استباحة العراق ومستقبل التوازن العالمي

 

 

بقلم : كمال السعيد حبيب

 

يأتي الاحتلال الأمريكي للعراق ليمثل خطراً داهماً على المنطقة العربية والإسلامية من ناحية، كما أنه يمثل خطراً على العالم كله وعلى النظام الدولي. والصحيح أن أمريكا استخدمت أفغانستان ثم العراق كميادين لاختبار أفكار الطغمة الحاكمة في البيت الأبيض والبنتاجون بشأن إعادة صياغة العالم وفق قواعد الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، ورغم أن هذه القواعد تتبنى ما يطلق عليه "النـزعة الأخلاقية" التي تبشر بالحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية؛ لكن الواقع يؤكد أن هذه النـزعة الأخلاقية ذات الطابع التبشيري ليست سوى وسيلة لتبرير الدمار والخراب الذي توزعه جيوش الإمبراطورية الأمريكية على الشعوب التي تعدها بالحرية والديمقراطية، وبشكل عام فإن التاريخ الغربي الإمبراطوري يعرف ازدواجية القيم تجاه الشعوب غير الغربية والتي كانت تصفهم الإمبراطورية الرومانية "بالأعداء" أو الـ "Hostes"، وأفغانستان ثم العراق تشهدان على أكذوبة التبشير بالنـزعة الأخلاقية لمن يعرفون باسم "المحافظين الجدد" في أمريكا وهم الذين يصنعون القرار الأمريكي اليوم ويريدون تشكيل صورة العالم من جديد وفق تصور إمبراطوري تكون أمريكا فيه وريثة الإمبراطورية الرومانية الوثنية، وتفرض سلامها الأمريكي على العالم، كما فرضت الإمبراطورية الرومانية سلامها Pax-Roman لكن "السلام الإمبراطوري" لا يعني سوى الحرب والإذلال والتدمير والخراب والاحتلال لبقية العالم - وكما قال بوش: "من ليس معنا فهو ضدنا"؛ فعالم الإمبراطورية الأمريكية كما كان عالم الرومان الوثنيين صورته الإمبراطورية وبقية العالم، والإمبراطورية هي الخير، وبقية العالم شر أبدي مستطير عليه أن يُقمع ويُذَل ليدخل تحت وصاية الروح الإمبراطورية، والإدارة الأمريكية التي يمثلها بوش وفريقه تشيني، كونداليزا رايس، رامزفيلد، وولفوفيتز، ريتشارد بيرل وغيرهم، يحملون رؤية للعالم معبأة بروح إمبراطورية ممتزجة بتعصب ديني تعكسه أفكار القاعدة الأصولية الإنجيلية التي تدعم فريق بوش وهم الأصوليون - الإنجيليون الذين تمثلهم الكنائس الجنوبية في أمريكا والذين استطاعوا اختراق الحزب الجمهوري الأمريكي، وهم الذين جاؤوا ببوش إلى السلطة وقادتـهم الدينيين مثل القس "جراهام بل وابنه فرانكلين" وبات روبرتسون وغيرهم". إذن أمريكا بكل قوتـها الاقتصادية والعسكرية يوجهها في لحظة تاريخية نظن أنـها استثنائية فريق يمثل خطراً على العالم كله، وعلى أمريكا ذاتـها.. هذا الفريق يشبه في تقديرنا استيلاء "النازي" على ألمانيا بقيادة "هتلر"، وسعيه لإعادة بناء العالم وفق قواعد الرايخ الألماني ذات الطابع الإمبراطوري.

ومثل الرايخ الألماني والنازي ذعراً ورعباً لأوروبا وديمقراطيتها ونظمها وجيوشها ولكنه لم يستطع الصمود مع توسع حروبه وطموحاته الإمبراطورية.. وانـهارت إمبراطورية هتلر "تحت سنابك الصقور الذين صوروا للفوهرر" بأنه قادر على إعادة صياغة قواعد القانون الدولي والعالم وفق قواعده الإمبراطورية التي تقول "من ليس معنا فهو ضدنا".. والمثير في الأمر أن الروح الإمبراطورية ذات الطابع العسكري الاستبعادي تركت بصماتـها على السياسية الخارجية لأمريكا وعلى سياستها الداخلية بحيث لم تعد أمريكا دولة ديموقراطية تعددية تحترم القانون وحقوق الإنسان، ولكنها أصبحت دولة بوليسية تحكمها فكرة الأمن في الداخل والخارج.. وكما نعتقد - لا يمكن للسلوك الإمبراطوري أن يكون وحشياً في الخارج دون أن يهز قيم نموذجه الداخلي.

