بقلم: حافظ الشيخ صالح
پمدينة الفلوجة، أحد معاقل الأكثريّة، أيْ
أهل السنة والجماعة في العراق، وإحدى البؤر الـمُضيئة للثقافة العُروبيّة والفكر
القوميّ، لن تدخلَ التاريخ العراقي والعربيّ في هذا الـمُنخفض العام، العميق
والحزين،
ولكنها دخلتْ التاريخ فعلاً، وبأكمل
المؤهلات، عندما بدأتْ فيها أولى الـمُواجهات مع قوات الاحتلال، ودفعتْ بأزيد من
عشرين شهيدٍ من أبنائها، ولم تستكنْ ولم تسكنْ، وإنما ما فتئتْ تكرّر فعل الإرهاب
الشرعيّ، لعدوّ الله وعدوّ الأمّة، يعني الجهاد على مُختلف أجناسهِ الشرعيّة وعلى
تعدد السبُل إليهِ.
من الذي يبدو من تصريحاتهم الـمُرتبكة وبياناتهم
الـمُتلعثمة، فإن الأمريكان والإنكليز يَودون تَسلية نفوسهم، وابتغاء العزاء
لفجيعتهم من حوادث الفلوجة، وبخاصّة من بعد ما أسقطَ أبناؤها بسلاحهم المروحية
الأمريكيّة، وذلكم من طريق التقليل اليائس والبائس من بواكير هذه الـمُقاومة
الوطنيّة العراقيّة، ومن طريق حجب الأخبار عنها، ووصفها فقط بـ«فلول فدائيي صدّام«
أو «بقايا البعثيين«، والتهوين من سوء الـمُنقَلَب والعواقب التي في انتظارهم.
قُبَيلَ الحرب، وفي أثنائها، سطرنا هاهنا في
هذه الزاوية مراراً أنّ التاريخَ ليس يَخذلُ قوانينهُ، وأنّ سُنن الله تعالى في
الكون البشريّ ماضية ماضية، ولو بدا لنا للوهلة الأولى أنها قد أبطأتْ، وآنذاك
سمعنا مَنْ يضحكُ ويتهكّم في قهقهةٍ قاصفة، على تلكم الأقوال. لكنّ ما من
إمبرياليّة في التاريخ، أو امبراطوريّة ظالمة وباطشة، إلا وبعد حين هيَ تستنهض
نقيضها، وتوقظ من رقدتها الشعوب، فتتقدّم الطّليعة منها نحوَ الميقات (مكانيا
وزمانيا)، وتتصدّر صفوفَ الإرهاب الشرعيّ، ومُقاومة الاستعمار الأجنبيّ، وتشعل
الفتيلة الأولى، وتنفخ في الشرارة الأولى.
عددُ مجلّة «تايم«، قبل الأخير، يزخرُ بخيبات
الأمل الأمريكيّة في الذي كان إلى ما قبل أسابيع معدودة فقط في عِداد الآمال وشبه
اليقينيّات، وهاهي الفلوجة تراكم خيبات الأمل هذه، وتِلجُ التاريخ، وتوشك أنْ
تشرَعَ في تدوين فصلٍ جميلٍ للعراق والعرب والـمُسلمين، فالعراقيون ليسوا ألبتة
أقلّ شجاعة واستبسالاً من بني قومهم الفلسطينيين.