الاحتلال هو العقبة أمام قيام الدولة الفلسطينية
بقلم : نضال حمد
انتهت قمة العقبة لتعقب القمة التي سبقتها في
شرم الشيخ.لكنها كانت أكثر إثارة ونجومية من السابقة. فبطلها بالتأكيد كان رئيس
حكومة السلطة الفلسطينية محمود عباس،إذ قام الأخير بالتصريح وبشكل غير مسبوق،وبلا
مراعاة لدماء الشهداء والضحايا في فلسطين،وبلا مبالاة بدموع الأمهات الفلسطينيات. و بلا تأنيب ضمير ما يلي
:" ان الإرهاب هو عقبة أمام قيام دولة فلسطينية مستقلة.وسنبذل كل ما بوسعنا
من أجل وضع حد للانتفاضة المسلحة".ثم أكد أبو مازن في كلمته " نحن نشدد
على أننا سنقوم بكل ما تعهدنا به أمام شعبنا والعالم،وهو النهاية الكاملة للعنف
والإرهاب،وأننا ندعو شركاءنا في هذه الحرب إلى منع المساعدة المالية والعسكرية عن
جميع المعارضين لذلك." وهذا بكل بساطة معناه أن أبو مازن لا يتحالف مع
المقاومة الفلسطينية،بل مع أعداء الانتفاضة والمقاومة. وهو يدعو على علنا للتحالف
ضد المقاومة ومحاصرتها وتجفيف ينابيع دعمها وإسنادها. كأننا نسمع بوش في شرم
الشيخ، من جديد لكن هذه المرة بصوت محمود عباس.
ولم ينس رئيس وزراء حكومة أرض الجبن السويسري المثقوب، أن يؤكد
أيضا " لكي أكون صريحا وواضحا،لا يوجد حل عسكري لصراعنا ونكرر رفضنا للإرهاب
والعنف ضد الإسرائيليين أينما كانوا". يعني أبو مازن وحكومته يدينون موت
ومقتل الإسرائيليين حتى في الضفة الغربية وقطاع غزة، أي في المناطق الفلسطينية
المحتلة.ويدين أي نوع من العمل العسكري والمقاوم ضد الإسرائيليين،لكنه لم يطالب
الصهاينة بالمثل، ولم يقم بإدانة الإرهاب الصهيوني، في أراضي سلطته الخاضعة عمليا
لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، هذا الاحتلال، الذي يخاف ويحرص رئيس الوزراء الفلسطيني،
على حيات جنوده ومستوطنيه،ويُحَمِل المقاومة الفلسطينية مسئولية حياة وممات هؤلاء
القتلة الغزاة. كما لم يذهب عن بال مهندس سلام الشجعان في أوسلو التذكير كذلك بأن
" هذه الوسائل لا تنسجم مع تقاليدنا الدينية والأخلاقية".ودعا أبو مازن
أبناء الشعب الفلسطيني إلى "استخدام الوسائل السلمية لإنهاء الاحتلال
والمعاناة". ونحن بدورنا نوجه هذا النداء العباسي إلى الشعب الفلسطيني: أيها
الفلسطينيون أن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية يدعوكم لنبذ المقاومة
والاستشهاد،فهبوا جميعا لنصرة هذا النداء وتلبية تلك الدعوة.ولا تنسوا أن تلبسوا
اللباس الأبيض شعارا للسلام وكفنا بنفس الوقت،لأنكم عندما ستخرجون للتظاهر سلما ضد
الاحتلال،سوف تنهمر عليكم القنابل وزخات الرشاشات،كما في الأشهر الأولى من
انتفاضتكم المجيدة،وسوف تمزقكم تلك الرصاصات،وتقتلون بهدوء وبشكل مسالم ينسجم مع
متطلبات سلام الشجعان ومحاربة الإرهاب أينما كان،حتى في أرحام أمهاتنا
الفلسطينيات.وبهذا توفرون على الآخرين شراء أكفان لكم بعد قتلكم بالرصاص
الإسرائيلي المسالم،فرصاص اليهود للدفاع عن النفس،وحجارتكم للعدوان على تلك النفس
المسالمة والمطمئنة. والأبيض شعار السلام لكنه رديف موتكم كذلك.لذا أكثروا من
اللباس الأبيض انسجاما مع مرحلة ما بعد قمة العقبة / الشيخ. ولا تقربوا المقاومة
وأنتم في ظل حكومة مسالمة كحكومة رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس.
