المقاومة الشعبية بين
التأنى والتدنى
بقلـم : محمـود شنب
مقالات
الدكتور محمد عباس لها مكانة خاصة فى النفوس ، وكل كلمة فيها تستحق منا تلك
المكانة السامية ، وكثيرًا ما يلفت ـ الدكتور محمد عباس ـ إنتباه القارئ إلى أمور
قد تبدو غامضة فى أولها ولا تبدو خطورتها إلا بعد أن يتناولها بقلمه وفكره وأسلوبه
، وخير شاهد على ذلك تناوله لرواية الفاسق حيدر حيدر ( وليمة لأعشاب البحر ) حيث
سبقه فى نقد تلك الرواية كُتاب غيره ، لكن قلمه وحده هو الذى أوضح الخطر وكشف
الأمور على حقيقتها فاشتعلت المظاهرات وارتجت الدولة وعلم الجميع بخطورة ما يحدث ،
وهنا يكمن الفرق حتى فى تناول الموضوع الواحد أو الخبر الواحد بين الكاتب وغيره .
ومقالات
الدكتور محمد عباس يجب أن تـُـقرأ بعناية وانتباه ، ولحرصى على ذلك لا أترك حتى
"بريد القراء" الخاص به ، وقد شدتنى رسالة بُعثت له من دكتور مصرى مسلم
مقيم فى أمريكا ـ يعتب فيها على كل مفكرى وكتاب مصـر من تركيزهم على نقد الحكام
والأنظمة وتغافلهم عن نقد شعوبهم التى تتصف بالجبن والنفاق والاتكالية وقبول الظلم
والرضا بسلب الحقوق من أجل أهداف دنيوية كتربية الأولاد والحفاظ على لقمة العيش ،
والدكتور لم يكن محق فى وصف الشعوب ونعتها بهذه الصفات لأنه وإن كان محق فى جانب
مما قاله إلا أنه ـ بحكم اقامته فى أمريكا ـ غابت عنه جوانب عديدة لأن الدولة
البوليسية فى مصـر غابت عن تفكيره عندما حدد أسباب تقاعسنا وقبولنا للظلم فى أسباب
دنيوية حصرها فى لقمة العيش وتربية الأولاد ، وليأذن لى الدكتور محمد عباس بأن
أوضح للأخ الكريم أنه بالنسبة لتربية الأولاد فان أغلبهم قد فسد بفساد المجتمع ،
وبالنسبة للقمة العيش فان البطالة قد طالت الجميع ، وعليه فان السبب فيما ترى يعود
لأمور أخرى يقف على رأسها إنتهاك حقوق الانسان وامتهان كرامته وحرماته بصورة قد لا
يتخيلها الأخ الدكتور نتيجة الزيف الإعلامى والبعد عن العيش فى تلك البلاد
المنكوبة بحكامها ، وشأنه فى ذلك شأن أغلب مثقفوا المهجر ممن يعيبون على شعوب
بلادهم قبلوهم الضيم والهوان وظلم الحكام ، ويأخذون عليهم إستكانتهم للتخلف ورضاهم
بذل العيش وعدم مقاومتهم للأنظمة الفاسدة ، وهم بذلك يزيدون المهموم همًا ، ويلقون
بتبعية التخلف على أكتاف شعوب مقهورة تـُحكم بالحديد والنار ، ورغم أن التحرك
الشعبى يعد مطلبًا أساسيًا لكل المنظمات والأحزاب المصـرية إلا أنه فى ظروف معينة
يصبح التحرك الشعبى نوعًا من الانتحار الجماعى .
والواقع يحتم علينا توضيح الصورة :
إن للدكتاتورية أنياب فتاكة لا
يدركها إلا من يعيش بين فكيها ، ولا يمكن فرض الظلم على الشعوب إلا من خلال قوة
عمياء تبطش بكل من يحاول الفكاك أو المقاومة ، والمشكلة بدأت من القادة وليس من
الشعوب ، وفى الوقت الذى كان يُستعبد فيه مواطن الغرب وتـُسرق حقوقه ـ كان مواطن
الشرق يحصل على أجره قبل أن يجف عرقه ..
وفى الوقت الذى كان يتخطف فيه الناس
فى المجتمعات الغير إسلامية ـ كان ينام عمر بن الخطاب تحت الشجرة بعد أن ملأ
الدنيا عدلاً وأمنًا وسلامًا ..
وفى الوقت الذى لم تعرف فيه شعوب
الغرب جيوشًا تحميها ـ كان للإسلام جيش أوله عند الظالم فى أى مكان من الأرض وآخره
عند الحاكم الذى يحكم بشرع الله ..
وفى الوقت الذى كانت تتعرى فيه نساء
الغرب ويُستعبدن ـ كانت تقوم الدنيا ولا تقعد لكشف عورة امرأة مسلمة حفظ الإسلام
لها شرفها وكرامتها ..
كل ذلك وأكثر قام على أكتاف الحاكم
الذى كان يحكم بشرع الله ، رغم أن رسالة الإسلام نزلت وسط قوم غلظ كانوا يدفنون
البنات أحياء ، ويعاقرون الخمر والنساء ، ولم يقومهم إلا الحاكم المسلم القائم على
شرع الله .
