بقلم : غسان جواد
سئل المستشار الالماني، غيرهارد شرودر هل بدأ
الجرح في التحالف الغربي يندمل حقاً؟ فأجاب يبدو كذلك... ليس علينا ان نعمل من
خلال جزء من التاريخ... ولكن يجب ان نتطلع الى الأمام. الكلام الألماني، بدلالاته
المضمرة أميركياً، يشير الى ما ستكون عليه حركة العلاقات الغربية في المستقبل.
ألمانيا لأسبابها الداخلية عارضت الحرب على العراق. كذلك <<أوروبا
القديمة>>، وفي الحالتين انتهى التضارب في الملف العراقي على معادلة.. كل
بحسب حجمه ونفوذه، والجميع سلّم بالنتائج لمصلحة الولايات المتحدة نظريا، ومصلحة
الأمن الدولي في شكل بديل، وغير معلن، فيما المصالح تخضع للنسبية في المقاربة،
والاستقراء، والتمرير.
واللغة الدبلوماسية، المتبادلة، بين الولايات
المتحدة، وثلاثي المعارضة للحرب على العراق، ألمانيا، فرنسا، روسيا، هي نفسها في
جميع الأحوال. ومؤداها خضوع الجميع لنظام دولي مستجدّ، كانت النتائج السريعة للحرب
على العراق سببا مباشرا في قيامه. جورج بوش يقول لصحيفة <<لوفيغارو>>
<<تحيا فرنسا>> بالفرنسية. بوتين يؤكد أن ظروف الخلاف مع أميركا أقل
من مستوى العلاقة وأهميتها، فيما جاك شيراك الدمث يسعد جداً بلقاء الرئيس
الأميركي، في هذا محاولة لفكّ عزلة فرنسا، او عزلة القيمة الفرنسية في العلاقات
الدولية، ودعوة عدد من زعماء الدول النامية الى قمة مجموعة الثماني في افيان، ينم
عن دماثة فرنسية من جهة ورغبة في إشراك مختلف أطراف النزاعات العالمية في فك عزلة
باريس إثر الحرب على العراق. والنتائج في تفسيراتها المتعددة، تدلُ على لملة ذيول
المعارك التي خاضتها <<أوروبا القديمة>> مع حليفها القديمة الجديدة
على الضفة الاخرى من الاطلسي، المقدمات كانت في الإجماع الكبير الذي حدث في مجلس
الامن. حيث الطلب الاميركي برفع العقوبات عن العراق، نال أربعة عشر صوتا، وصوتا
سوريا مربكا ومترددا. فبدا القرار 1483 نوعا من إعادة الاعتبار الى الأمم المتحدة،
ومجلس الامن، ثم تسليما بمعطيات المرحلة: إنتهاء الحرب الباردة، أحداث الحادي عشر
من أيلول، الحربان الخاطفتان على كل من أفغانستان والعراق، وفي هاتين الحربين تكمن
نقطة القوة الاميركية في التوسع العسكري الميداني، والسيطرة على مفصلين جغرافيين
استراتيجيين. حيث مشارف بحر قزوين، والخليج العربي، وإحكام الطوق على منابع النفط
والثروات من كل صوب.
هذا الاستتباب المرتقب دوليا، محفوف بمخاطر
حقيقية تتعلق بالشرق الاوسط في شكل مباشر. وتتعلّق أيضاً بالهوة الشاسعة بين فقراء
وأغنياء العالم.
في النقطة الثانية، ترفع قمة افيان لدول
مجموعة الثمانية شعار محاربة الفقر عنوانا لها، وفي هذا شيء من محاولة التأكيد على
نسيان تداعيات الخلافات الاخيرة والتوافق الكلي، وربما الاول، بين القوى الصناعية
الكبرى، على محاربة الفقر، الامراض، والمضي في خطة تنمية بدءاً بأفريقيا وصولاً
الى الشرق الاوسط، هذا التوافق إذا صحّ التعبير، يبقى أخلاقيا، إذا لم تتمّ ترجمته
في السياسة والاقتصاد، والمعادلة التي نشأت بين هاتين المفردتين هي نفسها معنية
بالتطبيق. المشهد من الداخل هو في أن الاقتصاد يضع جدول أعمال السياسة، وهي معنية
في التنفيذ والترميم. وإذا كان التفاوت الاقتصادي بين شعوب العالم، أمراً ملحّاً
في استراتيجيات دول العالم الكبرى، خوفاً من التضخم، والانفلات، والبؤر، فإن قضية
مكافحة الارهاب تنضوي تحت نتائج هذه الاستراتيجيات. فمن التسرّع التصوّر بنجاح
سياسة مكافحة الارهاب عالمياً، إذا ما ظل أكثر من ثلثي سكان العالم تحت خط الفقر،
او إلى جانبه بقليل. هذا ناهيك عن ما تنتجه المجتمعات الفقيرة من نزاعات واضطرابات
واشتباكات، لن تكون دول العالم في منأى عنها مهما حاولت.
لحظة الحقيقة في الأمن العالمي، والعلاقات
الدولية هي في ملف الشرق الاوسط. والخطة الاميركية لهذا الملف تحظى الآن على أكبر
نسبة توافق عالمي منذ مؤتمر مدريد إثر حرب الخليج الثانية، ويرجح ان الرئيس
الاميركي يحمل معه تفويضا دوليا في شرم الشيخ والعقبة، مؤدى هذا التفويض فلسطين
بعد التسليم في ما آلت اليه أمور العراق. والمؤشرات، عربيا وعالميا، تشي ببدء
تطبيق خارطة الطريق، وإن بشكل مترنح في البداية. والعقبات التي تعترض هذه الخارطة
في طريقها الى التذليل، واحدة تلو الاخرى. يبقى ان الالتزام بهذه المحاولة حرفياً،
يعني ضرورة الانتباه الى عامل الوقت، الزمن السياسي، وما يعنيه من اقتناص حقيقي
للفرصة. وعدم الوقوع في التسويف والمماطلة من جانب إسرائيل وفلول المتضررين من
العملية السلمية في المنطقة، والتسويف يعني عدم الالتزام بالمراحل الزمنية التي
فرضتها خارطة الطرق. وإضاعة لحظة الاهتمام الرئاسي الاميركي المباشرة بالقضية
الفلسطينية. وصولاً الى الانتخابات الاميركية، والتذرع إسرائيلياً بالتطرف عندنا!
وعندنا يقوى التطرف في ظروف كهذه وينمو ببساطة. وامام الترابط النظري بين الملف
العراقي والملف الفلسطيني، يبدو بند عودة اللاجئين أساسيا في محاولات التوصل الى
حل للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي. والتأخر الاميركي في التأسيس لحكومة انتقالية في
العراق يطرح العديد من التساؤلات حول هذا الترابط النظري كما أسلفنا. فما مبرر عدم
التأسيس لسلطة بديلة في العراق؟ ولماذا الإبقاء على هذه الفوضى في ظل وجود قوى
سياسية عراقية تطالب المشاركة في حكم بلدها؟ الجواب ربما يكون على شكل توقّع،
ومحاولة استشراف. وربما يكون العراق عاملا مساعدا في التسوية، حيث من الممكن ان
يستوعب عددا لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين، يكونون مواطنين دائمين في الوطن
الجديد، والدولة الجديدة، اللذين سيقومان في عراق المستقبل، فهل هذا يحدث بعدما
أصبحت الولايات المتحدة دولة شرق أوسطية حسب عبدالله غول وزير خارجية تركيا؟