عرب أمريكا أمام جورج بوش: القطيع تحت عصا الراعي!
بقلم :صبحي حديدي
اعترف الرئيس الأمريكي جورج بوش بأنه جعل
مجريات الأمور في قمّتَيْ شرم الشيخ والعقبة تسير علي هَدْي ما يفعله راعي البقر
مع ماشيته، وقال للصحافيين (علي الطائرة الرئاسية، وهو في الطريق إلي العاصمة
القطرية الدوحة) ما يلي بالحرف: استخدمت تعبير راعي القطيع، ولا أعلم ما إذا كان
أحد فهمها في الاجتماع الأوّل .
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً!
ولكن سواء فهم الزعماء العرب المعنيون بهذا
الكلام أم لم يفهموا، ما العجب في أن يصوّرهم حاكم تكساس السابق والرئيس الأمريكي
الحالي في هيئة ماشية ترعي البرسيم الأمريكي، راضية قانعة سعيدة؟ ألم يتقاطروا
أمامه كالماشية المنضوية في قطيع تحت السيطرة التامة؟ ألم يتصرّف سيّد الكون كما
يفعل راعي القطيع: أمام العدسات يربّت علي كتف هذا، ويحتضن ذاك، ويلوّح يمنة، أو
يبتسم يسرة؛ وأمّا في الكواليس فإنه لم يتوقف عن الهشّ بعصاه، والتلويح بإفراغ
المذود، وتكليف الماشية بما يتوجّب أن تفعل أو لا تفعل.
ويشهد الله أنه رأف بحال أفراد القطيع، فلم
يجلب معه إلي شرم الشيخ ذئباً كاسراً مثل رئيس وزراء الدولة العبرية أرييل شارون،
وكان في وسعه أن يفعل بالطبع، وما كانت الماشية ستعترض بما هو أكثر من ثغاء
الاسترحام. إنه ليس رجل العلاج بالصدمات القصوي، وهو سيّد التوقعات الدنيا كما بات
يكرر في الآونة الأخيرة، ولهذا ارتأي أنّ جهامة شارون في شرم الشيخ سوف تذهب ببعض
ألق شارون في العقبة، ومن المبكّر في كلّ حال تقريب السكين إلي هذا الحدّ من عنق
القطيع، المذعور رغم سعادته برضي الراعي، الخائف من الأيام القادمة رغم ركونه إلي
سطوة الراعي...
كذلك يشهد الله أنه أشفق عليهم من عواقب
الهلع الذي كان سيأخذ بعقولهم وألبابهم، لو أنّه أصرّ عليهم ــ بما يملك الراعي من
سلطة الجزم والحسم في مصائر القطيع ــ أن يذهبوا في تطبيع العلاقات مع الدولة
العبرية خطوات أكبر وأبعد وأوضح. قيل إنّ وزير الخارجية كولن باول نصحه بأن
التوقيت غير مناسب للضغط في هذه المسألة الحساسة المتفجرة، وقيل أيضاً إنّ
مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس اعترضت علي وجهة نظر باول وطالبت الرئيس أن
يطرق الحديد وهو متوهّج، وقيل أخيراً إنّ جورج بوش الأب كان صاحب الكلمة الأخيرة:
مبكّر، مبكّر كثيراً يا جورج!