رؤية الإدارة الأمريكية للعالم:

تتبنى إدارة بوش رؤية للعالم تتلخص في عدة نقاط - أوضحتها وثائقهم وخاصة "مشروع القرن الأمريكي الجديد" و "وثيقة الأمن القومي الأمريكي" - وهي:

1 - اعتبار أمريكا هي القوة الوحيدة التي تقرر مصير العالم كله باعتبارها الدولة التي تحتكر أعظم قوة اقتصادية وعسكرية، وعليها أن تسعى لتبقى القوة غير المنازعة وربما غير المسبوقة في تقرير مصير العالم.

2 - اعتماد مبدأ الحرب الاستباقية"، وليس الحرب الدفاعية، لتبقى القوة الإمبراطورية التي تحكم العالم، ومبدأ الحرب الاستباقية يقوم على أساس إدراك القوة الإمبراطورية الأمريكية، وليس على وجود مؤشرات حقيقية على التهديد أو العدوان.. فأمريكا كقوة إمبراطورية هي التي تقرر أن هناك خطراً يهدد أمنها القومي من جانب دولة (ما)، وأن عليها التحرك بسرعة لمنع هذا الخطر دون الانتظار حتى يتحقق. بمعنى أن مبدأ الحرب الاستباقية يحرك الجيوش ويشن الحروب بقرار ذاتي وداخلي، بصرف النظر عن القواعد الأخلاقية أو القانونية. إن القانون أو القاعدة هنا هو إرادة الدولة الأقوى التي تؤسس لشريعة الغاب والفوضى في العلاقات الدولية، ولدى المحافظين الجدد الذين يحكمون أمريكا مبدأ يتحدث عن الاستقرار من خلال الفوضى.

3 - تجاوز كل المؤسسات الدولية، واستخدامها فقط كغطاء لتبرير الحرب الاستباقية أو شنها، وكما حدث في العراق فإن أمريكا تجاوزت مجلس الأمن لاستصدار قرار جديد لشن الحرب على العراق، وقامت بشن الحرب وفق مبدأ الحرب الاستباقية حيث إن العراق تبعد عن أمريكا بأكثر من عشرة آلاف كيلو متر، ولا تمثل أي تـهديد لأمنها القومي، كما أنـها لم ترتكب أي فعل يمثل إشارة لعدوان عليها.. وهنا فالقواعد الأمريكية الجديدة لا تقيم أي اعتبار لما يسمى بالشرعية الدولية أو الأمم المتحدة وهيئاتـها..

4 - منع أي قوة دولية من التكامل في المستقبل لتمثل تـهديداً للطموحات الإمبراطورية الأمريكية، ويدخل في ذلك الاتحاد الأوروبي خاصة فرنسا وألمانيا، والصين، وروسيا وبالطبع العالم الإسلامي.. ويستلهم المحافظون الجدد أفكار "صراع الحضارات" والتي أسس لها "برنارد لويس" و"صموئيل هنتجتون" حيث لم تعد الدولة القومية هي الوحدة الفاعلة في العلاقات الدولية أو النظام العالمي، وإنما أصبحت الفاعلية والتحدي للحضارات، وهنا تعتبر أمريكا نفسها المؤسسة للحضارة القومية الحديثة، بينما ترى فرنسا وألمانيا تعبيراً عن الحضارة الغربية القديمة، كما يرى المحافظون الجدد أنـهم الأكثر تعبيراً عن روح الحضارة الصليبية أكثر من المحور الفرنسي - الألماني؛ حيث روح الحضارة الصليبية تعتمد الأسس الأخلاقية أو ما يسمونه "الوضوح الأخلاقي" إلى جانب الحسم العسكري، بينما المحور الأوروبي التقليدي لا يزال يتعثر عاجزاً عن الوصول إلى إرادة سياسية، ومن ثم فهو يعتمد مبدأ الحصول على مصالحه عبر المداهنة الأخلاقية والعجز عن استعمال القوة العسكرية.

