تذكر قمة شرم الشيخ هذا الاسبوع بقمة اخري اكبر عقدت في نفس
المكان في صيف عام 1996، وصاحبتها زفة اضخم. كان عنوان تلك القمة ايضا مكافحة
الارهاب ووقف العنف المتبادل في فلسطين، وانقاذ الحكومات الصديقة (وعلي رأسها في
ذلك الزمان حكومتا شمعون بيريس وياسر عرفات) وتنفيذ خريطة الطريق (التي كانت وقتها
تسمي اتفاق اوسلو وشروحاته في اتفاق القاهرة وغيرها من اتفاقيات الي ما لا نهاية).
مرت الان سبع سنوات علي تلك القمة الشهيرة
التي نادت بها القوي الكبري في العالم باجماعها لوقف العنف والارهاب في الاراضي
الفلسطينية، والذي حدث هو ان العنف لم يتوقف في فلسطين، بل تضاعفت حدته واتسع مداه
ليشمل كل الاراضي الفلسطينية وكل الفصائل بعد ان كان مقتصرا علي مناطق بعينها
وفصائل بعينها. العنف اتسع ايضا خارج فلسطين ليشمل نيروبي وممباسا والظهران
والرياض والرباط وتونس وافغانستان والعراق، وبالطبع لا ننسي نيويورك وواشنطن
واتلانتا وبالي الخ.
الحكومات الصديقة ايضا تهاوت، وعلي رأسها
حكومات بيريس وخليفته ايهود باراك، اضافة الي ياسر عرفات الذي اصبح بمقام الملا
عمر وصدام حسين، سوي انه لا يتمتع بما يتمتع به اولئك من حرية للحركة. بعض
الحكومات الصديقة الاخري مثل الحكومات السعودية والمصرية والسورية اصبحت لا تعتبر
صديقة، بل ان صقور البنتاغون وابواقهم في الاعلام الامريكي اليميني صرحوا غير مرة
بانهم يعتبرون الرياض العدو الاول.
صقور البنتاغون حاولوا بدورهم تبرير هذا
الفشل الذريع في مقاومة الارهاب الذي وصل الي عقر الدار وغرف النوم بالقاء اللوم
علي حلفائهم العرب. وقد خص هؤلاء السعودية ومصر بنصيب الاسد من اللوم، لان هذه
الدول بزعمهم قصرت اشد التقصير في كبح جماح التطرف، بل ساهمت في الترويج
لايديولوجيات التطرف، وسمحت لاعلامها بالترويج لكراهية اسرائيل، مما اعتبر الحافز
الاكبر للارهاب.
بعض هذه الدول، وخاصة السعودية، اعطت صدقية
لهذه التهم حين اعلن بعض المتحدثين خطوات جديدة لمكافحة الارهاب بعد احداث الرياض
الشهر الماضي. اجهزة الاعلام السعودية شبهت احداث الشهر الماضي بتفجيرات الحادي
عشر من ايلول (سبتمبر) في امريكا، في حين توعد المسؤولون خطوات حاسمة تجاه
المتهمين بالتفجيرات وكل من يتعاطف معهم، وكل افكار تمهد لهم. وهذا بدوره اكد
الاتهامات الامريكية بالتقصير والتقاعس السابق.
الحكومات العربية بالقطع ظلمت نفسها باعطاء
هذا الايحاء، لانها اوهمت الناس بأنها قصرت بمنح حريات واسعة للتفكير والتنظيم
والحركة سمحت بنمو فكر متمرد وحركات نشطة تسير علي غير هوي اهل الحكم. وحاصل الامر
ان هذه الحكومات تقول صادقة بانها حاربت اهل العنف قبل ان تحاربهم واشنطن، وقمعت
حرياتهم قبل ان يصبح ذلك مطلبا امريكيا، وهذه الحكومات اساسا تقمع كل فكر سواء
اكان يؤيد الارهاب او يعارضه، وتحجر علي كل حرية للمسالمين واهل العنف علي حد
سواء.
