الانتفاضة الفلسطينية.. وتحديات المرحلة الراهنة

 

بقلم : بسام عليان

 

  

في نهاية هذا الشهر (ايلول)، تكون الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة الأقصى)، قد دخلت بداية عامها الثالث، وهي تمر بفترة تحول كبير في انجازاتها على المستويين الداخلي والخارجي معاً، مما يجعلنا نثق بأننا امام حرب شعبية فلسطينية لمواجهة الاحتلال الصهيوني، على قاعدة استمرارية الانتفاضة وتواصلها وتصعيدها حتى انجاز الاهداف الوطنية المشروعة المتمثلة بازالة الاحتلال، واقامة الدولة الفلسطينية على ارض فلسطين العربية.

ولا شك في ان القضية المركزية التي تشغل التفكير الشعبي الفلسطيني، وتستحوذ على جل اهتمامه، تتمثل في البحث عن افضل السبل العملية، واكثرها فاعلية لدعم استمرار الانتفاضة الشعبية على ارض فلسطين، التي يخوضها الشعب الفلسطيني بتصميم لا يعرف الكلل وعزيمة لا تلين، واستعداد كبير للبذل والعطاء في ميدان الاستشهاد من اجل دحر الاحتلال الصهيوني، واقامة دولة فلسطين المستقلة فعلياً على ارض فلسطين.

واذا كان من حقنا ان نطالب ابطال الانتفاضة من الاطفال والنساء والرجال والشيوخ الاستمرار في انتفاضتهم المجيدة، وتصعيدها والحاق الهزيمة بالمحتل الصهيوني، فان من اولى واجباتنا تجاههم، العمل على توفير كل متطلبات هذا الاستمرار من دعم مادي ومعنوي، سياسي واقتصادي واعلامي، وتعزيز قدرتهم الفعلية على التعايش مع الانتفاضة كنمط حياة نضالية ستستمر الى ان تتحرر الارض الفلسطينية المحتلة، ويتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته الكاملة في اطار دولة فلسطين المستقلة.

ونستطيع ان نقول بكل ثقة ان الكثير من العوامل الموضوعية والذاتية للانتفاضة تؤكد على استمراريتها وتجاوزها لعوائق الاجهاض، وبشهادة العدو الاسرائيلي المدجج بترسانة الاسلحة الاميركية المتطورة والحقد الاسود، واهم هذه العوامل:

1- الاحساس الهائل لدى الجماهير الفلسطينية بالثقة بالنفس والانجازات التي تحققت، مما يشكل المحرك الرئيسي لهذه الجماهير، ويدفعها للاستمرار، خاصة وان التطورات السياسية على الصعيدين الفلسطيني والعربي في ظل الهجمة الاميركية على العراق الشقيق تؤكد سلامة المسيرة وتعمق هذا الشعور الكفاحي لدى الجماهير وتشحذ هممها.

2- اعتراف الجميع دون استثناء، بما في ذلك المعسكر الاسرائيلي، بتصدر القضية الفلسطينية للموقف، وتعاظم التأكيد العالمي للنضال الفلسطيني، وتفجر مشاعر الاحترام لشعبنا في العالم، والتعاطف مع معاناته، في الوقت الذي تتسع فيه مظاهر الادانة الدولية للسياسة الاسرائيلية وحليفتها الولايات المتحدة الاميركية التي تكيل بمكيالين، وخير دليل على هذه الادانة ما حصل قبل عام في جنوب افريقيا في مؤتمر دربان، وما يحصل هذه الايام في قمة جوهانسبرغ - مؤتمر قمة الارض.

3- تعمق مظاهر واشكال النضال الفلسطيني التي ابدعتها الانتفاضة، وتبلور مجتمع جديد في الاراضي المحتلة، الا وهو مجتمع الانتفاضة، بما فيها من تعزز للتلاحم الاجتماعي والوطني بين الفئات وافراد المجتمع، وتعاظم روح التضحية، والانضباط الشعبي والحس العالي بالمسؤولية، وارتفاع مستوى الوعي السياسي والتنظيمي. بل ويمكن القول ان الجماهير الفلسطينية عبرت خلال الانتفاضة مدرسة نضالية تربوية هائلة في المعتقلات والاحياء والمعارك النضالية، في التصدي لعسف سلطات الاحتلال الصهيوني، وفي الصمود امام حرب الاحتلال الاقتصادية والاجتماعية، وكدست رصيداً هائلاً من التجربة النضالية في مقارعة الاحتلال تدفع في طريق الاستمرار بالانتفاضة وتصعيدها.

4- يسود الاحساس لدى كافة فئات الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة، ان حجم التضحيات التي قدمت منذ اندلاع الانتفاضة، والمكاسب التي تحققت، لا تسمح بأي حال من الاحوال بالتوقف، ذلك ان اي توقف سيعرض كل هذه المكاسب وكل تلك التضحيات للضياع. لذلك، فان الربط لدى الجماهير الشعبية بين ما تم تحقيقه وبين التصميم على الاستمرار في درب الانتفاضة، هو قوي، وتزداد تعمقاً مشاعر الكراهية للاحتلال، وينمو الاحساس بدنو اجله.

5- احساس الجماهير الفلسطينية في الاراضي المحتلة بتعاظم اثر الانتفاضة على تطور المواقف تجاه القضية الفلسطينية، عربياً ودولياً واسرائيلياً، ومن ثم ادراك تلك الجماهير بحسها الثوري الرفيع ان استمرار تحقيق الانجازات وتطويرها على مستوى القضية الفلسطينية، مرتبط بشكل وثيق باستمرار وتصعيد الانتفاضة.

