يعتقد عالم النفس الإسرائيلي الدكتور يسرائيل
أورون المختص في حوادث الانتحار بخطأ الفرضية السائدة التي تقول بأن الاستشهادي
الفلسطيني الذي ينطلق لتنفيذ عملية تفجيرية يكون مصمماً علي الموت، ويؤكد أورون في
بحث سيكولوجي هو الأول من نوعه نشر مؤخراً في صحيفة هآرتس الإسرائيلية علي أن
الفدائيين الفلسطينيين الذين يخرجون لتنفيذ عمليات لا ينشدون الموت بل ينشدون
الحياة.
في الآونة الأخيرة زادت وتيرة إقدام
الفلسطينيين علي تنفيذ عمليات استشهادية يقوم بها فلسطينيون وفلسطينيات هم في
ريعان الشباب.. طلاب جامعيون وفتيات مقبلات علي الزواج، وفتية لم يبلغوا سن الرشد
بعد..
لقد وصل الجدل العربي والفلسطيني حول
العمليات الاستشهادية ذروته... فالدول العربية بعد أن وقفت ضمنياً مع حق
الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي بكل السبل المتاحة.. تعهدت أخيرا
لأمريكا بالعمل علي إيقاف هذا النمط من المقاومة .. وخاصة بعد تفجيرات نيويورك
وواشنطن، والتفجيرات الأخيرة في الرياض والدار البيضاء .. أما القيادة الفلسطينية
المحاصرة فلم يعد لديها من سبيل سوي شجب وإدانة هذه العمليات.. ويصطف إلي جانب
الدول العربية والقيادة الفلسطينية قطاع لا بأس به من العلماء المسلمين والكتاب
والمثقفين العرب والفلسطينيين... وينطلقون من معارضتهم لتلك العمليات من منطلقات
مختلفة دينية وفكرية وسياسية ..
ويقف علي الجانب الآخر قوي فلسطينية رئيسية
في الداخل والخارج يدعمها رأي عام فلسطيني وعربي وإسلامي، وهي تري بأن العمليات
الاستشهادية مسوغة دينياً وأخلاقياً كما أجازها العديد من العلماء البارزين..
ويرون أنها السبيل الأنجع للمقاومة في ظل وجود الاحتلال، وأن ميزان القوي الحالي
بين الفلسطينيين والاحتلال يحتم تنفيذ مثل هذه العمليات، ويري هؤلاء أيضاً أن تلك
العمليات قادرة في النهاية علي تحطيم البنيان المعنوي للإسرائيليين واضعاف
اقتصادهم، والتمهيد لحالة من التدهور السياسي... لأن الإحساس بفقدان الأمن والعجز
عن مواجهة إرادة الاستشهاد لدي الشعب الفلسطيني يترسخ عند الإسرائيليين يوماً بعد
يوم.. ويعتبر مؤيدي هذه العمليات بأنها وسيلة للرد والانتقام الفلسطيني من عدو لا
يحترم قوانين ولا شرائع دولية أو إنسانية... فقتل الأطفال والشيوخ والنساء من
الجانب الفلسطيني ينبغي ألا يمر عليه أحد مرور الكرام، ويؤكد هذا الفريق علي أن
العمليات الفلسطينية هي أداة مهمة للحفاظ علي البنية المعنوية للشعب الفلسطيني
المقهور..
وبالمقابل تقول مصادر أمنية إسرائيلية بعد أن
استنفدت كافة الوسائل القمعية من أجل وقف هذه العمليات: تم استنفاد جميع الوسائل
المتوفرة لمواجهة العمليات الفلسطينية، ولم يتبق أمام إسرائيل سوي ثلاث طرق
لاستكمال هذه المواجهة وهي: إبعاد الرئيس ياسر عرفات، وابعاد الشيخ أحمد ياسين
الزعيم الروحي لحركة حماس والدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادتها، واجتياح كامل
لقطاع غزة..
د. عومي يدهتسور من مركز دراسات الأمن القومي
الإسرائيلي في جامعة حيفا قال في مقابلة سابقة مع التلفزيون الإسرائيلي بعد أن
أنهي دراسة حول شخصية الفلسطيني الاستشهادي: يصعب علي الجيش الإسرائيلي حل مشكلة
العمليات الاستشهادية... فخلال أيام معدودة بعد انتهاء عملية السور الواقي في آذار
من العام الماضي عاد الاستشهاديون الفلسطينيون إلي الشوارع... فهم لن يتركوننا
نحصد ثمار هذه العملية.
ومما قاله يدهتسور كان جميع الاستشهاديين حتي
نهاية عام 2001 من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وبعد هذه الفترة نفذت العمليات من
قبل أفراد تنظيم فتح والمقاومة الشعبية... إلا أن المتدينين علي حد قوله ظلوا في
الصدارة... وبين المنفذين 61% أعضاء في الحركــات الدينية، 60% لم يكونوا ذوي ماضٍ
في المقاومة، كما وأن 53 منهم كانوا ذوي دراسة عليا، 58 ذوي تعليــم ثانوي، 42 غير
متعلمين، 103 من الفئة العمرية ما بين 17 ـ 23 سنة، 134 استشهاديا لم يكونوا
متزوجين، 19 منهم متزوجين ولديهم أبناء.
وأكد الخبير الإسرائيلي علي أن هذه العمليات
هي الأكثر فتكاً... ففي آخر الاستطلاعات قال: 80% من الإسرائيليــــين أنهم
يخــــافون من التضرر المباشر من العمليات الاستشهادية والتي تشـــــكل تهديداً
استراتيجياً يعصــــف بهم في كل مكان يتجهون إليه.