الحكومات العربية تسوق وهما مزدوجا حين توحي
بأنها قصرت في الماضي في القمع والردع، وان هناك مزيدا من التضييق علي الخلق
يمكنها ان تبتدعه، وايضا حين توهم بأن هذا القمع الاضافي سيثمر النتيجة المرجوة.
صحيح ان الحكومات العربية لم تمارس بعد الاساليب الاسرائيلية في العقوبات الجماعية
والحصار وهدم المنازل، ولكن اسرائيل بالمقابل لا تتبع اسلوب تكميم الافواه وقمع
الحريات الفردية وحرية التنظيم. ويمكن بالتالي دمج الاسلوبين، بحيث تستفيد اسرائيل
من الخبرات العربية وبالعكس.
ويجب ألا تنتعش الآمال اكثر من اللازم بهذا
المشروع، حيث انه جرب من قبل في دول عربية ابرزها العراق، الذي جمعت حكومته بين
الميزتين، حيث تفوقت في تطبيق القمع العربي الذي يحرم التنفس الا باذن اولي الامر،
واردفته بالاسلوب الاسرائيلي في العقوبات الجماعية والتشريد الجماعي. هذا التفوق
العراقي ادي الي ان عدد المشردين من العراقيين في الخارج فاق عدد المشردين من
فلسطين، وهذا بدون الأخذ في الاعتبار مشردي الداخل، وخاصة في المناطق الكردية! اما
عدد ضحايا النظام من قتلي ومعتقلين فهو يفوق مجمل ضحايا الانظمة العربية مجتمعة،
وهو انجاز ليس باليسير. وكلنا نعرف النتيجة النهائية لهذا التفوق العراقي المذهل.
النظام السوري لم يقصر بدوره في اتباع هذه
الاساليب المتفوقة، ولكنه بخلاف النظام العراقي، يفخر بانه نجح في استئصال الارهاب
وتثبيت اركان النظام، وتوريثه خلفا عن سلف. ولكن هذا الانجاز ليس بالضخامة التي
سوق له بها. ذلك ان النظام السوري خلط بين معركته السياسية مع حركة الاخوان
المسلمين السورية وسندها الشعبي الاوسع، وبين معركته مع تيار العنف داخل هذه
الحركة، وهو تيار كان هامشيا فيها الي حد كبير. حركة الاخوان المسلمين الأم في مصر
وفروعها في دول عربية مثل سورية شهدت ظواهر عنف سياسي علي هامشها منذ وقت مبكر،
ولكنها في آخر الأمر نبذت هذه الظواهر وركزت علي العمل السياسي السلمي رغم تعرضها
لعنف مستمر من قوي سياسية معادية تمترست داخل اجهزة الدولة وأخذت تمارس الارهاب
السياسي عبرها. وعليه فان الانتصار السوري علي العنف الاخواني ليس سببه نجاعة
الوسائل، بل كون حركة الاخوان نفسها نبذت العنف. سياسيا حركة الاخوان لا تزال
موجودة كقوة سياسية معارضة ان لم تكن القوة السياسية الاولي كما هو الحال في مصر
ودول اخري ادعت انها استأصلت الاسلام السياسي، ولكنها تخشي ان تختبر ادعاءاتها هذه
في انتخابات حرة يسمح لخصومها الاسلاميين بخوضها. واذا كان حزب البعث الحاكم في
سورية يرفض الدخول في منافسة حرة مع حركة الاخوان المسلمين فهذه بدورها ابلغ شهادة
علي انه يدرك قبل غيره انه لم يهزم الاخوان المسلمين بل انهزم امامهم.
