الخطاب الصهيوني المراوغ

 

 

 

بقلم : د. عبد الوهاب المسيري

 

 كلمة خطاب العربية هي ترجمة لكلمة ديسكورس (discourse) الإنجليزية، وهي كلمة مركبة وخلافية ولها معانٍ عديدة، إذ تطور حقلها الدلالي بشكل ملحوظ منذ الخمسينيات مع ظهور البنيوية وما بعدها. وقد عُرِّف الخطاب بالمعنى المعجمي المباشر بأنه كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سواء كان مكتوباً أو ملفوظاً. ولكن للكلام دلالات غير ملفوظة يدركها المتحدث والسامع دون علامةٍ معلنةٍ واضحة، ولهذا عُرِّف الخطاب بأنه نظام من القول له قواعده وخواصه التي تحدد شكل الجمل وتتابعها، والصور المجازية، والخواص اللفظية، ونوع الأسئلة التي تُسأل، والموضوعات الأساسية الكامنة، وما يقال وما يسكت عنه، أي تحدد الاستدلالات والتوقعات الدلالية.

ولكل مجتمعٍ خطابه، إذ تتآلف الجمل لتشكل نصاً مفرداً، وتتآلف النصوص لتشكل نصاً شاملاً، أي نسقاً فكرياً متكاملاً ورؤية للكون، ولكل خطاب تحيزاته المعرفية، ومن ثم فالمعرفة التي ينقلها الخطاب ليست محايدة أو بريئة كما قد يبدو من ظاهره.

وتكتسب دراسة الخطاب الصهيوني أهمية قصوى في مسار الصراع العربي-الصهيوني، سواء لفهم خصائص هذا الخطاب والأساليب التي يتبعها والأسباب التي تؤدي إلى قبوله في الغرب أو لصياغة خطابٍ مضادٍ ذي منطلقاتٍ عربية لا يكتفي بالإدانة أو التحريض أو الفضح بل يتجاوز ذلك إلى التحليل والتفسير، وهما أساسيان لأية مواجهة جادة للمخطط الصهيوني الاستعماري.

سمات الخطاب الصهيوني المراوغ: الخطاب الصهيوني له سمات محددة، أهمها المراوغة النابعة من طبيعة نشأة المشروع الصهيوني من جهةٍ، وتعدد الجهات التي يتوجه لها هذا الخطاب من جهةٍ أخرى:

فالصهيونية حركة تابعة يدعمها ويمولها الاستعمار الغربي، ولهذا يتوجه الخطاب الصهيوني بالأساس إلى الدول الاستعمارية الراعية.

لا تتوجه الصهيونية لهذه الدول فحسب أو لنخبها الحاكمة فقط، بل تسعى في الوقت نفسه إلى كسب تأييد الرأي العام غير اليهودي فيها، والذي قد لا يدرك الأبعاد الاستراتيجية للتحالف بين "إسرائيل" والحضارة الغربية، ومن ثم فقد يتبنى مواقف متباينةٍ من الكيان الصهيوني وممارساته تصل أحياناً إلى حد العداء. ويتسم هذا الرأي العام بعدم التجانس، فهناك العلمانيون الليبراليون الذين يطالبون بفصل الدين عن الدولة، وهناك أيضاً المسيحيون الأصوليون الذين يرون الدولة الصهيونية باعتبارها إحدى علامات آخر الأيام.

لابد أن يتوجه الخطاب الصهيوني للمادة البشرية المستهدفة، أي تلك الجماعات اليهودية في العالم التي تنتمي إلى تشكيلات ثقافية وحضارية واجتماعية مختلفة، إما لحث قطاعاتٍ منها على الهجرة والاستيطان في الكيان الصهيوني، وإما لضمان الدعم المالي والسياسي والإعلامي لهذه الجماعات، وهو أمر لا غنى عنه لهذا الكيان.

