الانقاذ الجزائرية : الزلزال كشف الفساد والرشوة المتفشية في أجهزة الدولة

 

 

 خصصت نشرة الرباط التي تصدرها جبهة الانقاذ الجزائرية عددها الأخير للتعليق علي الزلزال الذي ضرب الجزائر مؤخرا.

فيما يلي نص التعليق :

في غالب الأحيان تدفع الكوارث مثل الزلازل والمحن والفيضانات التي تصيب بلدا ما أهل هذه البلاد، حكومة وشعبا، لينسوا خلافاتهم فيكونون كالجسد الواحد ويهبون هبة رجل واحد للتضامن والتكفل بالمنكوبين. وبطبيعة الحال ليس من الأخلاق المحمودة أن يستغل إنسان أو جماعة هذه المحن للتحرك من أجل مكاسب سياسية رخيصة على حساب الضحايا والمنكوبين. ولكن واقع منكوبي زلزال الأربعاء 21 ماي الذي ضرب شرق العاصمة الجزائرية لم يعط هذه الصورة من التلاحم التام والتضامن بل رافقته موجة من الغضب على السلطة الحاكمة سواء بما تعلق ببطء المساعدات والتدخلات الأولية أو بما يتعلق بوقوع غش مفضوح في البنايات، وهذا لا يعنى أن المنكوبين يردون قضاء الله وقدره في الزلزال ويحملون مسؤولية وقوعه على عاتق النظام فلا نعتقد أن أحدا في الجزائر له هذا التصور الجاهلي لسنن الله في خلقه.

فالناس لا ترفض قضاء الله فيما يخص وقوع الزلزال فعقيدتهم تمنعهم من ذلك، فالزلازل من السنن الكونية وعلى الإنسان التكيف معها، وهنالك معايير توصلت إليها الدراسات والتكنولوجيات في ما يتعلق بالبناء في المناطق التي تكون عرضة أكثر من غيرها للزلازل، ونعتقد أنه بعد الزلزال الذي ضرب مدينة الشلف (الأصنام سابقا) هنالك بعض القوانين التي تفرض على المقاولين إتباع المعايير الخاصة بالبناء في مناطق الزلزال، وهذه المعايير ليست ضربا من التكنولوجيا المعقدة فهي متوفرة وتدرس في الجامعات الجزائرية، وليس من العبث أن نضرب مثلا باليابان والولايات المتحدة الذين يطبقون على أبنيتهم هذه المعايير بكل صرامة إذ أنه وقع هذه الأيام زلزالا في اليابان عد أشد قوة من الذي وقع في الجزائر ولم يخلف أي قتيل إلا خسائر مادية بسيطة، والتبرير الجزائري برفض المقارنة بحجة أن هذه الدول متقدمة هو أمر مرفوض لأن الأمر يتعلق بالضمير والغش والخداع.

فلا شك أن كثيرا من البنايات التي انهارت في الثواني الأولى من الزلزال لم تخضع لمعايير البناء ضد الزلزال وغشها بائن، ولا شك أن السلطة تتحمل المسؤولية كاملة في هذا المجال لأنها هي المسؤولة على مراقبة تنفيذ هذه المعايير وغيرها والحفاظ على سلامة الناس وحفظ أملاكهم وأرواحهم سواء كانت هذه الأملاك عمومية أو خاصة، وكان لها أن تجعل آليات للسهر على احترام تلك المعايير بصرامة خاصة وأن الجزائر تتعرض لزلزال كل خمس سنوات تقريبا.

فلا يخفى على أحد أن هذا الغش والخداع في البناء هو نتيجة للفساد والرشوة المتفشية في أجهزة الدولة وامتدت لقطاعات واسعة من المجتمع، فهذه الممارسات في أعلى هرم الدولة سمحت باستيراد أدوية غير صالحة ومواد غذائية فاسدة تشكل خطرا على المجتمع وجريمة في حق الشعب ولم تجرك الدولة ساكنا لإيقاف هذه الآفة بل أن الأمر يزيد تفشيا يوما بعد يوم.

إن الدول التي تحرص على سلامة شعبها تسارع كلما تعرضت إلى محنة للتصدي بكل الوسائل لعدم تكرار مثل هذه المآسي، فعندما يقع الزلزال وتنهار البنايات تعالج هذه القضية بدراسات وقوانين لا لمنع الزلزال ولكن في حالة ما إذا وقع ألا تكون مثل هذه الخسائر. وهذا ما وقع في أوروبا مع جنون البقر والحمى القلاعية وما يتعلق بالمشاكل التي تتعلق بالمواد الغذائية الضارة فإن السلطات (في البلدان الغربية) أخذت تدابير وقائية وقانونية لمنع وقوعها مرة أخرى بحجم يؤثر على سلامة السكان، ولكن في بلادنا تمر المحنة تلو المحنة، والكوارث التي يتسبب فيها المسؤولون والفساد الإداري تمر وكأن شيئا لم يقع ولا تأخذ الدروس والعبر والإجراءات اللازمة لمواجهة الكوارث والتعامل معها بطريقة تخفف الغبن عن المصابين. وهكذا وكلما وقعت كارثة تبقى السلطات المتعاقبة للنظام تنتظر المساعدات الخارجية.

والأمر الثاني الذي هو غير مقبول هو عدم وجود فرق إنقاذ مختصة على الرغم أنه قد وقعت خمس زلازل في السنوات الأخيرة في الجزائر، وقد شاهدنا فرق الحماية المدنية تعمل جاهدة لإنقاذ من كان تحت الأنقاض بآلات بدائية مثل الفؤوس في حين أن الأمر بتطلب أجهزة خاصة وكلابا مدربة على البحث قي الأنقاض. وهذا لا يكلف في الحقيقة مبالغا كبيرة لميزانية دولة كالجزائر، في حين أن السلطة قد أنفقت أموالا طائلة على تدريب الجيوش لقمع الناس وكبح الحريات.

لقد وقع الكثير من الأحداث والكوارث على أرض الجزائر وكل واحدة منها تستدعي تغييرا جذريا في كيفية تسيير الأمور العامة في البلاد. وبعيدا عن المزايدات السياسية والتأويلات السياسوية فإن زلزال الأربعاء 21 ماي وما كشف من ثغرات خطيرة وواضحة في مؤسسات الدولة وتنظيمها وتسييرها فإنه يستدعي فحصا جادا للأوضاع وتغييرا جذريا للنظام وأساليب تسييره ولكن رغم ضخامة ما حصل فإنه من المستبعد أن يقدم هذا النظام على مراجعة أساليبه وتغيير نفسه أو إصلاحها بما يتماشى وطموحات الشعب في التقدم والرقي كما أنه من المستبعد أن يقضي على الفساد الإداري لأن هذا التغيير بدوره يستدعي تغيير النظام في العمق.