متوالية السقوط القومي!

 

 

 

بقلم :خيري منصور

 

عندما كتب المؤرخ »جيبون« عن سقوط الامبراطورية الرومانية، وجد من يقول له، ان الطريقة التي أرّخ بها لذلك السقوط، تفتضح سقوط الحضارة والثقافة الاوروبية التي ينتمي اليها، وبالمقياس ذاته، فان الاسلوب الذي تعامل به العرب رسميا وشعبيا مع سقوط العراق واحتلاله واقتسامه يفتضح سقوط السياق القومي والثقافي الذي ينتسبون اليه، فهم انتهوا خلال اقل من اسبوع واحد الى شامت وخائف ونادم.

وما تطالعنا به الصحف والمطبوعات العربية عن اشتباك النخب حول تبادل الادانات، وتوزيع الدم يجزم بأن السقوط العربي لم يكن موضعيا او جزئيا على صعيد انساني وثقافي، وان متوالية السقوط قد لا تتوقف قبل ان تنال من الجميع ولو بحصص متباينة، من حيث الكم، ومتجانسة من حيث النوع والكيفية!

اما الاستجابة العربية لشروط الاصلاح كما تمليها الولايات المتحدة، فهي تتراوح بين التحايل المحلي والتجميل الظاهري، واخيرا الضحك على الذات، فالديمقراطية حتى لو كانت حسب الوصفة الامريكية المعدة للتصدير معفاة من ضرائب التاريخ، لا يمكن التعامل مع اول سطر من كتابها بهذه الفجاجة وهذا التسطيح ذلك ان الترميم الذي لا يتجاوز سطح المشهد الاجتماعي المتصدع والآيل للسقوط، قد يصلح لمناسبة احتفالية، او لالتقاط الصور المتلفزة.

اما الجذور فهي أبعد من هذه الاصابع الخجولة، وما لم يكن الحوار صريحا، بين الاطراف المعنية بالاصلاحات، والنوايا اكثر جدية من محاولة استرضاء امريكا، فان حليمة ستعود الى عادتها القديمة، ان كانت قد اقلعت بالفعل عن تلك العادة!

ما يخيفني ليس سقوط عاصمة عربية، بقدر ما هو اسلوب التعامل مع هذا السقوط فقد يشهد هذا الاسلوب على تساقط وتهرؤ نسيج أمة بأسرها.

وغدا عندما يبرد الحديد، وتعود القلوب الفزعة من الحناجر الى مواقعها، وتتوقف نوبة الجنون، قد يكتشف العرب الذين يحتفلون بنجاتهم من السقوط انهم آخر من يعلم بما جرى لهم، فالسقوط هو المشترك القومي الوحيد الآن، وفي غمرة الثرثرة العقيمة عن الحرية والتغيير والاصلاح!