ولعلّ التاريخ القادم سوف يسجّل أنّ أولي
ثمار غزو العراق لم تنضج في البصرة أو بغداد أو الموصل أو كركوك، بل في شرم الشيخ
أوّلاً ثمّ العقبة ثانياً واستطراداً. ها هنا قال بعض أتباع أمريكا من العرب (وما
همّ أنهم خمسة، فهم في الواقع كثرٌ... كثر) إنّ تسعة أعشار مقاومة الاحتلال
الاسرائيلي إرهاب تجب محاربته بكلّ الوسائل، وعلي رأسها وقف المساعدات والتبرعات
المالية. وقالوا إنّ زعيم الفلسطينيين ليس ذلك القائد التاريخي (ياسر عرفات) الذي
اختاره الفلسطينيون في انتخابات حرّة ديمقراطية، وليس ذاك الذي قال لا كبيرة كلّما
اقترب الأمر من حقوق الشعب الفلسطيني الجوهرية، بل هو رئيس الوزراء هذا (محمود
عباس) الذي ينعم اليوم برضي البيت الأبيض والجنرال شارون في آن، والذي يقول نعم
كبيرة كلّما رنّ ناقوس، والذي بشّر ويبشّر بـ واقعية سياسية ليست سوي ورقة التوت
التي لا تخفي عري التنازلات الفاضحة، ووعد ويعد باستئصال العنف ضدّ الإسرائيليين
أينما كانوا !
دعونا ممّا قاله الرئيس الأمريكي، فنحن نعرف
الأفعال لتوّنا ولسنا استنتاجاً بحاجة إلي مقارنتها بالأقوال. ودعونا ممّا قال
شارون، عن يهودية الدولة أو عن الأمن الإسرائيلي و التلاصق الجغرافي للدولة
الفلسطينية العتيدة، لأنّ البلدوزر النازيّ لا يضيف جديداً (رغم الألعاب اللفظية
الطفيفة، المفضوحة مع ذلك)، وأفعاله تشهد عليه قبل لسانه، وما يسمّي بـ خريطة
الطريق فُصّلت وسوف تُفصّل علي مقاييس ما يراه مناسباً أو غير مناسب للدولة
العبرية، بصرف النظر عن احتمالات التنفيذ أو التعليق في متحف مبادرات السلام
الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ما ينبغي أن نستمع إليه، بكلّ العناية والانتباه واليقظة،
هو الكلام الذي قاله رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس في شرم الشيخ والعقبة.
خذوا عيّنات ممّا قاله أبو مازن: لا نتجاهل
عذابات اليهود علي مرّ التاريخ، وقد حان الوقت لانهاء كلّ هذه المعاناة ؛ و لكي
أكون صريحاً وواضحاً، لا يوجد حلّ عسكري لصراعنا، ونكرر إدانتنا ورفضنا للإرهاب
والعنف ضدّ الإسرائيليين أينما كانوا. إنّ هذه الوسائل لا تنسجم مع تقاليدنا
الدينية والأخلاقية، بل تشكل عقبة خطيرة أمام دولتنا المستقلة ذات السيادة ؛ ثمّ
مربط الفرس: سنبذل كافة الجهود وسنستخدم كلّ امكاناتنا لتنتهي الإنتفاضة المسلحة،
وعلينا أن نستخدم الوسائل السلمية في سعينا لانهاء الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين
والإسرائيليين وبناء الدولة الفلسطينية ؛ ومربط الفرس الثانية: كما وسنعمل ضدّ
التحريض علي العنف والكراهية مهما كان شكله وأياً كانت وسائله، وسنقوم باجراءات من
جانبنا لضمان أن لا يصدر أي تحريض عن المؤسسات الفلسطينية ...
ينسي أبو مازن، أو يتناسي لأنّ هذا هو
المطلوب منه، أنّ عذابات اليهود علي مرّ التاريخ عبارة تشمل تاريخاً أطول بكثير من
عمر رئيس وزراء السلطة الفلسطينية، وأكثر تعقيداً واشتباكاً ورموزاً ووقائع من أن
تكون وزارة محمود عباس معنيّة بإنهائه. وأمّا عذابات اليهود (الإسرائيليين
بالأحري) فهي جزء لا يتجزأ من ملفّ الإحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين، وهي ثمن
مبدئي لا مناص للإسرائيلي من سداده ما دام يصرّ علي انتخاب الإدارات التي تُبقي
علي الإحتلال وتشرعن الاستيطان وتقهر الفلسطيني وتعيد احتلال أراضيه. لا يوجد
احتلال خالٍ من العذابات للجيش الذي يمارس الإحتلال، وللشعب الذي يساند جيش
الاحتلال، وللمؤسسات الديمقراطية التي تنتج الغطاء السياسيّ للإحتلال. وكان غير
محمود عباس أشطر في زعم تحقيق هذه المعجزة (الانتهازية، الاستسلامية، البذيئة،
المناهضة للتاريخ ولحقّ الشعوب في المقاومة)، ليس في فلسطين المحتلة وحدها، بل...