إن قول أبو مازن أن الإرهاب عقبة بوجه قيام
الدولة الفلسطينية،هو استعارة من قاموس بوش،الذي بدوره استعار العبارة من قاموس
شارون وإخوانه. يحق لشارون ولبوش،الذي ينسجم معه في كل شيء تقريبا،أن يقولا هكذا
كلام ،ويطلقا هكذا صفات ومصطلحات عن وعلى المقاومة. لكن لا يحق لأبي مازن التحدث
هكذا عن المقاومة التي تحمي وجوده ووجود سلطته. لأن لهذه المقاومة جماهيرها التي
تحميها وتعتز بها،بينما هو عمليا بلا نسبة جماهيرية معقولة،ويعتمد في صراعه مع
الشعب والمقاومة على دعم أمريكا وإسرائيل والأنظمة العربية العاجزة.
على المعارضة الفلسطينية التفكير مليا وجيدا
بكل كلمة قالها أبو مازن في خطاب العقبة،لأن كلماته لم تكن عابرة،بل هي تأكيد على
نهجه السياسي والأمني القادم. وهي بكل بساطة ليست تربة ولا أرضية صالحة لمواصلة
الحوار مع حكومته. لأن الحرص على نجاح الحوار الوطني والوحدة الوطنية
الفلسطينية،لا يكون بالتسليم بما يريده الطرف المعادي،ولا عبر التحدث بتلك اللغة
السوداء. كما أن التجربة السابقة مع السلطة الفلسطينية ،علمت المتابع أن السلطة
تستطيع التضحية بعلاقاتها الداخلية من أجل علاقاتها الخارجية.وهذه سياسة لا تلبي المطالب الوحدوية،ولا
تنسجم مع العمل الوطني المشترك،هذا الذي يريد تأسيس قيادة ومرجعية فلسطينية وطنية،
تمثل كل فئات المجتمع الفلسطيني أينما كانت وحيثما تواجدت. لأن الحصانة التي تحصن
الشعب الفلسطيني هي وحدته،والمناعة التي تصد وتمنع وترد العدوان عنه هي
مقاومته،وعبر التمسك بالحقوق الفلسطينية العادلة. فخريطة الطريق لا تعطي حقوقا ولا
تجلب سلاما. إنها مأساة من نوع أخطر من نوعية أوسلو وأخواتها.
بالنسبة لكلام شارون وحديثه عن الدولة
الفلسطينية فهذا كلام لا يؤخر ولا يقدم،ما دام شارون يعرف جيدا بأن خارطة الطريق
ليست أكثر من موقف مؤقت في المسيرة،وأن الحلم ليس كما الحقيقة.و بأمكان
الفلسطينيين أن يحلموا بالدولة والقدس وإزالة المستوطنات،التي يسميها شارون
قانونية والأخرى غير القانونية،كأن هناك مستوطنات قانونية وأخرى غير قانونية! أليس
الاحتلال والاستيطان غير قانونيان؟نعم هما كذلك وكل وجود إسرائيلي في المناطق
الفلسطينية المحتلة،ليس وجودا قانونيا،ويحق للشعب الفلسطيني طرده بكل الوسائل
الممكنة. وفي النهاية فليسعد شارون بما يقدمه الجانب الفلسطيني من تنازلات
مجانية،و وموافقات على أفكاره الشاروبوشية،مادام هذا ينفعه ولا يضره.