5 - الاستناد إلى عقيدة دينية للاندفاع بالمبادئ الأمنية والعسكرية الجديدة للمحافظين الجدد، فبوش يستخدم خطاباً أصولياً لتبرير سياسته إلى درجة أن الدولة في أمريكا أصبحت أداة للمتطرفين الإنجيليين بدلاً من توظيف الكنيسة ورجال الدين لصالح الدولة، ويتحدث مقربون لبوش عن أن معتقداته المسيحية المتأججة تحت السطح تمنحه قوة وعزماً؛ لكنها لا تعينه على فهم السياسات اللازم اتباعها، ويتحدث القسس المساندون للإدارة الأمريكية عن أن احتلال العراق سوف يقود إلى مزيد من انتشار المسيحية في العراق، وفي الواقع فإن العقيدة الإنجيلية الأصولية للمحافظين الجدد ربطت بقوة بينهم وبين المشروع الصهيوني في المنطقة العربية بحيث أصبحت الإدارة الأمريكية متماهية بقوة مع الإدارة الشارونية في الكيان الصهيوني، وتؤكد المعلومات أن اللوبي الصهيوني في الإدارة الأمريكية يمثل أحد أهم أدوات توجيه سياستها لصالح المشروع الصهيوني.

احتلال العراق ومستقبل العالم:

يمثل الاحتلال الأمريكي للعراق الخطوة الأولى فيما يتصور المحافظون الجدد أنه تأسيس لقواعد إمبراطوريتهم الجديدة، فهم شنوا حرباً عدوانية غير أخلاقية أو قانونية ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة - بصرف النظر عن طبيعة نظامها - وهم تجاوزوا الأمم المتحدة ومجلس الأمن حين شعروا أن فرنسا وروسيا يمكن أن يستخدما الفيتو في وجه قرار الحرب غير العادلة، وبعد الانتهاء من إسقاط نظام صدام حسين فإنـهم يؤسسون لعدوان جديد على سوريا.. بل وعدوان جديد على النظم التي يعتبرونـها نظماً غير ديموقراطية في المنطقة وخاصة مصر والسعودية. ومن ثم فالمحافظون الجدد يسعون إلى إعادة تغيير الخريطة في منطقة الشرق الأوسط كجزء من فرض رؤيتهم على العالم، فالانفراد بالسيطرة على نفط العراق يمكن أمريكا من التحكم بالقوى الدولية الأخرى قاطبة، فلو تخيلنا أن القرار الأمريكي فقط هو الذي سيقرر مستقبل النفط في العراق، وفي منطقة الخليج أيضاً - إذ إن الخطط اليمينية للإدارة الأمريكية تسعى لانتزاع القرار الوطني للدول الخليجية إزاء نفطها بشكل كامل - فمن ثم يصبح مصير العالم في يد أمريكا، إذ إن أوروبا تعتمد على النفط الخليجي وكذلك الصين وروسيا، وسوف يمكن احتلال الأمريكان العراق من شراء بعض الدول والاكتفاء بـها وفرض الأمر الواقع استناداً إلى قوتـها دون أي مراعاة لمعارضة هذه الدول، وعلى سبيل المثال فإن أمريكا اشترت أسبانيا وإيطاليا من المجموعة الأوروبية بالإضافة إلى دول شرق أوروبا، كما أنـها لوحت لروسيا بإمكان منحها بعض عقود الإعمار وبعض آبار النفط، وهي سوف تسعى إلى تحطيم الإرادة العربية بشكل كامل لصالح الكيان الصهيوني، وهي تسعى لعالم مواز للعالم الذي أوجدته في آسيا فهي تريد للعراق أن يكون أشبه بكوريا الجنوبية في الشرق الأوسط بحيث يجري التأسيس لشرق أوسط جديد توجهه أمريكا، ومن ثم فرض الحصار على الدول التي تعتبرها مارقة وفق أجندتـها الإمبراطورية.