بالتأكيد نحن هنا نكتب علي حياد في هذا
الموضوع ونعرض وجهات نظر عديدة، فبرغم نبل مقاصد الاستشهادي الفلسطيني، وبرغم أنه
يمثل ذروة العطاء والتضحية إلا أن هذا لا يلغي البحث في الأعماق النفسية والأبعاد
الاجتـماعية التي تشكل دوافع غير معلنة للأعمال الاستشهادية.. بحيث أصبح العمل
الاستشهادي الفلسطيني ظاهرة اجتماعية وحالة ثقافية عامة تتجاوز خصوصية العمل
الفردي نفسه.
أم نضال فرحات من حي الشجاعية بغزة التي قدمت
ولديها محمد ونضال شهيدين في انتفاضة الأقصي قالت لابنها محمد 17 عاما في شريط
الفيديو المسجل الذي عُرض علي شاشات التلفزة العالمية قبل أن ينفذ عملية داخل إحدي
المستوطنات في قطاع غزة : يا محمد أنت فلذة كبدي وأغلي ما أملك في حياتي، وليس من
السهل علي الأم أن تفرط بفلذة كبدها بسهولة إلا لشيء عظيم، وليس هناك أغلي من
الوطن والدين لتدافع عنه وتستشهد، وها أنا أهبك اليوم لتنتقل من هذه الحياة إلي
حياة أفضل في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء، وأفعل ذلك لأنني أحبك وأريد لك
الخير، يا بني اذهب علي بركة الله، واجعل دماء الأطفال محمد الدرة وإيمان حجو وغيرهم
ماثلة أمام عينيك انتقم لهم ولشعبك الذبيح وبالفعل استجاب محمد لنداء أمه الصابرة
المحتسبة وعاد إليها بعد ساعات شهيداً محمولا علي الأكتاف، وبعد عدة شهور ودعت
الأم ولدها البكر نضال إثر عملية اغتيال نفذتها طائرات الاحتلال في حي الزيتون
بمدينة غزة..
الطفل يوسف فؤاد بربخ 12 عاما شاهد بأم عينه
عملية اغتيال المناضل الفلسطيني نضال سلامة في خان يونس قال وهو يحمل بين يديه
قطعا لحمية صغيرة انتشلها من بين حطام السيارة: اليهود يقتلون الأطفال والشباب
والنساء بالصواريخ، نحن نكرههم لأنهم يريدون قتلنا، لن أنسي هذا المشهد طوال
حياتي، أملي أن أنال الشهادة كي أدافع عن وطني وعن أبناء شعبي..
الاستشهادية الفلسطينية الأولي وفاء إدريس
كانت تعمل مع طاقم إسعاف فلسطيني، يقول شقيقها الأكبر خليل ادريس: كانت أختي تشاهد
كل يوم عشرات الجرحي والمصابين وتعمل علي نقل جثث الشهداء الذين يسقطون بنيران
جنود الاحتلال، ودائما كانت تتحدث عن طبيعة تلك المشاهد المؤلمة، وفي مرات عديدة
تأتي إلي البيت والحزن يلفها وهي تروي لنا قصص الجرحي والشهداء الذين فجرت رؤوسهم
وأجسادهم رصاصات وقذائف الاحتلال، وكان لكل ذلك تأثيره التراكمي داخلها لترغب في
العمل الاستشهادي.
والاستشهادية آيات الأخرس 17 عاما من مخيم
الدهيشة التي لم يتبق علي زواجها من شادي أبو لبن سوي شهرين آثرت الشهادة علي بناء
عش الزوجية رغم أن العروسين وصلت بهما أحلامهما علي الاتفاق علي تسمية المولود
الأول.. بالتأكيد أن آيات وأسرتها وجيرانها كانوا يعانون من أوضاع معيشية مأساوية
في المخيم..
أما الاستشهادية الفلسطينية الخامسة هبة عازم
دراغمة 19 عاما من جنين من المؤكد أنها رأت بأم عينها ما حل بمخيم جنين من دمار
وخراب، كما وأن شقيقها يقبع في سجون الاحتلال..
والشهيد باسم التكروري رغم تفوقه في المدرسة
وحصوله علي معدل 90% ودخوله الجامعة تخصص هندسة إلا أنه قرر الاستشهاد.. الشاب
التكروري من سكان مدينة خليل الرحمن التي تعاني من الحصار والتنكيل والعزل، فمن
المؤكد أنه كان يجتاز كل يوم وهو في طريقة إلي جامعته حواجز الموت الإسرائيلية
المقامة علي مداخل المدينة، ويشاهد بأم عينه إذلال أبناء شعبه..
وأطفال الشهيدة رسمية حمد الله عرار 38سنة
الثمانية التي سقطت برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي بالقرب من قرية قراوة شمال
غربي محافظة رام الله ماذا عن مستقبلهم، وكيف سيكون تفكيرهم مستقبلاً بعد أن حرمهم
الاحتلال من حنان الأمومة؟
بقي أن نقول علي الإسرائيليين أن يراجعوا
ويدققوا حساباتهم جيداً فليعودوا إلي دراسات علماء النفس، وإلي مراكز الدراسات
البحثية في جامعاتهم ليتأكدوا بأن إقدام الشباب والفتيات والفتية الفلسطينيين علي
الاستشهاد إنما هو من ممارساتهم العنصرية اللاإنسانية.. إنهم يجرحون نرجسيات الذات
الفلسطينية بالإبعاد وهدم المنازل وبالاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات، وبتجريف
المزارع وبالحصار وبقطع أرزاق الناس.. هم بصنيعهم هذا يزرعون الكراهية ومن الواضح
أنهم يحصدون ثماراً مرة.