وعندما دار الزمان دورته .. وأصاب
الوهن والضعف الدولة الإسلامية أصاب أول ما أصاب الحكام ، ولم ينل من الشعوب إلا
بقدر ما نال من الطبقة المثقفة التى استمالها الغرب إلى جانبه وأدخلنا بهم جهالات
عصر التنوير ، وعن طريقهم تم تدمير كل ثوابت الأمة وتغييب وعيها ، والشعب فى كل
الأمم هو محصلة سياسات الطبقة الحاكمة ونتاج إعلامها وتعليمها ..... من هنا نجد أن
الإدمان ينتشر فى أمة دون أمة ، والبطالة فى شعب دون شعب ، والانحلال الخلقى فى
بلاد دون أخرى ، والشجاعة والاقدام فى بلد دون بلد ، والجبن والتخاذل فى قوم دون
قوم .... كل ٍ حسب ما وفره القائمين على تلك البلاد ، ولقد كان نصيب الشعوب
العربية والإسلامية أن ابتليت بحكام صنعهم الغرب على عينه وأمدهم بمنظومات بطش
وإعلام وتزييف حتى يمكنهم من تأدية عملهم الذى حدده لهم بمنتهى الدقة والحزم
والجدية .
ومن آثار ذلك ونتائجة تحددت معالم
كل دولة وحركة كل شعب ، وأصبح النظام "فتوه" كل بلد ، وأصبحت
"فتونة" النظام مختلفة من بلد إلى آخر ، فمثلاً جعلت أمريكا وكل دول
الغرب فتونتها فى قدراتها العسكرية ، وجعلت الدول العربية ـ وعلى رأسها مصـر ـ
فتونتها فى الأمن المركزى والقبضة الحديدية على الشعوب ...
ولك أن تتخيل مواطن وضع نظامه
الحاكم كل قدراته من أجل اذلاله وكبته وسحقه وملاحقته ومحاسبته على كل ما يقول
ويفعل ، وبين مواطن آخر يعيش فى بلاد تفرغ نظامها الحاكم فى المحافظة على أمنه
الخارجى واستقراره الداخلى وتفرغ للإنتاج والإبداع والتطوير ، وعلى ذلك أنتج
النظام الحاكم فى كل الدول العربية مواطن ليس لـه أدنى حقوق ـ يعيش فى دولة
بوليسية كل نفقاتها متجهة لتأمين رفاهية الطبقة الحاكمة وتأمين سلامة أبناء الصفوة
ومشاريعهم .
والشعوب المقهورة
تغلى فى أوطانها ، لكنها تفتقد وسيلة الخلاص ، وتفتقد من ينظم جهودها ، وفى السجون
الآن آلاف المعتقلين دون حتى اتهام ـ منهم من حصل على أحكام قضائية فاقت العشرين
حكمًا ولم ينفذ حكم واحد !!
والدولة تجهض
أولاً بأول كل محاولات التغيير وتسجن وتعتقل كل من يريد أن يساعد هؤلاء الناس أو
يمد لذويهم يد العون والمساعدة .
إن المواطن الذى
يتظاهر فى أمريكا أو أىٍ من الدول الأوربية ـ لو قوبل بما يقابل به المتظاهر فى
مصـر أو أىٍ من الدول العربية ما قامت مظاهرة واحدة فى دول الغرب .
ومظاهرات 18 ، 19
يناير التى اندلعت أيام السادات وأسماها "انتفاضة الحراميه" كانت درسًا
لكل الأنظمة العربية فيما بعد ، حيث ضاعفوا بعدها أعداد قوات الأمن المركزى
وأدخلوا الأسلحة الثقيلة والمجنزرة ضمن أدوات بطشهم ، وأقاموا السجون والمحاكم
العسكرية للمدنيين ، وأصدروا قوانين قذرة كثيرة مثل قانون الطوارئ والصحافة والعمل
النقابى وحاصروا المواطن من كل جانب ... وأصبح النظام الحاكم الذى جعل
"فتونته" فى قهر المواطن يتحرك لأقل خطر ويقوم برد فعل يتعدى بكثير
الفعل نفسه بدوافع الخوف وزيادة الحيطة ، وقد شاهدنا تعامل الدولة مع تظاهرات طلبة
الأزهر أثناء أزمة الوليمة .. لقد استخدمت الرصاص الحى وصوبته إلى الصدور والعيون
، ودفعها إلى ذلك إبراهيم سعده وأمثاله من خلال كتاباته "القاهرة تحترق
والدولة تتفرج" وتلك هى الدولة وتلك هى النخبة المثقفة .
من قال ان الشعوب
خاملة ولا تتحرك والسجون ممتلئة بكل من يقاوم ـ أطباء وأساتذة جامعات ونقابيون
ومحامون وطلبة ومن كل فئات المجتمع ؟؟
من قال ان الحركة
الشعبية خاملة ، وفى كل محافظات مصـر قلق واضطراب كالمخاض الذى يسبق الولادة ؟؟
إن الحركة الشعبية
موجودة فى كل الدول الإسلامية ، والمجاهد أسامه بن لادن ما هو إلا نتاج حركة شعبية
لم تخرج من تحت عباءة الأنظمة أو الحكومات ، وفى لبنان حزب الله ، وفى فلسطين حماس
والجهاد وشهداء الأقصى وكل المنظمات الإسلامية ...