الخلط بين الصراع السياسي مع خصوم لهم حقهم
الشرعي في المنافسة السياسية وبين الرفض للارهاب غير المشروع ليس حكراً علي
حكوماتنا العربية الرشيدة، بل هو كذلك يطبع توجهات الشريك الأكبر في الحرب علي
الارهاب، وهو الولايات المتحدة الامريكية. الادارة الامريكية الحالية خلطت خلطاً
كبيراً بين خلافاتها السياسية مع المسلمين والعالم الاسلامي وبين ظاهرة الارهاب.
الارهاب ظاهرة عالمية حديثة نشأت في المغرب
اساساً، وجذورها تعود الي وجود الدولة الحديثة، وامكانياتها القمعية الهائلة التي
لا قبل لمعارض بمواجهتها الا بأسلوب الارهاب. وقد حسم الغرب هذه الظاهرة الي حد
كبير باعتماد اسلوب الحوار الديمقراطي واشراك كافة القوي السياسية في السلطة وفتح
مجالات المعارضة السلمية الفاعلة. ومع ذلك تبقي هناك جيوب لهذه الظاهرة لا مجال
لاستئصالها.
وتشاء الصدف ان تسبق قمة شرم الشيخ بأيام
انباء عن اعتقال المتهم الرئيسي في تفجيرات الاولمبياد في اتلانتا، وهو ارهابي
امريكي اسمه اريك رودولف. رودولف الذي ارتكب سلسلة من اعمال التفجيرات الارهابية
ابرزها حادثة اتلانتا عام 1996، ظل هارباً من العدالة لمدة خمسة اعوام كاملة داخل
امريكا نفسها، وهو انجاز لا يمكن ان يقوم به ما لم يكن له شركاء وانصار كثر في
داخل البلاد. وقبل ذلك شغلت حادثة اوكلاهوما عام 1995 الرأي العام الامريكي، وركزت
الضوء علي منابع تغذية الارهاب وسط قوي اليمين الامريكي المتشدد.
الادارة الامريكية الحالية لا يسعها القيام
بحملة ضد فكر اليمين الديني المتطرف في امريكا ببساطة لأن قوي اليمين هي التي
تهيمن علي الادارة والكونغرس حاليا. وحتي لو حدثت المعجزة وقامت هذه الحملة فانها
لن تفلح في القضاء علي الظاهرة التي تفجرت اساسا بسبب نقمة اليمين الامريكي من
حملات سابقة علي انصاره. ولكن الادارة الامريكية بالمقابل تشن حملات تعسفية ضد
المهاجرين المسلمين في امريكا، وضد الناشطين المسلمين في كل مكان.
هذه الحملة اتخذت في كثير من نواحيها طابع
التنفيس عن تحيز عنصري قديم ضد الاجانب غير البيض، مثلا علي الرغم من ان المتهمين
في احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) لم تكن لديهم اي مشاكل تتعلق باجراءات
الهجرة، حيث حرصوا علي استيفاء شروط الاقامة. هذه الاجراءات بالتالي لن تجدي في
ردع الارهابيين الذين ثبت ان لديهم من الموارد والحيل ما يمكنهم من تجاوز هذه
العقبات بسهولة كبيرة، ولكنها بالمقابل تستعدي غالبية المسلمين والعرب والأجانب،
وتزيد التوتر والعداء بين امريكا وبقية العالمين، وهذا بدوره يبذر بذور العنف
ويخلق الجو الممهد له.
الذي نشهده حاليا ليس للأسف اجراءات جادة
لمواجهة الظاهرة الارهابية، بل هو عملية تصفية حسابات قديمة تحت غطاء مكافحة
الارهاب. فالانظمة تريد ان تتخذ محاربة الارهاب ذريعة لتقليص فرص المشاركة
السياسية وحرية التعبير المحدودة اصلا، بينما امريكا تريد ان تتخذ من دخان الحرب
علي الأرهاب ستارا لتمرير مشاريعها للهيمنة.
ومن يتداوي بالتي كانت هي الداء ينبغي الا
يندهش اذا عاجلته الوفاة بأسرع ما كان يأمل.