علـــي مرّ التاريخ أيضاً!
كذلك ينسي أبو مازن أنّ المسألة ليست في أن
يكون صريحاً وواضحاً ، وأن يبشّرنا بأنه لا يوجد حلّ عسكري لصراعنا، لا لشيء إلا
لأنّ الإنتفاضة ليست عملاً عسكرياً ينطوي علي مواجهة بين دبابة فلسطينية وأخري إسرائيلية،
والأمريكيون أنفسهم لم يزعموا بعد أنّ حجر الإنتفاضة يدخل في باب الـ WMD، أسلحة الدمار الشامل،
أو أنّ العمليات الاستشهادية باب من أبواب حروب المشاة مثلاً! كأنّ الفلسطينيين
كانوا دعاة حرب كلّ العمر، حتي يطالبهم رئيس وزرائهم اليوم بالجنوح إلي السلم! هل
ينسي أبو مازن أنه كان أوّل ــ وأبكر! ــ من استقال من انتفاضة 1987 (التي كانت
سلمية تماماً، ما خلا الطفل الذي يرشق الحجر) وسارع لقيادة مفاوضات أوسلو، وجنح
إلي السلم طيلة الوقت بعدئذ، وفاوض سرّاً وعلانية، وشقّ حنجرته وهو يهتف للحلّ
السلمي، وفقد الكثير من ماء الوجه في هذا السبيل؟
ومن جانب آخر متلازم، أليس من العيب، علي
صعيد اللغة المحضة كما في أصول الأخلاق واحترام ذكري شهداء فلسطين، أن يستسهل
محمود عباس إطلاق صفة العنف و الإرهاب علي أعمال انتفاضة كانت هي السبب الأكبر في
انتقاله من تونس إلي رام الله، وفي وقوفه بالأمس إلي يمين الرئيس الأمريكي في
العقبة، أو تصدّره صفّ القطيع المطيع في شرم الشيخ؟ وإذا كان قد استسهل ارتكاب
العيب علي هذا النحو، فكيف استولي عليه الظنّ بأنه يستطيع حقاً استخدام كلّ
الإمكانات لوقف الإنتفاضة ( المسلحة ، كما يقول من باب القدح الكاذب)؟ إمكانات
مَن؟ وكيف؟ هل ينوي إشعال حرب أهلية، في سياق تعهده بحماية الإسرائيليين (أينما
كانوا، في المستوطنات كما في الثكنات!) من العنف و الإرهاب ؟
ويبقي ذلك التكاذب المضحك حقاً، حول العمل
ضدّ التحريض علي العنف والكراهية مهما كان شكله وأياً كانت وسائله ، إذْ يبدو أنّ
رئيس الوزراء الفلسطيني لا يقوم بما هو أكثر من تلاوة الفقرات التي أملاها عليه
مستشارو البيت الأبيض وممثّلو راعي القطيع. هل سيجبر محمود عباس الفلسطينيين علي
الوقوع في غرام الإسرائيليين، بالقسر والاجبار والقوّة؟ هل يريد منهم أن يتوقفوا
عن كراهية الإحتلال، وأنّ يحوّلوا مشاعرهم إلي عشق وحبّ وهيام؟ ومَن في وسعه تكييف
وإدارة مشاعر البشر علي هذا النحو، في أيّ مكان علي الأرض، بين المحتلّ والخاضع
للاحتلال، أو بين القاهر والمقهور، والظالم والمظلوم؟ هنا أيضاً كان الكثيرون أشطر
من محمود عباس، أشطر بما لا يُقاس، وعلي مرّ التاريخ دائماً!