فى سوريا والجزائر
وتونس وكل الدول العربية توجد حركات شعبية لا تهدأ ولن تهدأ .. منها ما يتجه
داخليًا لتغيير الحكم والأنظمة الفاسدة ، ومنها ما يتجه خارجيًا لتلقين الطغاة
دروسًا فى عزة الإسلام ومنعته وتواجده على الساحة .
وما أحداث الحادى
عشر من سبتمبر ببعيدة وقد مرغوا وجه أمريكا فى التراب ، وما تنظيم القاعدة إلا
حركة شعبية التف حولها الشباب الإسلامى من كل بلاد الإسلام وهى حركة باقية ما بقيت
الأسباب وما بقى الطغاة .
المواطن الذى يعيش
اليوم فى أمريكا ويعيب على شعوبنا لو أصابه رزاز ما يصيب المواطن العربى ما خرج
يومًا فى مظاهرة وما أعلن عن حقوقه وما فرض ذاته ... والصبر هو طريق المجاهدين لأن
النتائج فى علم الغيب ولها ـ من قبل الخلق ـ أوان لن تخلفه .
ونحن وإن كنا
نعترف أن العهد الذى نعيشه هو أسوأ العهود التى عاشتها مصـر ، وان النظام الفاسد
الذى يحكمنا قد امتدت مفاسده لتصل إلى كل الدول المجاورة بعدما أصبح لـه باع طويل
فى وسائل القهر والتعذيب إلا أننا يجب أن ندرك أن الحركات الشعبية إن لم تكن
مدروسة ومنظمة فانها تكون وبال على الأمة لأنها تزيد من انتباه النظام إليها
وتدفعه إلى تعظيم قوته عددًا وعدة واتساع مساحة الاعتقال لديه لمجرد الاشتباه وفرض
المزيد من القوانين المقيدة للحريات والقضاء على أجيال كاملة من المقاومة بالحبس
والاعتقال دون عائد أو فائدة .
يلزم الحركات
الشعبية الكثير قبل الظهور .. يلزمها عدم الاستجابة لاستدراج الدولة لها للكشف عن
عناصرها من خلال خدعة الانتخابات وبراءة الندوات وكثرة الكتابات والأنشطة النقابية
المختلفة .. يلزمها بيات إيمانى وفترة كافية لتثبيت جذور المقاومة فى باطن الأرض
قبل الظهور على سطحها .. لابد من اعداد جيل كامل للمقاومة وليس مجموعة أفراد يسهل
السيطرة عليهم فى كل حين .
إن تربية النفوس
واقامة دولة الإسلام فى القلوب يجب أن يسبق أى عمل شعبى ، ولا عيب أن تترك الساحة
للمفسدين لفترة يتم فيها التمكين .. إننا أمام منظومة أمنية اُعد لها جيدًا ، وهى
تفعل فينا ما تفعله أمريكا فى العالم ، وهى لا تتردد عن فعل أى شئ .. منظومة
شيطانية فقدت الضمير والانتماء وقد وضعها المفسدون من أجل البقاء .
إن ما أصدرته
الجماعة الإسلامية فى مصـر تحت عنوان ( شاهد على جرائم النظام المصرى ) يوضح بحق
أننا نعيش أسوأ العهود ...
لقد هالنى ما حدث
للمجاهد عامر عبد المنعم ـ مدير تحرير الشعب ـ هالنى معرفة التفاصيل التى لم
يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ... أسر كاملة داخل السجون ـ قتل تحت
التعذيب ـ اعتقال مدى الحياة ـ تعذيب أهالى المعتقلين ـ تعذيب النساء والشيوخ
واعتقال الأطفال وحتى المتخلفين عقليًا والأقزام ( 80 سم ) وذو العاهات ـ ومنع
الطلبة من الامتحانات .
يا حفيظ .. يا
مجير .. يا قوى .. يا بصير .. يا سميع .. يا عليم .. يا منجى .. يا منتقم .. يا
جبار ..... لقد تعلمت العصابات الصهيونية فى إسرائيل من النظام المصـرى كل ما
تفعله الآن فى الفلسطينيين !!!
فى مصـر : لا شرطة
تحمى ، ولا قضاء يحكم ، ولا إعلام يفضح ، ولا منظمات تدافع .... إنها الأرض الخصبة
لزراعة بذور المقاومة وليست الأرض الصلبة لحمل أقدام المقاومة .
ليس من يسمع كمن
يرى ، والنظريات شئ والتطبيق شئ آخر ، والحكم على مجتمع من خلال العيش فى مجتمع
آخر نوع من الظلم والتعجيز لأن معايشة الأمور وتقدير الظروف والإلمام بكل التفاصيل
التى تتحكم فى أى مجتمع هى التى تعطى الصورة الصادقة لأسباب تقدم هذا المجتمع أو
تخلفه .