ملل صحفي
بينما أتأمل حالنا وقد وقفنا ننتظر فرصة
مستحيلة لنتحرك في مكاننا وقد منعنا جنود صهاينة من ذلك بالقوة في التاسع والعشرين
من آب ؛ كنت أشعر بخطى ثلة من الصحفيين المارين فوق عظامي وما بقي من رماد حيّنا
هنا بعد وقت بدا آت لا محالة .. هنا عندما سنتحول في القريب العاجل لمتحف للعظام
المسحوقة .. هنا بلا شك نحن على وشك توفير مادة متجددة لصحافة تمل بسرعة يوم نباد
تحت عدسات التلفزة العالمية ..
وفي اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في
الواحد والثلاثين من آب وبينما أمرّ وفيّ شوق لرؤية الزهور التي جعلت حياتي جنة في
العام الماضي ؛ التقطتني
"زهرة" وبدأت بسيل من الكلمات كأنها كانت تنتظرني ، قالت : هل
رأيت ما حدث لنا يا معلمتي .. لقد سرقوا كل شيء ودمروا منزلنا .. سرقوا القرض الذي
كان والدي ووالدتي قد حصلوا عليه من البنك ومصاغ أمي وكل ما لدينا من مال .. سرقوا حتى حاجياتنا الصغيرة .. وبعد أن جمعونا في الطابق السفلي
كرهائن ؛ جعلوا منزلنا ثكنة عسكرية سكنها ما بين أربعين إلى ستين جندي لم يتركوا المنزل إلا وقد دمروه ..
اتصل والدي بأشهر محطتين عربيتين فضائيتين دون فائدة ، الأولى أغلقت التلفون في
وجهه والثانية تكلمت معه وسايرته حتى أغلق الخط كرد عتب فقط .. دون أن يأتوا على
الأقل لأخذ ما يشتهوا من صور ..
زهرتي بدت لي هذا العام شاحبة وأقل وزنا من العام الماضي كأنها تحمل تبعات الكارثة
المادية التي حلت بعائلتها ، وكانت قد روت لي في العام الماضي شهادتها الحية على
المجزرة التي ألمت بعائلة أبو كويك ؛ لا أعلم إن كانت زهرتي البريئة أول شاهد على
تلك المجزرة أم أن هناك آخر ؛ غير أني أكيدة من أنها شهدت كل التفاصيل الأولى
للمجزرة .. ولم أقم يومها بتفريغ الشريط المسجل لشهادتها ونشره غيرأن كلماتها ما
زالت في مخيلتي مختلطة بابتسامة
غريبة رافقت حديثها ؛ وعندما انتهت من تسجيل شهادتها ؛ سألتها: هل شعرت بالخوف
وأنت تتحركي بين الجثث المقطعة ؟؟ قالت لي وهي تبتسم : أنا .. لا .. لا .. لم
أخف.. أمي خافت .. وكانت أمي تبكي لأنها خرجت مسرعة تحاول انقاذ أي فرد منهم دون
فائدة ..
أعتقد أن زهرتي الصغيرة بدأت تتغير منذ فترة
المجزرة فقد أصبحت أكثر سكونا وأقل مشاركة وحيوية مما كنت أعهد فيها .. وظلت تحافظ
على ابتسامة غريبة كأنها مصطنعة
كلما نظرت إليّ ولم تُغيب تلك البسمة سوى مرّة واحدة عندما صُدمت من ضعف
اجابتها في اختبار هام .. يومها استدعيتها
وأنا أحمل الورقة في يدي ؛ وقبل أن أبدأ بلومها كانت دموعها تضرب قلبي ..