المحلل السياسي الاسرائيلي سيفر بلوتسكر كتب
في «يديعوت» مقالاً تحت عنوان «اتفاق بعد الحرب»، يحلل كيف ينظر كل من الفلسطينيين
والاسرائيليين، الى الاتفاق بين حكومة شارون وحكومة ابو مازن، وتحديداً ما هي
الاسباب وراء الوصول الى نقطة التلاقي والتفاوض، بعد سنوات من الصراع الدامي.
ما يهمنا هنا، ما يورده بلوتسكر على انه
الرؤية الاسرائيلية، وبحسب ما كتب «كما تتبلور في التحليلات التي تنشر عندنا في تل
ابيب». يبدأ بلوتسكر بالتقرير «ان من المريح لنا تفسير ما جرى بأنه استسلام لارادة
دولة عظمى هي امريكا، وليس مريحاً، ابداً، الاعتراف بأن ما حصل جاء بضغط فلسطيني».
والتفسير عنده، انه لا يوجد استعداد نفسي
اسرائيلي لتقبل فكرة ان الارهاب الفلسطيني(!!) قد حقق انجازاً، من أي مستوى، في
الصراع. ولكنه يتابع مناقشاً هذه الفكرة التي تريد ان تعزو التحول في الموقف
الحكومي الاسرائيلي، بأنه بفعل ضغط امريكي فحسب، فيقول: «هيا نسأل انفسنا بصدق! هل
كانت حكومة الليكود، دون انتفاضة الاقصى، ودون الارهاب الفظيع(!!) ودون الدمار
الذي ألحقته العمليات بنا، ستتبنى فكرة اقامة دولة فلسطين المستقلة، وتعترف بها
مسبقاً، وقبل ان تبدأ المفاوضات؟!.. ويضيف بلوتسكر على ذات النسق «ان رئيس وزرائنا
ارئيل شارون، باشارته الى الصلة الوثيقة بين الوضع السياسي والأمني وبين الوضع
الاقتصادي والاجتماعي لـ«اسرائيل»، كشف عن الدافع الاساس وراء قراره التاريخي: انه
الكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال، فما حدث لم يكن بسبب بوش، هذا ما قاله شارون، بل
بسبب جنين، فلن تسن الحراب الى الابد».
والمفردات الثلاث التي نود اعادة عرضها
والتأكيد عليها مما قاله بلوتسكر هي:
أولاً: هل كانت حكومة الليكود، وبدون انتفاضة
الاقصى، ستتبنى فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقبل ان تبدأ المفاوضات حول
خارطة الطريق؟!
ثانياً: التحول في تفكير ارئيل شارون، طليعة
اليمين الاسرائيلي لعقود خلت، لم ينضجه ضغط بوش، ولكن أنضجه صمود مخيم جنين،
كنموذج حي على مدى الاستعداد الفلسطيني، للذهاب في المقاومة الى نهاية الشوط،
وربما لعبت العمليات الاستشهادية الاخيرة، دوراً اساسياً بالتذكير بهذا الصمود،
حيث جاءت بعد اكثر من عام من تدمير المخيم، وزعم شارون، بأنه جاء على البنية
التحتية للمقاومة الفلسطينية.
ثالثاً: وربما هذا هو الأهم، ان المقاومة الفلسطينية
وليس شيئاً آخر، من تذاكي المفاوضات وتفعيل العلاقات الاقليمية والدولية، هو الذي
وضع القضية الفلسطينية في موقع الصدارة، ولم يسمح لاحد، اياً كان، متطرفاً يمينياً
اسرائيلياً في سدة صنع القرار في دولة الاحتلال، او متطرفاً يمينياً امريكياً في
سدة صنع القرار في الادارة الامريكية راعية الاحتلال.. بالقفز فوق الحقوق المشروعة
للشعب الفلسطيني، او التجاوز عليه دون دفع الثمن.
والسؤال الآن، هل يسوغ فلسطينياً، وتحت اي
تفسير واي عنوان، ان يصبح رأس المقاومة مطلوباً، كاستحقاق متقدم لتطبيق «خارطة
الطريق»؟! وهل يجوز -بعد كل هذا- ان يصبح المقاومون هدفاً للسلاح الرسمي
الفلسطيني، بعدما كانوا هدفاً مباشراً للسلاح الاسرائيلي، ومن اجل اي شيء وفي سبيل
اي غاية؟!
ان التفريط بعنوان المقاومة، والجرأة في
استهدافها او دفعها الى الخلف، خطوة لا تمت للحكمة بصلة، ولا تقرأ المشهد السياسي
والميداني بعين بصيرة. فالمقاومة كانت على الدوام هي رافعة العمل الوطني
الفلسطيني، وهي جدار الحماية الاخير، عن جوهر القضية والحق الفلسطيني في العودة
والدولة وتقرير المصير.
وعلى كل اولئك الذين يتحفزون للمجازفة، اعادة
قراءة الواقع، لا انطلاقاً من لحظة انهيار العراق واحتلاله، بل من توقيت اول رصاصة
يطلقها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، واول شهيد يصعد للخلود في معارك المواجهة
معه. وليس انتهاء بفهم مغازي الاستمرار في المقاومة حتى آخر الرصاص وآخر العمليات.