العربي المزمع على تبني المقاطعة منهجاً في الحياة اليومية تتمثل بمجموعة من
الأسئلة حول فاعلية قرار المقاطعة الفردي وجدواه. مثلاً: ما الفائدة، والجميع حولي
لا يقاطعون؟! وكيف ستتأثر الشركات الأمريكية والصهيونية بقراري بمقاطعة منتجاتها
ومبيعات بعضها أكبر من الدخل القومي لدول بأسرها؟! وعلى افتراض أنها ستتأثر، فكيف
ستنجح حملة المقاطعة الشعبية والأنظمة العربية تبيع البلاد والعباد بالجملة لهذه
الشركات وللحكومات التي تمثلها في واشنطن وتل أبيب؟! وهكذا..
باختصار، تنبع القناعة بعدم جدوى المقاطعة
الاقتصادية من شعور المواطن بأنه وحده، كفرد، غير قادر على التأثير في مواجهة قوى
فرعونية عاتية، وبالتالي، لا فائدة تذكر حتى من المحاولة. فلماذا يجلب على نفسه
مشقة المقاطعة والبحث عن، أو تطوير، بدائل للمنتجات الأمريكية؟!
وقد ينبع هذا الشعور بالعجز وانعدام السيطرة
على المصير من قرون من التهميش السياسي والقمع وحجز المواطن عن شؤونه العامة.
ولكنه يطرح، بالرغم من ذلك، بعداً أساسياً في موضوع المقاطعة هو بعد العلاقة بين
الفردي والجماعي فيها.
في البداية، لا بد من الإشارة أن المواطن
الفرد ليس وحده، بل هو الأغلبية. وبالتالي، فإن قراره بالمقاطعة يعني قرار
الأغلبية بالمقاطعة، وهو لذلك شديد الفعالية والتأثير. ولهذا تفزع الشركات
الأمريكية والحكومات العربية منه، وتحاول أن تشله بشتى الطرق، ومنها إقناعه أنه
عاجزٌ عن التأثير في أي شيء والعكس هو الصحيح، لأن المقاطعة الشعبية ككرة الثلج،
يكمن سر قوتها في تأثيرها التراكمي، فالفرد، في المحصلة، لا يعيش في فراغ، بل يمتد
في الجماعة اجتماعياً، وتمتد فيه ثقافياً. وعندما تصبح المقاطعة، كأحد أشكال
المقاومة، تقليداً وثقافة، يشيع تأثيرها من الجماعة إلى الفرد. بينما يتطلب وصول
الأمور إلى هذا الحد الفاعل اجتماعياً وثقافياً تبني عدد كافٍ من الأفراد ممارسة
المقاطعة كمنهج يومي. ببساطة، كي تثمر المقاطعة الفردية، لا بد من تصعيدها
وتعميمها على أوسع نطاق ممكن، لا التخلي عنها بحجة أنها غير مؤثرة.
والقرار الفردي بالمقاطعة يتراكم عددياً
ويؤثر في محيطه الاجتماعي، فيوسع أطرها حتى تشمل أحياء وقرى ومدن وأقطار بأسرها.
وبهذا يجوف وينخر بنى الهيمنة الخارجية على الوطن العربي، وينتزع بالمقاطعة ما
تجهد هذه القوى لتحقيقه بالقوة والتآمر والضغوط السياسية. فالمقاطعة هنا فعل سياسي
مقاوم واستراتيجي يحرم العدو من الثمار المادية لحملاته السياسية والعسكرية علينا.
ولو كانت أسواق الوطن العربي غير مهمة للشركات الأمريكية والصهيونية، على ما يزعم
بعض المعنيين بإحباط جهود المقاطعة، فلماذا كل هذا التآمر والتسويق والغزو لوطننا
العربي منذ أكثر من قرن؟! وكيف يكون النفط مهماً للغرب، ولا تكون عائداته النقدية
مهمة كقوة استهلاكية؟! وكيف لا تكون الأسواق العربية مهمة للشركات الأمريكية وهي
إما أكبر أو ثاني أكبر مصدر للمنتجات المستوردة في الأسواق العربية الأساسية مثل
السعودية ومصر والإمارات؟!
إذن، المقاطعة الفردية مهمة لأنها مدخل
المقاطعة الجماعية وأداتها التنفيذية الأولى.
بيد أن ذلك لا يعني أن المقاطعة الفردية تؤدي
وحدها بالجمع البسيط إلى المقاطعة الجماعية، أي إلى تقليد اجتماعي وثقافة مقاومة.
على العكس! ستصطدم المقاطعة الفردية بعقبات
كأداء مادية وسياسية، غير أوهام العجز المذكورة أعلاه، في غياب العمل السياسي
والإعلامي المنظم من القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بالدعوة لها. مثلاً، عندما
تتبع الحكومات العربية سياسة الترويج للمنتجات الأمريكية والصهيونية على حساب
المنتج المحلي، وعندما تصبح بنية الاقتصاد العربي تابعة للخارج، فإن جهود المقاطعة
الفردية تصبح أكثر تعقيداً، دون أن يعني ذلك أنها تصبح غير مؤثرة أو غير ممكنة.
بالمقابل، عندما تجد المقاطعة قوىً منظمة
تروج لها ولفوائدها وتدحض خصومها وتقاوم الانجراف الرسمي العربي نحو التبعية
للخارج وتضع الخطط لدعم المنتج المحلي والعربي، بكلمة واحدة، قوىً تجعل المقاطعة
جزءاً من مشروعها السياسي وتلتزم بخطوات عملية لتنفيذها، فإن جهود المقاطعة
الفردية تصبح أقل تعقيداً وأكثر قابلية للتعميم.
والنقطة الأخيرة بالتحديد تلقي العبء في
معركة المقاطعة على كاهل القوى والأحزاب والنقابات والجمعيات المعنية بها من ناحية
وضع البرامج والخطط لإنجاحها، دون أن يقلل ذلك من أهمية جهود المقاطعة الفردية خاصة
في غياب مشروع المقاطعة الجماعي المنظم على مستوى الوطن العربي ككل.
وللحديث بقية...