خطاب الي سماحة الإمام علي خامنئي مرشد الثورة الإسلامية:

الشرعي والثوري: أحياد إذا ما ضرب العراق؟

 

بقلم : ليث الشبيلات

 

أرجو أن لا يغيب عن سماحتكم وأنتم تقرؤون رسالتي هذه أن كاتبها من خندق المحبين وليس من خندق المبغضين إذ كان من أشد أنصار الثورة الإسلامية منذ لحظة قيامها، وهو في ذلك لم يكن متميزاً حتي عن اليساريين العرب في السنوات العشر الأولي للثورة الذين، باستثناء بعثيي العراق منهم، كانوا يعارضون الموقف العراقي من الحرب مع إيران. وأن كاتبها أيضاً ليس من أصحاب المواقف المتقلبة فهو لم يخف حتي علي الرئيس صدام حسين (نصره الله علي قوي الشيطان الأكبر) عندما قابله متوسطاً للإفراج عن السجناء الأردنيين عام 1998 بأنه ما زال من أشد المعجبين بالإمام الخميني رحمه الله ولم يكن ذلك أبداً حاجزاً أمام تكريم الرئيس العراقي له في نفس الجلسة بإطلاق سراح جميع المسجونين الأردنيين من سجون العراق. (وتمر الأيام لكي نسمع من الرئيس صدام كلاماً قبل أيام هو في منتهي الرفعة والمودة في ذكري انتهاء الحرب العراقية الإيرانية إذ وصف الطرفين بالطرف المنتصر).

بهذه الخلفية وبالتأكيد علي ما يعرفه الجميع عني بمن فيهم أخواني الأحباء في العراق إضافة إلي إيران بأنني مازلت حتي اليوم من المعتقدين بالإمام الراحل رضوان الله عليه ومن الذين يحاسبون أنفسهم وأحبابهم علي مسطرته الفكرية، أكتب إليكم وأنا مدرك تماماً بأن مثلكم لا يسمح لنفسه أبداً أن ترفض الاحتكام إلي مواقف ملهم الثورة وقائدها رضوان الله عليه وإلي قول الإمام أبي الحسنين عليه وعلي أبنائه وزوجه الطاهرة البتول أطيب السلام: ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك أن تعود فيه للحق،فالحق قديم والعودة إلي الحق خير من التمادي في الباطل وقوله كرم الله وجهه الشريف موجهاً رسالته إلي إمبراطور الروم: لا يغرنك الذي بيني وبين صاحبي (يقصد معاوية) فلو حدثتك نفسك بالغزو لسرت إليك تحت راية معاوية)! . فأقول وبالله التوفيق:

