بقلم :د. احمد نوفل
كتب الكاتب البرازيلي ادريانو بينايون كتاباً
بعنوان: «العولمة نقيض التنمية»، وطبع مترجماً سنة 2002، ولما كان العالم قرية
كونية واحدة، وحالنا نحن واياهم من بعضه، فقد رأيت ان ألخص بعض أفكار الكتاب ثم
اعقب عليها تعميماً للفائدة، وتسهيلاً للقياس، فالعلة المشتركة تجعل الحكم على
الاشياء متحداً. فالرأسمالية المستغلة في العالم واحدة، والشعوب المستغلة (بالنصب)
أوضاعها متقاربة ان لم تكن واحدة. وتشخيص المرض في بلد يعفي المرء من تشخيصات
عديدة في بلاد متباعدة متعددة.
يطرح الكاتب بعض الاسئلة بهدف «فهم ما لا
يمكن ايضاحه»، وهذه عبارته، وهي كما ترى مشحونة بالدلالات، ومن هذه الاسئلة التي
«تطرح يومياً في البرازيل»، ومنها:
كيف يمكن تبرير الديون الفخمة الى جانب بيع
الثروات العامة الكبيرة؟ وكذلك البؤس المتنامي والبطالة الجامحة؟ علماً بأن البلد
يحتوي على اغنى الموارد الطبيعية في الكرة الارضية، ويمتلك قوة عمل كبيرة جداً
وماهرة في القسم الأغلب منها.
ثم لماذا لا يتوقف التدهور في الاوضاع
الاجتماعية والاقتصادية، على الرغم من تراكم رأس المال المادي والبشري، وتوافر
التكنولوجيا.
ويشير الكاتب الى ان نسبة نمو الناتج المحلي
الاجمالي من سنة 1910 الى سنة 1955 كانت في حدود 5% سنوياً، وان نسبة النمو تلك
كانت حقيقية، لا كما يتلاعب بها الآن عن طريق زيادة الفوائد على الديون او
الضرائب..
ثم يسأل كذلك: ماذا تفعل الشركات عبر الوطنية
(يصر على تسميته هذه ويرفض تسميتها بالشركات متعددة الجنسية لانها مخادعة..)،
يقول: ماذا تفعل بالارباح الهائلة الناجمة عن سيطرتها على السوق البرازيلية منذ
سنة 55؟ ويسأل أيضاً: اذا كان ما تجلبه الشركات عبر الوطنية (بعين مفتوحة..) من
رأس مال وتكنولوجيا أمراً حقيقياً، فلماذا يتنامى الفقر وتزداد الديون؟ ويعلق: انه
لو تمت المزاوجة بين رأس المال والتكنولوجيا مع الموارد الطبيعية والبشرية في بلد
كالبرازيل، فان الرخاء سيكون اكثر مما هو عليه في الولايات المتحدة.
ثم يجيب فيقول: ان الرد على هذه التساؤلات
يتلخص في ان ادعاء الشركات عبر «لا تنسى العين المفتوحة» الوطنية بابقائها لرأس المال
الذي تحصل عليه في البلد المضيف، ما هو الا كذبة سافرة، اذ انها تعمل بعكس هذا
تماماًً، حيث تقوم بتحويل الارباح التي تجنيها من السوق الداخلية الى الخارج، ولا
تقوم اطلاقاً بنقل التكنولوجيا التي تسخدمها.
كما انها تقوم بالقضاء على الشركات الوطنية
التي تمثل الارضية الوحيدة التي يمكن من خلالها تكوين رأس المال الوطني ونقل
التكنولوجيا وتطويرها محلياً. (لا داعي لاستحضار مثال محمد علي في مصر بالنسبة
لتجربتنا نحن العرب، ولا داعي كذلك للاستشهاد بشركات الريان والسعد التي تآمر
عليها اطراف محلية، والاعلام من أهمها، ولا استذكار شركة سلسبيل للكمبيوتر..!!)
ونعود للبرازيلي الذي يقول: «ان قلة فقط اخذت
تدرك الاستعباد العام الذي يجري العمل على اشاعته في الوقت الحاضر. حتى ان
السياسيين المحسوبين على المعارضة اخذوا يقبلون بالعولمة، ويدعون بأنها تنطوي على
بعض المنافع، او يقولون بأنها أمر لا بد منه. غير ان التخلي عن الحرية والقيم
الاخلاقية والمجتمعية لا يمكن التسامح فيه او جعله محل تفاوض.
ثم يتكلم الكاتب عن الصفقات المشبوهة
المتعلقة ببرامج تحويل الممتلكات العامة الى القطاع الخاص، وعمليات بيع الشركات
الاستراتيجية الاخرى المتخصصة في الاتصالات، وشركات الطاقة، وأصبح المسؤولون (أو
الناس) اكثر وعياً بامكانية قيام القوات العسكرية الاجنبية باحتلال المناطق الغنية
جداً بالمعادن في منطقة الأمازون(!!).
ثم ينبه الكاتب الى ضرورة تكوين وعي وطني
محصّن، وادراك ضرورة ايقاف تراكم موارد البلاد لدى الشركات عبر الوطنية، ومنع
تحويل هذه الموارد الى الخارج.
ثم يشير الكاتب الى الديون الخارجية التي تعد
اكبر من حجم الناتج القومي الاجمالي، والتي منها جاء التراجع الاقتصادي (!!).
واخذت الدولة تقبل بجميع الضغوط الخارجية على مواقفها السياسية والاقتصادية
والاجتماعية.
ونظراً لان تكاليف خدمة الدين اعلى من
الايرادات، فقد ادت هذه «الفوائد» الى ابتلاع الشركات الانتاجية الحكومية والبنية
التحتية، بحيث جعلت من «الخصخصة» مصدراً اساسياً للايراد من اجل تلبية الالتزامات
الملحة واخفاء عمليات الافلاس. ان عملية التدمير هذه في تصاعد مستمر(!!). لقد ادت
الصفقات التجارية التخريبية الى انهاك الشعب(!).
ويواصل الكاتب: لقد شوهت الحياة الاجتماعية
بوساطة القوالب الحياتية الجاهزة التي تروج لها وسائل الاعلام العالمية، وتم تدمير
القيم الاخلاقية المحلية وتسيير الافراد وكأنهم آلات بشرية اضافة الى تضليلهم من
الناحية المعلوماتية.. الخ.
وعلى هذه الشاكلة يسير الكتاب المشحون
بالحقائق والمعلومات والتحليلات ويسير في محاولة «فهم ما لا يمكن ايضاحه».
وأظننا لسنا بحاجة الى تعليق او قياس او
مماهاة بأحوال العالم العربي، ولا أظننا بحاجة الى قياس من نوع آخر، نقارن فيه ما
هو سياسي بما هو اقتصادي، لنقول، ان رهن الارادة الاقتصادية ادى الى الخراب الذي
نقلنا موجزاً شديداً له عن ذلك الكاتب، وان رهن الارادة السياسية، والحاقها
بالغرب، يحقق اضعاف الخراب الذي يحدثه رهن الارادة الاقتصادية.
وأظننا لسنا بحاجة الى التذكير بالمطروح
علينا في فلسطين على يد الزعيم الجديد الذي هبطت عليه الاضواء والشرعية بينما سحب
البساط بشكل تدريجي ومنتظم عن زعيمه: الزعيم السابق. وعش رجباً تر العجبا!
وكأن حديث الكاتب ليس عن ريو دي جانيرو،
وانما عن ريو دي كايرو، وبقية عواصم العربان.. والغربان!.