بقلم :د. عمر الصبيحي
في الوقت الذي لم يمض شهر واحد علي بداية
العدوان الامريكي علي العراق حتي تمكن ابناء الفلوجة الابطال من طرد الغزاة محررين
مدينتهم من رجس الاحتلال.
منذ ان وطأت اقدام الغزاة ارض الفلوجة
الطاهرة حتي هب ابناؤها مقاتلين متحدين ومن خلال عمليات يومية باسلة تمكنوا من
تحرير مدينتهم بشكل كامل وكل القري المحيطة بها وتم اخراج اخر فلول الامريكان يوم
14/5/2003.
تقع مدينة الفلوجة غرب بغداد علي مسافة 65
كيلومترا منها ويمر فيها نهر الفرات ويقدر عدد نفوسها بـ800 الف نسمة. تقوم هذه
المدينة الباسلة علي انقاض مدينة الانبار القديمة التي فتحها الصحابي الجليل خالد
ابن الوليد خلال الفتح الاسلامي للعراق وقد كان يحكم هذه المدينة ملك عربي يسمي
بملك الانبار تزوج خالد ابن الوليد ابنته فيما بعد وربما لا يعرف الكثير بانها اول
عاصمة للخلافة العباسية.
للفلوجة ايضا باع طويل في تاريخ العراق
الحديث ففيها نضجت ثورة العشرين عندما انتفضت عشائرها بقيادة الشيخ ضاري ضد
المستعمر البريطاني بعدما وردتهم اخبار التنكيل الذي قام به الانكليز ضد عشائر
الجنوب فقتل الشيخ ضاري بسيفه قائد القوات البريطانية في العراق الجنرال (لجمن)
حينها تعرضت هذه العشائر لقصف الطائرات البريطانية الشديد فسقط الكثير من الشهداء
وكان موت الشيخ ضاري وتشييعه في بغداد بداية النهاية للاحتلال الانكليزي للعراق
حيث بقيت الاهزوجة التي رددها المشيعون (هز لندن ضاري وابكاها) خالدة خلود العراق
وثورة العشرين وايضا بمثابة اعلان عن استقلال العراق في عام 1921.
ولم ترض مدينة الفلوجة الا ان تكون ميدانا
للثورة الثانية ضد قواعد الاستعمار البريطاني وهي ثورة ايار (مايو) عام 1941 حيث
هجم الثوار علي قاعدة الحبانية الجوية الواقعة علي اطراف مدينة الفلوجة في حينها
ايضا قدمت الفلوجة مثالا للبطولة وكانت جداتنا يخزن اسلحة الثوار في مخازن الحطب
وكن يداوين الثوار ايضا.
فوق كل هذا تسمي مدينة الفلوجة مدينة المساجد
وهي مدينة تقطنها قبائل عربية اصيلة ذات نسب عريق وبقدر ما للوازع الديني من دور
كبير في تربية ابناء الفلوجة هناك دور للشعور الوطني والقومي فهي ذات تاريخ عريق
في احتضان حزب البعث والحركة القومية العربية وساهمت ايضا مساهمة فاعلة في رفد
العراق بالكوادر العلمية والثقافية.
ويتميز ابناء مدينة الفلوجة بنخوتهم العربية
الاصيلة واحساسهم العالي بقيم الشرف فقد كان من اهم اسباب مقاومتهم للمحتلين هو
اشراف الجنود الامريكان علي منازلهم من خلال تجمعهم علي سطح احدي المدارس وبذلك
يكون من المستحيل ان تخرج النساء في باحات الدور ورؤية الغريب للنساء وهن داخل
بيوتهن عند اهل الفلوجة دونها الرقاب. وهذا ما حدث بالفعل فقد سقط اكثر من خمسة
عشر شهيدا واكثر من مئة جريح يوم 28/4/2003 ثاني يوم لدخول الامريكان للمدينة
عندما تظاهر ابناء المدينة محتجين علي احتلال مدينتهم ولم يفت في عضدهم هذا بل
تظاهروا في اليوم الثاني 29/4/2003 حيث خرج اكثر من سبعة الاف شخص وسقط سبعة شهداء
وعدد كبير من الجرحي.