من اللحظة التي بدأ فيها الأمريكيون حشودهم لاحتلال الخليج في 5/8/1990 وضح لكل صاحب رؤية تحررية، إسلامية كانت أم غير ذلك، بأن مواجهة الغزاة لإخراجهم من الخليج المحتل أصبحت واجباً شرعياً كما تحررياً، وهي بالإضافة واجب أكبر علي من يصرون علي تسمية الخليج باسمهم!! وانتظرنا أن تتخذ القيادة الإيرانية الموقف الذي لا نشك للحظة واحدة أنه كان سيكون موقف الإمام الراحل خصوصاً وأن الجمهورية الإسلامية هي في قلب الأهداف المتتالية للأمريكان الذين لهم عندها ثارات لا تنسي، وشددنا الرحال إلي إيران لنساهم في حث المسؤولين علي اتخاذ الموقف الذي يوجبه الشرع، فصدمتنا حقيقة أن خط الإمام الراحل الذي فهم الموضوع كما فهمناه كان يمثل أقلية أمام الخط البراغماتي والذي يحلو للبعض تسميته بفكر البازار . ونأت إيران بنفسها للأسف عن قلوب الملايين من أبناء الأمة الإسلامية الذين كانوا يناصرونها ضد ما كان يعتقد أنه حرب تصب في صالح الشيطان الأكبر. فهذه الملايين التي كانت تخرج في المظاهرات حاملة صور الإمام الخميني كرمز إسلامي للتحدي الإنساني للمستضعفين في مواجهة الاستكبار ثبتت علي موقفها في تمجيد من يناهضون الاستكبار، وأصبحت في يوم وليلة تحمل صور رمز التحدي الجديد صدام حسين منذ اليوم الذي بدأت فيه الولايات المتحدة تحريك أساطيلها إلي الخليج (وبالتحديد 5ـ8ـ1990). ونحن ندرك بأن هذه الحقيقة ( لا الرأي) قد لا تعجب كثيراً ممن هم في طرفكم ولكننا كمحبين للإمام وخطه الأبلج نعتقد بأن ذلك لم يكن ليكون مشكلة عند الإمام الراحل لو كان حياً. ألسنا جميعاً من الذين يزعمون بأنهم ينصاعون لإرادة الجماهير في ما ليس فيه معصية لله تعالي؟ (وهذه الأمة لا تجمع علي باطل: فلم تكن علي باطل عند مناصرتها إيران في الحرب الأولي وهي ليست علي باطل اليوم إذ تناصر العراق في محنة تهديد سيادته، بل إن الباطل يلبس كل الذين ينصاعون إلي قرارات اللاشرعية الدولية التي فضحها الإمام الراحل حتي لو كانوا قيادات إسلامية). إن الشعوب أقرب للفطرة من قياداتها المتفيقهة دينياً أو المتفلسفة قومياً، ألا يتوقف كل من يزعم بأنه قيادي أمام الظاهرة التي تبدو متناقضة للجهلة منا وأصحاب الهوي ولكنها طبيعية مفهومة عند أهل الصفاء الذين يقدمون إرادة الأمة التي لا تجمع علي باطل علي هواهم: ألا يرون بأن الشعارين الوحيدين اللذين ترفعهما الانتفاضة الفلسطينية الثانية من خارج حدودها الجغرافية هما علم حزب الله وصورة صدام حسين!!؟؟... أعجَب ذلك من أعجَب وأغضَب من أغضَب. وقد كانت صور الإمام الراحل ورمز التحدي في وقته تملأ مسيرات الانتفاضة الأولي؟ من منا يجرؤ أن يقلل حياءه فيقول لأبطال الانتفاضة إنكم علي باطل إذ ترفعون صور خصم الثورة الإسلامية السابق؟؟ .

 

سماحة الإمام

 

عندما بدأ الاحتلال العسكري الأمريكي للخليج فوجئنا بتراجع المواقف الرسمية الإيرانية بدلاً من تقدمها، وقد عزا بعض المسؤولين الإيرانيين لنا ذلك في مؤتمر القدس في ديسمبر 1990 في طهران بأنهم يرفضون الجهاد تحت راية صدام فأجبناهم بأن الخليج يزيد طوله عن 2000كلم وبأن القوات الأجنبية موجودة علي طوله ووجب علي إيران التصدي لذلك تحت راية الثورة الإسلامية إن لم ترد التعاون مع صدام، وطلبنا منهم الكف عن التهرب من المسؤولية وكأن ليس هنالك سوي باب واحد ضيق للمقاومة يسده صدام حسين، مبدين لهم بأن مثل ذلك المنطق يخجل من بذله البسطاء، ودللنا يومئذ علي صحة موقفنا باضطرار ولي أمر الجمهورية الإسلامية بعد شهر من التحرك الأمريكي (في سبتمبر 1990) إلي إصدار فتوي بالجهاد لإخراج القوات الأجنبية من الخليج مع أن الفتوي شابها خلل رئيس إذ شرطت وجوب الجهاد إذا بقيت القوات الأجنـــــيبة مدة طويلة في الخلــــيج ، الأمر الذي حدا بي يومها لإرسال برقية إلي مقامكم الكريم أشكركم فيها علي الفتوي متسائلاً في الوقت نفسه: هل يربط فرض العين بمدة زمنية؟ أم إنه يفرض من اللحظة التي يطأ فيها الغزاة أرض المسلمين؟؟؟ وبالنتيجة فها هم في الخليج لأكثر من اثنتي عشرة سنة، فكم يحتاج الأمر بعد لتصبح الفتوي فعالة؟