ويبقي أنّ مشهد شرم الشيخ، وفصول مسرحية
خريطة الطريق بأسرها، تذكرة من جانب آخر بمسرحية بائسة أخري كان اسمها مبادرة
الأمير عبد الله ، وليّ العهد السعودي. ماذا حلّ بهذه المبادرة، التي اكتنفها
الضجيج والعجيج ذات يوم غير بعيد، وبدا وكأنها أمّ المبادرات جمعـــــاء؟ حين
طُرحت المبادرة اعتبر كاتب هذه السطور أنها ليست أكثر من لعب في الوقت الضائع،
وطوق نجاة مؤقت يتيح لإدارة بوش ــ الصقور والحمائم، سواء بسواء ــ فرصة السباحة
الآمنة في بحر ظلمات الشرق الأوسط، ريثما يحين استحقاق فتح الملفّ العراقي
عسكرياً. في عبارة أخري، كانت الولايات المتحدة تحتاج إلي نوع من استهلاك الوقت في
المنطقة، وليس أفضل من إلهاء الجميع بهذه المبادرة السعودية الجديدة، وصرف الوقت
الضائع في امتداحها، والتشاور حولهـــا، وتطويرها إلي سحابة دخان تغطي التخطيط
الأمريكي الفعلي لغزو العراق. وفي شرم الشيخ كان دفن تلك المبادرة صامتاً تماماً،
فلا وليّ العهد السعودي تفوّه ببنت شفة عن مبادرته العتيدة، ولا الرئيس الأمريكي
قال له شكراً علي جهد قدّم للإدارة خدمة مثلي.
كذلك يبقي التذكير بأنّ مسرحية خريطة الطريق
هذه انتهت عروضها في ما شهدته قمّتا شرم الشيخ والعقبة من مهانة عربية، وليس من
المرجح أن نري عروضاً أخري دراماتيكية علي الجانب الإسرائيلي، كأنّ تحرث
البلدوزرات الإسرائيلية المستوطنات غير الشرعية مثل تلك الشرعية ، وترحّل أكثر من
400 ألف مستوطن إسرائيلي، وتنسحب إلي حدود ما قبل انتفاضة الأقصي. أمّا العروض
الوحيدة المتوقعة فهي تلك التي وعد محمود عباس بتنفيذها، وهيهات له أن يفعل كما
يريد أو يُراد منه.
وبالطبع نقول اليوم ما قلناه بالأمس: ثمة سبب
وجيه واحد، علي الأقلّ، يبرّر كلّ هذا الإستخفاف الأمريكي بالحاكم العربي، دع
جانباً كرامة أو حياء أو ماء وجه ذلك الحاكم. وهذا السبب هو أنّ بيض الشرق الأوسط
وُضع بأكمله في السلّة الأمريكية منذ تدشين عمليات التسوية السلمية للصراع العربي
ـ الإسرائيلي، أي منذ قرار الرئيس المصري الراحل أنور السادات طرد الخبراء
السوفييت والسفر إلي القدس المحتلة؛ وقرار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد
الإنفتاح شبه التامّ علي الولايات المتحدة (عبر الرئيس الأمريكي الأسبق ريشارد
نكسون ووزير الخارجية الأشهر هنري كيسنجر)، ليس علي خلفية التسوية فحسب، بل كجزء
من أثمان السكوت الأمريكي عن فرض الهيمنة السورية علي لبنان؛ وصولاً، بالطبع، إلي عاصفة
الصحراء ، ومؤتمر مدريد، واتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وشرم الشيخ مراراً، وطابا،
وغزو العراق، و خريطة الطريق .
وليس المرء مضطراً إلي حشد الحجج من أجل
البرهنة علي تقديرات تمّ اختبارها مراراً من قبل، وتبيّن في كلّ مرّة أنّ مآلاتها
لا تغادر القاعدة الذهبية العتيقة: مَن يهنْ يسهل الهوان عليه!