تعود الصهيونية إلى أصول ثقافية ودينية واجتماعية وطبقية متباينة، وهو ما يجعل لكل فريق صهيوني رؤية وأولويات مختلفة، تنعكس بطبيعة الحال على خطاب كلٍ منها.

تركت التيارات الصهيونية بعض القضايا الأساسية دون اتفاق، فلم يتم الاتفاق على هوية اليهودي بل ولم يتم الاتفاق على هوية الصهيوني، كما لم يتحدد التوجه الاجتماعي أو الاقتصادي للعقيدة الصهيونية.

والمشكلة التي واجهها الخطاب الصهيوني هي كيف يمكن التوجه لكل هذه القطاعات المتباينة بشكلٍ مقنعٍ في الوقت نفسه، إذ كان على الدولة الصهيونية أن تقدم نفسها باعتبارها دولة ديمقراطية تستند إلى أيديولوجية ليبرالية وتنتمي إلى الحضارة الغربية العقلانية، ولكنها في الواقع الفعلي دولة استبعادية حصرية، فهي تقوم بطرد الفلسطينيين وهدم قراهم وديارهم وخوض حروب توسعية تذكر المرء بدولة مثل إسبرطة أو بروسيا لا بأثينا. وكان على الدولة الصهيونية أن تقدم نفسها باعتبارها دولة علمانية متطرفة في علمانيتها، ولكنها في الوقت نفسه تدعي أنها دينية متطرفة في تدينها، ورأسمالية مغالية في رأسماليتها، واشتراكية مغالية في اشتراكيتها. والحركة الصهيونية تقبل اندماج اليهود في غرب أوروبا (حتى لا تثير حفيظة يهود أو حكومات هذه البلاد) ولكنها في ذات الوقت تطالب بتهجير اليهود من شرقها.

ولإنجاز هذه الأهداف التي تبدو متعارضةً، ولتحقيق هدفها في اغتصاب فلسطين وطرد أهلها وتجنيد يهود العالم لدعم مشروعها ومده بالمادة البشرية المطلوبة، طورت الصهيونية خطاباً هلامياً مبهماً غير متجانس بشكل متعمد، يتسم بدرجة عالية من عدم الاتساق، ويحتوي على فجوات كثيرة تتيح لكل فريقٍ من الفرق الصهيونية المختلفة أن يستغلها لتمرير مقولاته دون أن يخرج عن إطار الصيغة الصهيونية الشاملة، كما تتيح تغييب الضحية وتشويه صورته في أعين الرأي العام في الغرب على وجه الخصوص.

وقد كتب هرتزل قائلاً: إنه حقق شيئاً يكاد يكون مستحيلاً: الاتحاد الوطيد بين العناصر اليهودية الحديثة المتطرفة (أي بين اليهود المندمجين في غرب أوربا واليهود غير المندمجين)، والعناصر اليهودية المحافظة (أي يهود شرق أوروبا واليهود المتدينين)، وقد حدث ذلك بموافقة الطرفين دون أي تنازل من الجانبين ودون أية تضحية فكرية، كما تباهي هرتزل بمصالحة أخرى أجراها بين الحضارة الغربية ويهود العالم.

ولم يكن هرتزل بعيداً عن الصواب فيما يقول، فالخطاب الصهيوني المراوغ الذي وضع هو أساسه نجح في إخفاء كل التناقضات وفي التوجه إلى كل قطاع من القطاعات المعنية بصوت يرضيه. كما أنه تجاهل العرب تماماً (على الأقل في تصريحاته وكتاباته العلنية) فلم يذكرهم بخير أو شر. وقد احتفظ هذا الخطاب بتوجهه الأساسي من خلال التمسك بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والمهودة وإخفائها إلى حدٍّ كبير في آنٍ واحد، على أن تعبِّر عن نفسها من خلال تنويعات تخفيها سحابة كثيفة من الاستراتيجيات والحيل البلاغية المتنوعة التي لابد من دراستها بشكلٍ مفصل لفك شفرة الخطاب الصهيوني.