وعندما بدأ العدوان الجوي علي العراق ولم تتحرك إيران بل التزمت طاعة قرارات الأمم المتحدة الإجرامية بالحصار الاقتصادي للعراق حضرت إلي طهران موفداً من شخصيات إسلامية قيادية عديدة قصد مقابلتكم لاستفتائكم، فلم استقبل من قبلكم! وطلب مني كتابة الاستفتاء لترجمته للفارسية قبل مقابلتكم، وأرسلت الخارجية معي مترجماً أقام في الفندق حتي أنهيت رسالة الاستفتاء التي كانت باسمي وباسم الشيخ حسن الترابي والشيخ راشد الغنوشي وآخرين (مرفق نسخة عنها). فاستقبلني فضيلة الشيخ مهدي كروبي رئيس مجلس الشوري نيابة عنكم واستلم المذكرة وانتظرت بضعة أيام في الفندق لاستلام الرد فلم يأتن الرد فغادرت ولم يصل أياً منا رد حتي يومنا هذا.

لقد تجرع الإمام رضوان الله عليه السم عندما قبل قرار الأمم المتحدة لأنه عاش ومات واصفاً إياها بأنها أداة الاستكبار والشيطان الأكبر؛ أليس عجيباً بعد ذلك أن يصبح شرب السم مثل شربة الماء بعد وفاة الإمام؟ فلا نسمع من إيران التي حررها الإمام إلا مطالبة للعراق بالانصياع لقرارات الأمم المتحدة، كما تنصاع هي نفسها لقرارات الأمم المتحدة فتطبق الحصار علي بلد مسلم بما يخالف الشرع الشريف، بل وتنتقل إلي تطبيق الحصار حسب المفهوم الأمريكي المتجني والذي يفوق قرارات الأمم المتحدة: فليس هنالك مثلاً قرار بالحصار الجوي بدليل أن الطائرات بقيت تطير إلي بغداد حتي ليلة الهجوم الجوي. ويا لخجل المسلمين عندما تأتي طائرة روسية كاسرة الحصار حاملة أعضاء في الدوما الروسية إلي بغداد فتعيدها السلطات الإيرانية لأنها لا تملك تصريحاً من الأمم المتحدة، بدلاً من أن يبادر أعضاء مجلس الشوري في الجمهورية الإسلامية إلي كسر الحصار بطائرات إيرانية أو بالطائرات العراقية الموضوعة كأمانة لدي إيران والتي خالفت فيها سلطات الجمهورية الإسلامية العهود المقطوعة إذ ترفض إعادتها حتي اليوم!!!.

ألا يحق لمحبيكم أن يسألوكم عن موقف الشرع الشريف وموقف الثورة الإسلامية من سماحكم لباقر الحكيم وجماعته أن يجلسوا مع الأمريكان الذين يحشدون لغزو العراق. وحتي لو وضعنا جدلاً المنطلق الشرعي جانباً وأخذنا الموقف السياسي، أفلا يحق لنا أن نسأل أين مصلحة إيران في المغازلات الجارية مع المستكبرين؟ ما معني أن يزور رئيس الجمهورية الإسلامية الآن أفغانستان ويلتقي تحت حراسة القوات الأمريكية قرضاي، صنيعة أمريكا وآخر رمز من رموز العمالة الذي يحتقره العالم الإسلامي وجميع أحرار العالم الثالث المستضعف، ويخاطبه أمام الصحافة العالمية وهما محاطان بالحراسات السرية الأميركية بأن الجمهورية الإسلامية تتفهم قبول أفغانستان القوات الأجنبية علي أراضيها!!!

