الانسحاب من الجريمة!
بقلم :حياة الحويك عطية
ما الذي يقف وراء مبادرة الاستراتيجيين
الامريكيين اليهود الى الكشف عن اكذوبة تهمة اسلحة الدمار الشامل في العراق؟
اما ان تكون المعركة الانتخابية بين انصار
جورج بوش وتوني بلير من جهة وبين خصومهما من جهة ثانية.
واما ان تكون المنافسة الاقتصادية على خيرات
العراق التي لا حدّ لها والتي يصر فريق التجار المحيط بجورج بوش على الاستئثار بها
بوقاحة احتكارية لا حدّ لها هي الاخرى.
واما ان يكون خصوم الحرب اولئك الذين ضجت بهم
اروقة السياسة، كما الشوارع في الغرب، هم الذين لم يرموا سلاحهم بالسرعة التي رماه
بها العرب بما فيهم اكثر العراقيين، وها هم يدخلون جولة جديدة ضد المغرمين بالذهاب
الى الحرب.
ومن بين هؤلاء، الكثيرون من الذين جاءت احداث
الرياض والمغرب لتؤكد مخاوفهم من الفوضى التي ستسود المنطقة والعالم نتيجة الزلزال
العراقي، والتي لن تتأخر نارها عن تجاوز المنطقة الى المناطق الاقرب جغرافيا ومن
ثم الى العالم. ومعهم الكثيرون ممن يدركون حجم الخطورة الاقتصادية التي ستترتب على
بلدانهم ومستقبلهم نتيجة ذلك ايضا. ومعهم اولئك الذين يرون بعيني زرقاء اليمامة ما
معنى العودة الى النعرات القبلية العرقية والدينية بل والطائفية في رسم الخريطة
السياسية داخل بلد ما.
واما ان تكون الميركانتيلية السياسية، هي
التي تقتضي الالتفاف على جريمة كبيرة بالتخلص من مرتكبيها بدلا من تصحيح الوضع
الذي طالته، حيث تقتضي هذه الميركانتيلية فتح ابواب انكشاف الاكذوبة الكبرى حول
ذريعة العدوان على العراق، لان ذلك سينكشف عاجلا ام اجلا، اذن فالذي يسرع الى
الادانة، يضع نفسه خارج التهمة ويلبسها لسواه، ومعروف ان ذلك الاسلوب برع فيه الاستراتيجيون
اليهود والصهاينة، وعليه كان وولفوويتس الذي طالما لقب بصاحب هاجس العراق، اول من
تحدث عن حقيقة الاكذوبة، ليليه على استحياء رامسفيلد وبعض الاخرين ممن كانوا اشد
المتطرفين في الدعوة الى الحرب، اما الان وقد حصلت فلا بأس عليهم من الالتحاق
بزعيمهم ريتشارد بيرل الذي سارع الى الاستقالة ما ان وضع اللمسات الاخيرة على
استراتيجية العدوان وما بعده. وليكن جورج بوش بسذاجته وغطرسته العمياء، ومعه
الاخرون من غير الاستراتيجيين اليهود، من يتحمل دم الجريمة ومسؤولية الفشل.
الفشل اجل، فالنجاح في دخول بغداد لا يعني بأي
حال النجاح في الخروج منها.
وادارة الحرب كانت امرا متيسرا، اما ادارة ما
بعد الحرب فلن تكون الا الغرق في مستنقع رمال متحركة، والتيه في مجاهل لا يعلم
غياهبها الا الله.
والاوربيون الذين حاولوا ان يمنعوا حربا لم
تكن في صالحهم ثم ان يقفوا على الحياد حال حدوثها لانهم لم يكونوا متحمسين كثيرا
لصدام حسين، هم الان اكثر تماسكا واكثر حماسا ولن يقفوا مكتوفي الايدي تاركين
النجاح الامريكي يستقر على ابوابهم.
بل ان العراقيين انفسهم بمن فيهم الذين لم
يكونوا يكنون الحماس الكبير للوقوف في وجه الامريكيين، اما عن جهل رهيب، واما عن
يأس من النظام نفسه، واما عن حقد غبي، واما عن تعب افرزه الحصار، هؤلاء جميعا
سيعلمهم الاحتلال درسا ممتازا في الكرامة، وفي انعدام الخيار بين العبودية
والتمرد، وفي سرابية اوهام الترف والكسل على النمط الخليجي، وفي الخدعة الكبيرة
التي سقط فيها المصريون قبلهم: حلم الانفتاح.
وبذكر مصر يقودنا التحليل الى السؤال: هل
ستكون نهاية جورج بوش وفريقه اشبه بنهاية انور السادات، سواء كان الاغتيال فعليا
ام سياسيا، ليذهب حاملا وزر الجريمة ومحملا بمسؤولية الفشل، لكن دون ان يذهب شيء
من الجريمة نفسها، بل لتكرس وقائعها ونتائجها بشكل ارسخ. ولتكون القيادة التالية
اكثر حرية في متابعة المشروع لصالح اطراف ثلاثة كانت المستفيدة والدافعة اصلا:
اللوبي اليهودي و«اسرائيل»، والمجمع الصناعي العسكري، واللوبي النفطي.وكل طرف من
الثلاثة متداخل مع الاخرين.
نقول ذلك وليس في القلب الا تمني الفضيحة
والفشل الكثير فالأكثر، وليس فيه ادنى تعاطف مع بوش او بلير ومن معهما، ولكن فيه
غصة سببها ان اليهود هم الذين يخرجون دائما الرابحين من اللعبة، وانهم تعلموا
بذكاء شديد الدور الذي لعبه عليهم بيلاطس يوم اسلمهم المسيح وغسل يديه من دمه، لان
ايديهم لم تعد تحتمل دوليا اكثر من الدم الفلسطيني، لكن عطشهم ومخططاتهم يتجاوزانه
بكثير.