فالمحافظون الجدد سيستخدمون القوة العسكرية وعنوان "نشر الحرية والديمقراطية" لاحتلال الدول التي تصنفها أمريكا بأنـها دول مارقة، وحين تصبح هذه الدول تحت قبضتها فإنـها تصبح أداة جديدة لفرض المزيد من السيطرة والهيمنة على الدول الأخرى التي ترى أنـها يمكن أن تنازعها وضعها الإمبراطوري في المستقبل، ومن ثم فإن رفض ألمانيا وفرنسا بالذات للحرب الأمريكية على العراق هو أحد أدوات تحدي الهيمنة الأمريكية حماية لمصالحهم، خاصة وأن ألمانيا من الناحية العسكرية خاضعة لأمريكا، كما أن حلف الناتو خاضع أيضاً للهيمنة والتدخل الأمريكي ؛ لذا لم تستطع فرنسا أو ألمانيا منع مرور الطائرات الأمريكية في مجالها الجوي لضرب العراق.

احتلال العراق يمثل فاتحة لتأسيس قواعد الإمبراطورية الأمريكية الجديدة، وبالطبع فإن الدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا والصين وروسيا تملك القدرات العسكرية والاقتصادية لمناطحة أمريكا على الأقل للاحتفاظ بقوتـها كما هي - أما الخاسر الأكبر فهي الدول العربية التي تفتقد للإرادة السياسية أو النظم أو القدرة على الحرب، ومن ثم فإن العالم الذي يتشكل اليوم سوف يشهد في تقديرنا - أن تصبح أمريكا قوة إمبراطورية حقيقية، بينما تظل الدول الكبرى تقاوم لحماية مصالحها والدفاع عنها، لكن الدول التي لا تزال قطرية أو قومية بمعنى أنـها لم تسطع أن تؤسس لوعاء اتحادي سياسي أو اقتصادي واسع فإنـها إما أن تدوسها القوة الأمريكية بالنهب والاستعمار أو تسعى لتأسيس تحالف فيما بينها في مواجهة القرن الأمريكي الجديد.

احتلال العراق هو اللبنة الأولى في التأسيس لاستعمار أمريكي للعالم بحيث يمكن القول إن العالم سيصبح دارين، الدار الأمريكية وهي دار السلم، وبقية العالم وهي دار الحرب والشر.

بالطبع.. ليست التصورات الأمريكية هي القدر المحتوم الذي لا يمكن مدافعته، ولكن يمكن أن نجد تبلور تيار مقاوم في العراق ممثلا لنواة تتأسس حولها القوى المعادية والرافضة للهيمنة الأمريكية في العالم، وهذه القوى يمكن أن تكون ذات طابع جهادي ينخرط في مواجهة حقيقية مع المحتل، كما يمكن أن تكون تعبيراً عن تيار لمؤسسات المجتمع المدني العابرة للدول، والتيارات الرافضة للخطط الأمريكية باعتبارها خطراً على العالم، ويمكن أن ينخرط معها ما أطلقنا عليه الدول التي لا تزال في الطور القطري أو القومي مثل المكسيك وفنـزويلا، والأرجنتين، ونيجيريا، وجنوب أفريقيا..

ويمكن القول إن الميل الأمريكي ناحية الطور الإمبراطوري سوف يدخل الكيان الإمبراطوري الجديد تجاه قواعد سقوط القوى العظمى وانحدارها بحيث يكون ما ذهب إليه "بول كنيدي" في كتابه "قيام وسقوط القوى العظمى" ملائماً للتطبيق على الحالة الأمريكية.. فحين تتمدد هذه القوى خارج حدودها تقل قدرتـها على حماية هذا التوسع في ظل مقاومة الهيمنة التي تمثلها.. وكما نقدر؛ فقد تكون المنطقة العربية والإسلامية التي تصورت أمريكا أنـها الحلقة الأضعف في العالم، ومن ثم الأكثر ملائمة لتطبيق تصوراتـها الإمبراطورية؛ ربما تكون هذه المنطقة شاهداً على انحطاطها وانـهيارها uuu