 

سماحة الإمام

 

إن الله سائلنا إذ لم ننصح لكم كما نصحنا لحكامنا (وأنتم تعلمون مقدار مصداقيتنا وكم دفعنا من ثمن لنصيحة من يصلنا بطشهم) وأرجو أن يكون حظ رسالتي هذه أوفر من حظ اتصالاتي السابقة، فحتي أطفالنا يعرفون أنكم مستهدفون بعد العراق ونكاد نشق ثيابنا غيظاً ونحن نري حكومة الجمهورية الإسلامية لا تحسن التصرف في هذا الشأن لا بالاستناد إلي الشرع وما فرضه من أخوة ولا بالاستناد حتي للبراغماتية، فالبراغماتية تحدد بأن عدو عدوي صديقي، كما إن الحكمة، قبل الشرع، هي التي تقول: تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا.

لقد قدمنا قبل عام إلي لجنة صياغة مؤتمر دعم الانتفاضة الفلسطينية في طهران مشروع قرار بضرورة إنشاء محور إيراني عراقي سوري لبناني يقلب سحر السياسة الأمريكية في المنطقة علي الساحر وقد وقع علي الاقتراح ما يزيد عن مائة شخصية شملت من أقصي طيف السلطة الوطنية إلي أقصي فصائل المقاومة الفلسطينية وشخصيات عربية وإسلامية من وزن الرئيس سليم الحص والرئيس عبد اللطيف عربيات والاقتصادي الوطني رفعت النمر وأمثالهم فرفض القائمون علي المؤتمر العتيد حتي تلاوة المقترح في اللجنة، وحاولوا بالمقابل زج مقترح من قبل سماحتكم يطالب بإقامة دولة في فلسطين يحق فيها للمسلمين والمسيـــــحيين ويهود ما قـــــبل الـ 48 الانتخاب فرفضــــناه لأننا لم نجد له معني سوي إبداء مرونة غير لازمة وفي غير وقتها. لقد خرج الحاضرون يومها بانطباع سيئ جداً عن المؤتمر وأخبرني من لا يستطيع أحد أن يشك في جهاده: إن مقررات مؤتمر قمة الدول الإسلامية في الدوحة (الذي عقد قبل شهر من مؤتمرنا المذكور) أقوي من مقررات مؤتمرنا الشعبي هذا في عاصمة الثورة !!!!

وفي الوقت الذي ترفضون فيه حتي التفكير والكلام بإقامة مثل هذا المحور وتعلنون الحياد(!!!!)، تعلن الولايات المتحدة بأنكم والعراق وسورية وحزب الله محور الشر وتتعامل معكم علي أنكم حلف عدواني بالنسبة لمصالحها وهي زاحفة عليكم الواحد تلو الآخر. ولو كان الحياد سينفعكم لاحقاً لتفهم عقلنا سبب مخالفتكم الشرعية غير المعذورة بترك إخوانكم يضربون لوحدهم، أما في ظل التهديدات التي توجه إليكم فإن المصلحة السياسية البراجماتية إضافة إلي الموقف الشرعي هما اللذان يفرضان عليكم الالتحام الفوري بجبهة مقاومة. ونحن أبناء الأمة لا نري سبباً لعزوف أي منكم عن التحالف سوي الرهبة من بطش أمريكا والرغبة في رضاها المستحيل مستقبلاً، وفي ذلك انقلاب علي الأمة وأمانيهاً. والقاعدة الفقهية تقول بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وبذلك فإن تحالفكم مع إخوانكم مهما كان بينكم من دماء هو أمر يرقي إلي فرض العين. وإذا لم تبادروا إلي ذلك حالاً فإننا نشكوكم إلي الله شكوي مريرة تتناسب مع عظم المسؤولية التي تتهربون من حملها. إنكم بذلك تسلمون أقطار الأمة قطرا تلو الآخر لسكين الجزار الأمريكي: وإن غداً لناظره لقريب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اللهم إننا نبرأ إليك مما يفعله الأمريكان والصهاينة ونعتذر إليك مما تفعله قياداتنا الإسلامية والقومية، و إن حسبنا الله وهو نعم الوكيل. اللهم هل بلغت؟ الهم فاشهد!