وحسب المراقبين للاوضاع المتفجرة في داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، فان الانتفاضة تنمو وتتفجر عند كافة فئات شعبنا وفي كافة مواقع العمل الوطني في الضفة الغربية وقطاع غزة، في المدن والمخيمات والقرى، في كل حي من الأحياء، وكل موقع، حيث تعود شمولية الانتفاضة الفلسطينية على المستوى الجغرافي والاجتماعي للأسباب التالية:

1- لقد وصلت مرحلة التحرر الوطني لدى الشعب الفلسطيني الى مستوى جديد من النهوض والتجذر، دفع الى ساحات النضال بقوى فلسطينية شابة من الشباب والفتيات، يتمتعون بروح التضحية ويمدون بأجسادهم جسوراً قوية ومتينة كأساس من النضال الوطني الفلسطيني العام، وذلك عن طريق التصدي المباشر لسلطات الاحتلال الصهيوني كمهمة كبرى واساسية على طريق تحقيق الاستقلال الوطني.

2- ادركت الجماهير الفلسطينية، بحكم تجربتها النضالية العريقة اولوية مطلب قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على اية طروحات ومشاريع اخرى، واحست عبر انتفاضتها بأن هذا المطلب واقعي ولا مبالغة فيه، وان تحقيقه ممكن، ما دام الشعب الفلسطيني يتصدى بجسده لدبابات وطائرات العدو الاميركية والصهيونية.

3- كثفت التجربة النضالية الفلسطينية المعاصرة نضالات هذا الشعب، ووحدتها في مختلف الساحات، مما اعطى الثقة للجماهير بنفسها، واكدت استحالة فصل ابناء الشعب الواحد، بغض النظر عن اماكن تواجدهم، واستحالة وجود اهداف متعارضة بينهم، ومن ثم فشل محاولة تقسيم ابناء الشعب الفلسطيني بين الداخل والخارج.

وبالتالي فقد ادرك ابناء الشعب الفلسطيني ان كل مكسب يتحقق على طريق النضال هو مكسب للجميع في كافة الساحات، وانه يقرب ساعة الحق الفلسطيني.

4- لم يترك الاحتلال في نفوس ابناء شعبنا الفلسطيني، عبر السنوات الطويلة الماضية الا مشاعر السخط والرغبة بالتخلص منه. لقد وحّد الاحتلال ابناء الشعب الفلسطيني من خلال استخدامه للأساليب القمعية الاستعمارية الاستيطانية المتعددة الجوانب سياسياً وقومياً وثقافياً واقتصادياً وفكرياً، فقد بذل المحتلون، بكل صلفهم الكولينالي وعنصريتهم الشوفينية، كل ما يستطيعون من اجل الغاء الهوية الفلسطينية عن الشعب والارض والاقتصاد والثقافة. وقد دفعهم غرورهم واعتقادهم بأبدية احتلالهم الى عدم التفريق بين الطبقات والمواقع، حيث كان يدفعهم طمعهم بـ »الارض المفرغة من السكان« الى التمادي، وتدمير الجميع دون استثناء، ليأتي الرد عليهم من كافة طبقات شعبنا العربي الفلسطيني، ومواقعه، عميقاً، عمق الجذور الحضارية لهذا الشعب، واصيلاً وبسيطاً كبساطة وانتماء الانسان الفلسطيني، الذي فجر هذا المخزون الضخم من مشاعر الغضب في وجه الاحتلال، ليعلن ان لا خيار سوى خيار الانتفاضة.

كما بينت الانتفاضة لكل اسرائيلي ضحالة الطرح الصهيوني - الاحتلالي، الذي كان يصور الفلسطيني بالارهابي المتوحش تارة، وبالخانع الراضي بما كتب له تارة اخرى. فقد برز هذا الفلسطيني، وعبر الانتفاضة، كأحد اسمى التعابير الانسانية الخالدة على مر العصور، وذلك بروح تضحيته العالية، وبحبه الشديد لتراب وطنه وبتكافله السخي، وفرضت الضحية من جديد احترامها على جلادها. وكانت الانتفاضة التعبير الواضح، على ان هذا الشعب لن يقبل باستمرار الاحتلال مهما طال الزمن، يحث اخذت اساط واسعة من الرأي العام الاسرائيلي تدرك استحالة استمرار الاحتلال.

وعليه، فان المرحلة التاريخية الحاسمة التي تمر بها منطقتنا العربية، وقضيتها المركزية - قضية فلسطين - تتطلب جهوداً فلسطينية وعربية مكثفة ومتواصلة لبرمجة الاطر العامة لأهداف واولويات دعم الانتفاضة الفلسطينية وتصعيد وتائرها، ودعم الصمود الفلسطيني للقاوم للخطر الصهيوني الزاحف تجاه امتنا العربية برمتها لتحقيق الامن القومي لامتنا العربية. فان نضالات الشعب الفلسطيني عبر الانتفاضة الباسلة، تطرح علينا كعرب واشقاء، تحديات كبيرة جداً للارتقاء بالواقع الحالي، وتأمين متطلباته ومتطلبات تصعيده وحماية منجزاته، لتصبح ارضية صلبة يستند اليها النضال الفلسطيني، وينطلق منها لآفاق نضالية ارحب نحو تحقيق الاهداف العامة والرئيسية لهذه النضالات، المتمثلة في خلق مقومات الصمود والانتفاضة، والاسراع في تنفيذ قرارات دعم الانتفاضة الصادرة عن القمتين العربيتين الاخيرتين اللتين عقدتا في عمان وبيروت، وحث الدول العربية على الاستمرار في تحويل مخصصات دعم الصمود التي اقرتها القمتان العربيتان لتنفيذ برنامج دعم الصمود المقاوم وتعزيز الاعتماد على الذات.