من المفيد ان نذكر هنا بأن اهل الفلوجة
وعلماء الدين فيها لم يسلموا مفاتيح مدينتهم للغزاة والمحتلين كما فعلت مدن اخري
ولا قام ابناؤها بذبح البعثيين او المتطوعين العرب بل احتضنوهم كما قاتل ابناء
الفلوجة مع كل العراقيين الشرفاء فوق كل شبر من ارض العراق وقد كانت محافظة
الانبار ومن ضمنها مدينة الفلوجة اخر محافظة يدخلها الامريكان وكلنا يتذكر المعركة
الباسلة التي خاضها ابناء مدينة القائم الحدودية مع القوات الامريكية.
لم يفت في عضد اهل الفلوجة الميامين ضعف
وتخاذل بعض رجال الدين لأن كل انسان مسلم حتي وان كان لا يعرف القراءة والكتابة
يعرف جيدا ان جهاد المحتل هو الواجب الشرعي ولا يحتاج الي اي اجتهاد لم يتوقف
الامر عند هذا الحد فأستمر المقاومون في مقاومتهم واستمروا في تعقب فلول العدو
المندحر وتم حرق دبابتين بما فيها علي الطريق العام الذي يربط الحبانية بالفلوجة
في يوم 15/5/2003 وبقيت الدبابتان ليومين حتي سحبها الامريكان وفي يوم 19/5/2003
تم تدمير دبابتين اخرين في الصدامية وباعتراف قناة الجزيرة. وجاءت العملية
البطولية الباسلة يوم 27/5/2003 ليوقع المجاهدون الابطال اربعة قتلي واكثر من تسعة
جرحي وتدمير مدرعة ودبابة امريكيتين وتحطيم طائرة هليكوبتر شاهدناهم يسحبونها من
علي شاشات التلفزيون. وفي نفس اليوم قتل اثنان من الامريكان واصابة عدد آخر في
مدينة في محافظة الانبار ايضا وهذا باعتراف الامريكان انفسهم، وايضا في نفس اليوم
انفجرت عربة امريكية ودمرت تدميرا كاملا في حي العامرية في بغداد ومن المعروف ان
هذا الحي أغلب ساكنيه هم اصلا من الفلوجة.
جاء كل هذا ليؤكد بما لا يقبل الشك بأن
المقاومة العراقية منظمة وفعالة وجسورة وشجاعة علي عكس ما يحاول الاعداء وعملاؤهم
من تصويرهم علي انها عمليات فردية وغير مدروسة.
من المؤكد بان المقاومة العراقية الباسلة
تتكون من البعثيين وغير البعثيين ولكن من المهم ان تنتبه هذه المقاومة لجملة
اشياء.
اولا: الابتعاد عن المجرمين والمنافقين من
البعثيين الذين ساهموا مع صدام حسين باغتيال حزب البعث وتشويه صورته.
ثانيا: احتواء كل الشرفاء من كل الاطياف
السياسية مع الانتباه والتمحيص والتدقيق خوفا من زرع العملاء.
ثالثا: الضرب بيد من حديد علي الخونة وعملاء
الاجنبي ومثيري الفتن لأن اي تساهل مع هؤلاء ستكون له عواقب وخيمة.
رابعاً: تكوين قيادات بديلة قادرة علي اتخاذ
القرار المناسب والتواصل.
خامسا: محاولة القيام بعمليات نوعية توقع
اكبر قدر من الخسائر لتحطيم روح العدو المعنوية ومشاغلته باستمرار وعدم اعطائه
الفرصة لالتقاط الانفاس اخيرا الاهتمام بالشأن الاعلامي فالكلمة اليوم لها فعل
الرصاصة فيجب ان تقوم المقاومة بكسر هذا التعتيم الاعلامي الرهيب حول عملياتها.
اعلام الرأي العام المحلي والعربي والعالمي سيكون له اثر كبير جدا في تحرير
العراق.
المقاومة ستكون عملية صعبة وعسيرة وشاقة
ولكنها مقدسة بل ربما تكون فرصة للشرفاء لنيل احدي الحسنيين نعم انها تستحق
التضحية ولنتذكر دائما ان الخونة والعملاء مصيرهم الي مزبلة التاريخ وبسرعة لا
يتوقعونها لكن الشهداء مصيرهم الجنة والثوار مصيرهم الخلود في الدنيا والآخرة.